
كانت معبرة جدا العبارة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليقا على الإنتهاك الخطير لوقف إطلاق النار في غزة. فهو قال بشيء من الثقة بأن لا شيء سيهدد وقف إطلاق النار، ومضيفا: “حركة حماس جزء صغير ضمن اتفاق الشرق الأوسط”. وجاء كلام ترامب ليؤكد ما يجري تداوله همسا، بأن الإطار الذي شملته التفاهمات والتسويات لتأمين وقف الحرب في غزة هو واسع ويضم الأطراف الأساسية في الشرق الأوسط، ومن ضمن هؤلاء أيران نفسها. ألم يذكر ترامب نفسه خلال وجوده في الكنيست الإسرائيلي ومن ثم مؤتمر شرم الشيخ إيران وبشكل إيجابي؟ أضف الى ذلك تلك الرسالة التي حملها أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم وأعلنها خلال إطلالته الأخيرة وفحواها: لن نبادر للقتال، ولكن إذا اعتدى أحد علينا فعندها مسألة أخرى. وفهم كلام قاسم بأنه رسالة إيرانية مرنة وإيجابية. ومن جهته وصف ترامب حماس بالجزء الصغير، أي أن إطار التسوية أوسع وأكبر، ومن البديهي الأعتقاد بأن لبنان يشكل جزءا آخر من كامل صورة التسوية.
جاءت زيارة المبعوثة الأميركية مورغان أورتيغاس الى لبنان مختلفة هذه المرة عن كل زياراتها السابقة. فهي جاءت بعد جولة لها مع وزير الدفاع الإسرائيلي على الحدود مع لبنان، وهي أيضا وضعت مسافة فاصلة بينها وبين الأعلام اللبناني. فحجبت كاميرات التصوير ووابل أسئلة الإعلاميين، واكتفت بتوزيع صور جامدة، والإكتفاء بالبيانات الرسمية الصادرة بعد اجتماعاتها. والإنطباع الغالب بأن المقصود من كل ذلك تجنب ارتكاب الأخطاء وهو ما أدى الى “تشظي” زياراتها السابقة بأخطاء كان من المفروض تجنبها، خصوصا وأن لبنان دخل في مرحلة تفاوضية بالغة الدقة، وحيث يحسب فيها كل تفصيل أو إشارة. و”الدرع الواقي” من الإعلام اللبناني الذي لبسته أورتاغوس في بيروت قد لا يكون هدفه الوحيد تجنب استهدافات الإعلام “المعادي” فقط، بل ربما أيضا النيران الصديقة. فخلال الأيام الماضية غلبت الفوضى على من يكون الطرف الفعلي الذي يتولى إدارة الملف اللبناني_الإسرائيلي بإسم واشنطن. فقبل أيام إنبرى الموفد الرئاسي توم براك واتصل برئيس المجلس النيابي نبيه بري حاملا عرضا بالتفاوض ووقف النار لمدة شهرين. وحين أطلع بري رئيسي الجمهورية والحكومة على تفاصيل العرض، حصل تفاهم لبناني يقضي بقبوله، لكن جاء جواب براك لاحقا بأن إسرائيل رفضت إقتراحه. وهذا ما ولد دهشة لبنانية، إذ كيف لبراك أن يتققدم بعرض لم يعمد للتمهيد له مسبقا مع الإسرائيليين. لكن ومع شيء من التدقيق، تبين لاحقا بأن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو المستاء من براك بسبب الملف السوري، لم يشأ أن يمنحه هذا الدور، مفضلا عليه أورتاغوس والتي تعتبر من “عضام الرقبة” كما يقال في اللغة العامية. وبعدما كان حضر برنامجه لزيارة بيروت بعد مغادرة أورتاغوس، فإن براك عاد وألغى زيارته الى لبنان. وأغلب الظن أنه “ذهب ولن يعود”.
لكن ثمة وافد أميركي جديد قد يطل عبر النافذة اللبنانية، وهو مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى جويل ريبورن. فالضابط السابق الملم جيدا بملفات المنطقة والمصنف في خانة الصقور، يضع أمام مكتبه ملفات شخصيات لبنانية مرشحة لإدراجها في لائحة العقوبات، وهو المؤمن بفعالية هذا السلاح. تكفي الإشارة الى أن المسؤول الأميركي الجديد كان قد لعب دورا أساسيا في تطبيق قانون قيصر، وهو كان قد أدلى بشهادته في العام 2020 أمام الكونغرس الأميركي مؤكدا بأن الإجراءات التي اتخذت ضد سلطة بشار الأسد “قربت الأهداف الأميركية من التحقق”. وبعد أيام قليلة سيصل السفير الأميركي الجديد الى بيروت ميشال عيسى، والذي جرى الترويج لقدومه بأنه بمرتبة “سفير فوق العادة” وسيتولى هو ملف التفاوض اللبناني_الإسرائيلي. ووفق ما سبق، يتبين وجود نوع من التنافس بين المسؤولين الأميركيين حول من يتولى الإمساك بالملف اللبناني_الإسرائيلي، ولو أن الترجيحات تؤشر لشراكة عمل بين أورتاغوس وعيسى.
وبالعودة الى جولة أورتاغوس الأخيرة في بيروت، فهي جاءت حاملة بين يديها ملفا بعنوانين، وجرى التمهيد له بالتلويح بالعودة الى دورة العنف من جديد. العنوان الأول وهو المتقدم ويتعلق بالمفاوضات بين لبنان وإسرائيل، أما العنوان الثاني فيتعلق بموضوع سلاح حزب الله. بالنسبة للعنوان الأول، فلقد بات معلوما أن أورتاغوس حملت معها عرضا بالتفاوض المباشر بين لبنان وأسرائيل وهو ما رفضه لبنان، ولكنها رحبت بمفاوضات غير مباشرة شرط تطعيم الوفدين بوجوه مدنية وديبلوماسية وليس الإبقاء فقط على الوجوه العسكرية، وأن يكون ذلك من خلال فريق الميكانيزم. وغادرت أورتاغوس ومعها ما يشبه القبول اللبناني بهذا المبدأ. ورغم التبريرات التي يجري تسويقها، ألا أن الإنطباع الغالب بأن هذه المفاوضات غير المباشرة لن تلبث أن تنزلق باتجاه مفاوضات مباشرة، ولو بعد فترة من الزمن. فالمفاوضات غير المباشرة المقترحة ستستنسخ مفاوضات الترسيم البحري والتي جرت داخل مقر واحد ، ولو أن التخاطب كان يجري من خلال الوفد الأميركي. كما أن الوفد اللبناني ضم يومها خبيرين مدنيين، الأول كان نجيب مسيحي المتخصص بقوانين البحار، والثاني وسام شباط عضو هيئة إدارة قطاع البترول في وزارة الطاقة. وبالتالي فإن المطروح الآن تنشيط لجنة الميكانزم لتصبح هيئة للتفاوض بعد تطعيمها بوجوه مدنية تتراوح بين ديبلوماسيين كما تقترح واشنطن، أو بين خبراء تقنيين كما يتمسك لبنان حتى الآن، أي بإدخال خبير بترسيم الحدود وآخر بالقانون الدولي.
ذلك أن الجميع يعلم بأن هذه المفاوضات ستتطور لتتولى لاحقا ملف تثبيت الحدود بين لبنان وإسرائيل. وهو ما يعني بأنها ستطال لاحقا موضوع مزارع شبعا، وذلك بعد حسم هويتها.
أما العنوان المتعلق بسلاح حزب الله فهنالك مهلة إنهاء الوضع جنوب الليطاني والتي حددت قبل نهاية السنة الجارية. ولكن ثمة نقاشات جانبية تجري وتتعلق بالسلاح على كامل الأراضي اللبنانية. وهنا جاءت زيارة رئيس المخابرات المصرية محمود رشاد، حيث جرى استحضار ملف التسوية في غزة، وهو الذي شارك في ترتيبه، بسبب وجود أوجه شبه كثيرة بينه وبين ملف حزب الله. وبدا أن زيارته لبيروت لم تكن مجرد مصادفة، لا بل أكثر من ذلك. وكشف في هذا الإطار عن مشروع قرار يجري كتابته لإقراره في الأمم المتحدة ويتعلق بتثبيت الوضع في غزة، وأن هذا ما يمكن أن يحصل مع لبنان مستقبلا. ومن هذه الزاوية بدا وكأن هنالك إمكانية لمقاربة ملف سلاح حزب الله إنطلاقا من تسوية غزة. ففي هذا الإتفاق حصل اعتراف أميركي بحركة حماس، وهو تمثل بجلوس ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر مع خليل الحية. وفي السابق كان توم براك نفسه قد تحدث عن استعداد واشنطن للإعتراف بالجسم السياسي لحزب الله. وكما أن تسليم سلاح حركة حماس ترك للمرحلة الثانية وبعد انسحاب إسرائيل من خط أولي، فإن المطروح هنا أولا الموافقة على كامل الخطة، كما حصل مع اتفاق غزة، قبل أن تبدأ أسرائيل بالتنفيذ عبر انسحابها من النقاط الخمس. وفي المقابل يجري التداول في القنوات الجانبية بأن المطلوب هو السلاح الثقيل، أي من مستوى صواريخ الكورنت ووصولا الى الصواريخ البالستية والدقيقة. صحيح أن البند المتعلق بالسلاح لم يجر بعد الدخول في تفاصيله، لكن مصادر ديبلوماسية أميركية إعتبرت أن جمع السلاح في أقرب وقت ممكن من شأنه تفادي تدهور أمني محتمل. وهو ما يعني بأن الوقت ليس مفتوحا، لا بل أن هامشه ضيق، وأن البديل هو ما يتمناه نتنياهو ومعه اليمين المتطرف. وفي هذا الإطار إعتبر ديبلوماسي معني بأن السلطة اللبنانية تسعى جيدا لتطبيق قرارها بحصر السلاح بيدها، لكن مع محاذرة الإصطدام بحزب الله. وأن اعتمادها أسلوب الغموض إنما يهدف للحفاظ على الإستقرار والتماسك الداخلي.
وفي اتفاق غزة تشكيل قوة حفظ سلام دولية، وحيث تسعى دول عدة للإنخراط في عدادها، مثل تركيا (التي تعترض عليها إسرائيل) وأذربيجان وأندونيسيا وباكستان ومصر وبعض دول الخليج. ورغم وجود قائمة إخفاقات طويلة للقوات الدولية إلا أن هذا لا يعني حتمية الفشل.
وفي لبنان فإن إنهاء عمل قوات الطوارىء الدولية سيؤدي لوصول قوات أوروبية ستتولى مهمة مشابهة لقوة حفظ السلام في غزة. ولذلك مثلا تريد القوة الفرنسية العاملة في اليونيفيل أن تكون آخر المغادرين، والمقصود هنا أن تشكل حلقة الوصل ما بين انتهاء مهمة اليونيفيل وبدء انتشار القوة الأوروبية والتي ستكون عمادها.
وهنالك حرص على إحاطة كل هذه الورشة بالسرية المطلقة. فالمطلوب أكل العنب وليس قتل الناطور. وإذا كان الجزء المتعلق بغزة والذي وصفه ترامب بالجزء الصغير، يتقدم ببطء وسط مخاطر كثيرة، فإن الجزء الصغير الثاني أي الجزء اللبناني قد حان وقته للحل. وبالتأكيد فإن الجزء الأكبر من المشهد يقبع في طهران، والتي تخوض بدورها مفاوضات صعبة حول النووي وغير النووي مع واشنطن، وسط سرية مطلقة.
وخلال الأيام الماضية، لفت انعقاد مؤتمر في تل أبيب جمع ممثلين عن أقليات دينية وقومية في الشرق الأوسط، ومن بينهم علويون ودروز وأكراد وأيزيديون وأشوريون. ونظم المؤتمر الباحث في شؤون الشرق الأوسط إيدي كوهين وهو بالمناسبة لبناني المولد وينتمي للجناح اليميني، وشاركه التنظيم ناشطين أوروبيين وأميركيين. كوهين قال بأن الهدف هو تعزيز الحوار والتعاون بين الأقليات في المنطقة وبين إسرائيل، في ظل التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها هذه المجموعات في دولها الأصلية. وهي النظرية التي كانت ابتكرتها إيران في مراحل سابقة، لحماية تمددها الإقليمي. فهل هذا هو المشروع الكبير الذي يتحدث عنه ترامب للمنطقة، أم أن لإسرائيل رؤيتها وحساباتها المختلفة؟


