مقالات صحفية

“ما المقصود بالمسار التفاوضي الأمني” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

تفاوتت التقييمات حيال نتائج الجولة التفاوضية الثالثة المباشرة بين لبنان وإسرائيل تحت الإشراف الأميركي، في العاصمة الأميركية واشنطن. لكن ما صدر في ختام الجولة أوحى بأننا بتنا أمام انتقال من مرحلة إدارة الإشتباك الى محاولة بناء إطار سياسي_أمني طويل الأمد، ولو أن الوصول الى اتفاق نهائي ما يزال بعيدا وأمامه طريق متعرج محفوف بالمخاطر ومزروع بالألغام. وقد ظهر ذلك بسرعة مع عدم التزام إسرائيل بالهدنة في الجنوب، ما دفع للإستنتاج بأن المرحلة تبدو أقرب الى هدنة تفاوضية تحت النار، وليس تعبيد الطريق أمام سلام مستقر.
لكن الجولة الثالثة، والتي تشكل فعليا جولة التفاوض الأولى، إحتوت العديد من الإشارات المعبرة والتي لا بد من التوقف عندها وقراءة خلفياتها. فكان لافتا تمديد الهدنة لفترة 45 يوما، وهو تمديد طويل الى حد ما وبالمقارنة مع التمديد السابق، في وقت كانت الإشارات الإسرائيلية تتوالى حول احتمال العودة قريبا الى الحرب المفتوحة مع لبنان. وكانت عدة عواصم غربية وفي طليعتها واشنطن قد أبلغت كبار المسؤولين اللبنانيين بأن إسرائيل تستعد للعودة الى الحرب المفتوحة مع لبنان خلال الأسابيع المقبلة. وفي وقت أخذ البعض هذه التحذيرات على محمل الجد، فإن البعض الآخر أدرجها في سياق الضغوط على السلطة اللبنانية تمهيدا للجولة التفاوضية. لكن إقرار التمديد الطويل نسبيا للهدنة أعطى الإنطباع بأن الطرف الأميركي لا يؤيد توسيع دائرة النار في لبنان الآن والذهاب الى الحرب الواسعة، ربما بسبب تركيز واشنطن على الوضع الإيراني، لكن ذلك لا يلغي خطر المواجهات الموضعية أو الضربات المحددة والمحدودة. وخلال جلسات التفاوض في واشنطن تحدث السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى متوجها الى رئيس الوفد الإسرائيلي قائلا أنه تلقى طلبا لبنانيا بتمديد الهدنة لأطول فترة ممكنة وأنه، أي عيسى، يؤيد بقوة هذا الطلب. وانطلاقا من ذلك جرى إقرار تمديد ال45 يوما. وعقب على ما جرى إقراره متوجها الى الوفد اللبناني وقائلا بأنه يأمل أن يؤدي هذا التمديد الطويل الى خطوات عملية من جانب لبنان في الملفات المطروحة على الطاولة.
لكن الخشية اللبنانية كانت تتركز حول استمرار الخروقات اليومية الإسرائيلية كما هو حاصل منذ إقرار وقف النار. وهذه النقطة أثارها الرئيس نبيه بري في مواقفه المعلنة كما في التواصل القائم بينه وبين قصر بعبدا عبر مستشاره علي حمدان ومستشار رئيس الجمهورية العميد أندرة رحال والذي كان يتولى نقل آخر التفاصيل الواردة من قاعة المفاوضات في واشنطن. وعلى الموجة نفسها طلب وليد جنبلاط من ممثله في لجنة التفاوض السفير شوقي بو نصار التمسك بهذا الطلب، كونه كان عضوا مشاركا في لجنة المفاوضات والتي كانت تواكب اجتماعات واشنطن من قصر بعبدا. وهذه اللجنة التي يرأسها السفير سيمون كرم تضم بالإضافة الى بو نصار، أمين عام الخارجية عبد الستار عيسى. وسجل تغييب بول سالم عن آخر اجتماعاتها بعد الإكتفاء بممثل واحد عن المسيحيين وهو كرم. وفي وقت بقي مقعد الممثل الشيعي فارغا، وافق جنبلاط على إشراك ممثله في الإجتماعات التي تعقد فقط في لبنان في غياب الممثل الشيعي، وليس خارجه. المهم أن السفير بو نصار طلب إلزام الوفد الإسرائيلي بتثبيت وقف إطلاق النار وليس فقط بالتمديد وذلك خطيا أو عبر موقف رسمي وعلني. وأمام تدخل السفير الأميركي ميشال عيسى كان الجواب الإسرائيلي بأن إسرائيل تلتزم بعدم استهداف العمق اللبناني والمتمثل بالعاصمة بيروت. وأضاف أن الواقع في الجنوب مختلف، متهما حزب الله بأنه هو من يعمد على خرق قرار وقف النار من خلال نقل أسلحة وذخائر الى مناطق جنوب الليطاني عبر وسائل عدة ومنها سيارات الهيئة الصحية الإسلامية، ومضيفا بأن المسيرات الإسرائيلية تجوب الأجواء اللبنانية وتراقب التحركات على الأرض على مدار الساعة. ورغم إصرار الوفد اللبناني وتفهم السفير الأميركي عيسى، إلا أن الوفد الإسرائيلي رفض تقديم أي إلتزام خطي أو حتى بيان رسمي بعدم خرق قرار وقف النار، كي لا يلزم إسرائيل بأي موقف رسمي. وبالفعل بقي الجنوب مشتعلا خلال وبعد جلسات التفاوض، وحتى عند بدء موعد العمل بالتمديد الثاني لقرار وقف النار.
وخلال الجلسات المتواصلة كرر الوفد الإسرائيلي “لازمته” ردا على النقاط اللبنانية، بأنه لا توجد أطماع إسرائيلية بأي قطعة أرض لبنانية ولا بالمياه، وأن مشكلته الوحيدة هي أمنية وتنحصر بالتركيبة العسكرية لحزب الله والسلاح، وأنه عندما تنتفي هذه “المخاطر” على أمن المستوطنات الشمالية الإسرائيلية فلا تعود هنالك مشكلة لدى إسرائيل مع لبنان. وقد تكون إسرائيل تسعى من خلال موقفها لفرض معادلة جديدة مفادها: لا إنسحاب قبل قيام لبنان بالخطوات المطلوبة منه، ولا وقف دائم وثابت لأطلاق النار قبل ضمان نزع سلاح حزب الله. وهنا يأتي الجزء الأهم والمتعلق بالخطوات المطروحة حول سلاح الحزب.
فللمرة الأولى تشهد مفاوضات لبنانية_إسرائيلية وجود مسارين: واحد سياسي والثاني أمني. وهذه الخطوة المهمة جدا توحي بوجود خطة سيتولاها الجيش اللبناني وتتعلق بالسلاح والحدود والضمانات الميدانية، الى جانب المسار السياسي والذي سيتطرق الى مسائل الحدود البرية والنقاط المتنازع عليها وربما ترتيبات إقليمية أكبر. ومجرد استمرار انعقاد الجولات التفاوضية في واشنطن فهذا يعني التزام لا بل إنخراط أميركي مباشر في تنفيذ الملفات المفتوحة. ولهذا معناه.
ففي 29 الجاري من سيشارك لبنان بوفد عسكري في مفاوضات مع وفد عسكري إسرائيلي في البنتاغون وتحت إشراف وفد عسكري أميركي كبير يضم عددا كبيرا من كبار الضباط وبما يفوق مجموع عدد الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي معا. ومن المنطقي الإستنتاج بأن هذا المسار “الجديد من نوعه” يعكس توجها أميركيا حازما بعدم إهدار المزيد من الوقت، وبالتالي الذهاب أسرع ما يمكن الى خطوات تنفيذية. أو بتعبير آخر أن الإدارة الأميركية تعمل على إخراج لبنان من الدائرة الرمادية الى دائرة القرار والتنفيذ وحسم الخيارات. وما من شك بأن هذا المسار يؤرق قيادة الجيش، فهي تعرف جيدا ما ينتظرها، والخيارات الصعبة التي تواجهها. وقد تكون أولى الصعوبات في كيفية تشكيل الوفد العسكري، وما إذا كان سيراعي التنوع الطائفي اللبناني الحساس جدا في هذه المرحلة خصوصا.
والنقطة الثانية تتعلق بالطرح الأساسي الذي سيحمله الوفد الإسرائيلي والذي يشكل أيضا مطلبا أميركيا وهو المتعلق بالتركيبة العسكرية لحزب الله وسلاحه. وقبل بضعة أيام قال قائد السينتكوم الأميرال براد كوبر أن الهدف الأميركي الأساسي من دعم الجيش اللبناني هو مواجهة حزب الله. وكلام المسؤول العسكري الأميركي الأول في الشرق الأوسط يدفع للإستنتاج بأن ربط المساعدات الأميركية السنوية للجيش اللبناني باتت مرتبطة بشكل مباشر بمهمة نزع سلاح حزب الله. فالدعم الأميركي للجيش يجب أن يقترن بخطة واضحة تتضمن برنامج تنفيذي وعملي. وذلك رغم أن القيادة العسكرية الأميركية كانت تبلغت مرات عدة وبطرق مختلفة أن قيادة الجيش ترفض الصدام العسكري مع حزب الله لأسباب تتعلق بحماية الإستقرار الداخلي. وقد تكون ردة الفعل الأميركية تجميد المساعدات والتي تشكل “أوكسيجين” استمرار عمل الجيش. كما أن الطرح الذي كان قد أشار إليه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والمكلف بمتابعة الملف اللبناني حول تشكيل قوة خاصة داخل الجيش اللبناني سيكون حاضرا بقوة على طاولة البنتاغون. وفي وقت يلحظ المشروع الأميركي تدريب هذه القوة المنتقاة بعناية في الولايات المتحدة الأمريكية وتسليحها بأسلحة متطورة، فإن الجهات اللبنانية تعتبر أن تشكيل هذه القوة وفق المواصفات المطروحة والمهمة المطلوبة منها، سيكون صعبا. ومن البديهي الإستنتاج أن واشنطن لا تريد سماع ما يردده المسؤولون اللبنانيون حول احتمال انقسام الجيش في حال الدخول في مواجهات مع حزب الله. وبالتالي فإن هذه القوة التي سيجري تشكيلها وتدريبها وتجهيزها ستتولى المهمة من دون الخشية من تأثيرات سلبية، أقله هذا ما يعتقده الأميركيون. وفهم أن محادثات تجري بين لبنان وواشنطن عبر قنوات خلفية لتوضيح الزوايا الحساسة.
وهذا الجانب كان احتل جزءا أساسيا خلال اليوم الأول من مفاوضات واشنطن، وحيث كان السفير كرم ينقل كل حوالي ساعتين موجزا مفصلا حول النقاط المطروحة.
ولم تتأخر بالظهور رسائل إعتراض حزب الله. وجاءت عبر بيان رسمي عالي اللهجة، وهو حمل في مضامينه رفضا للمسار التفاوضي المباشر، ومقرونا برسالة ضغط على السلطات اللبنانية بهدف رسم سقف سياسي أمامها لمنعها من السير الى الأمام في المشروع المطروح أمامها. لكن وعلى الرغم من عباراته المتشددة والقوية فإن طابع البيان جاء دفاعيا أكثر منه هجوميا ولو جاءت مفرداته حادة. وهو ما يعني بأن الحزب لا يريد مواجهة داخلية شاملة الآن، ما يجعل البيان أقرب الى محاولة إحتواء لما نتج عن الجولة التفاوضية والحؤول دون تشكيل إجماع داخلي ضد حزب الله. أي أنه يقول بأنه يرفض الشروط السياسية للمفاوضات ولكنه لم يغلق الباب بعد أمام التهدئة. وقد يكون أنه بات يرى بأن الخطر لم يعد عسكريا بل سياسي داخلي أيضا. فهنالك ضغط أميركي متقدم ووفق برنامج مدروس، إضافة الى غطاء عربي لهذه الطروحات، وتعب لبناني داخلي من الحرب المستمرة ومحاولة تعديل ميزان القوى داخل السلطة. لكن تريث حزب الله قد يكون بسبب عدم رغبته بفتح جبهتين عليه في آن معا. واحدة عسكرية خارجية، وثانية سياسية داخلية. لكن إذا تحولت المفاوضات رسميا الى جدول زمني لنزع السلاح، فحينها سترتفع احتمالات التصعيد الداخلي والسياسي وربما الأمني، وهو ما يقلق قيادة الجيش.
وربما لذلك نصح وليد جنبلاط بضرورة التنسيق الدائم بين رئيس الجمهورية ورئيسي المجلس النيابي والحكومة، رغم وجوده في باريس. فالتنسيق وحده بين هذه المواقع الثلاث يمكن أن يؤمن الحماية السياسية للمفاوضات ويضمن نتائجها. وأمام من التقاهم في العاصمة الفرنسية إعتبر جنبلاط أن الظرف الذي يمر به لبنان صعب وخطير، فإسرائيل تريد الإستمرار في مشروعها التدميري في لبنان، وأنه لا حل أمام لبنان سوى المفاوضات، فهي السبيل الوحيد للخروج من هذا الجحيم، ولا مسار آخر متوفر.
ولكن هل هذا يعني أن هذه المفاوضات أنهت خطر العودة الى الحرب المفتوحة؟ بالتأكيد كلا، لأن العقدة الأساسية لم تحل بعد. فإسرائيل تريد إحداث تغييرا جذريا في الواقع الأمني. وفي المقابل لا يبدو حزب الله مستعدا للتسليم بما هو مطروح، والأهم أن إيران ما تزال ترفض القبول بالمعادلة الإقليمية الجديدة، وتتشبث بعدم خروجها من الشاطىء اللبناني. وهي لذلك تراقب المسار اللبناني وتربطه بالتفاوض الأميركي_الإيراني الأوسع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى