مقالات صحفية

“لبنان يستنجد بالسعودية للضغط على ترامب” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

يتوزع الإهتمام اللبناني ما بين بكين وواشنطن. ففي العاصمة الصينية هنالك مباحثات فائقة الأهمية بين الرئيسين الصيني والأميركي حول إيران، قد تحدد المسار الذي ستسلكه المنطقة. وفي واشنطن إنطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل والتي تشكل عمليا الإنطلاقة الفعلية الأولى لها. وما بينهما تصعيد عسكري إسرائيلي وصل الى مشارف العاصمة، وقابله رفع مستوى الرد العسكري لدى حزب الله. وفي كلا التصعيدين رسائل بليغة.
تعول إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب كثيرا على تحقيق نقاط ثمينة من لقاء القمة الأميركي_الصيني. فعلى مستوى الداخل الأميركي تزداد الأوضاع الإنتخابية صعوبة على الحزب الجمهوري، وسط حملات تصاعدية ينفذها أخصام ترامب بسبب الحرب على إيران. ولكن اللافت أن الأوساط التي تدور في فلك اللوبي اليهودي دخلت أيضا على خط الحملات ولكن بهدف دفع ترامب للعودة الى الحرب. وعلى سبيل المثال فإن صحيفة “وول ستريت جورنال” المحافظة والتي تتأثر عادة بمناخ اللوبي اليهودي، نشرت مقالة بتوقيع “هيئة تحرير” الصحيفة إعتبرت فيه أن إستراتيجية ترامب في حربه على إيران لم تعد تخيف حكام طهران الذين باتوا يعتقدون بقدرتهم على الصمود أمام رئيس لم يعد يريد القتال. واعتبرت الهيئة أن الرد الأميركي على انتهاكات إيران لقرار وقف إطلاق النار عبر هجمات على السفن الحربية ودولة الإمارات كان مخيبا للآمال. ومن الواضح أن خلفية مقال الصحيفة يهدف لإثارة ترامب صاحب الشخصية الهجومية والتي تهوى التحدي.
لذلك سيسعى ترامب للحصول على مساعدة صينية عبر الضغط على إيران لتدفعها لتدوير الزوايا. ويراهن الرئيس الأميركي على الضرر الكبير الذي لحق بالصين نتيجة إغلاق مضيق هرمز. فالمعروف أن الصين تشكل أكبر مستورد للنفط الإيراني بنسبة تصل الى حوالي 90%، وهو ما يجعل من مصلحتها إقناع إيران بإعادة فتح هذا الممر المائي الفائق الأهمية. لكن لا يجب إغفال الملفات الشائكة الأخرى بين البلدين والتي قد تكلف ترامب تنازلات صعبة. فهنالك أولا الحرب التجارية التي كان قد أعلنها الرئيس الأميركي من خلال الرسوم الجمركية والتي استهدفت في جزء أساسي منها القطاع الصناعي الصيني. وهنالك أيضا معضلة تايوان والطموح الصيني بضمها. إضافة الى ملفات أخرى.
وحتى الآن وعلى الرغم من التهديدات اليومية لترامب، لم يظهر أن الإدارة الأميركية متحمسة للعودة الى الحرب المفتوحة، لا بل بدا أنها تسعى للضغط للذهاب نحو ترتيبات أمنية وسياسية تدريجية.
ففيما باشرت طهران إستعراضا واسعا للقوة تمثل في إعلان الحرس الثوري توسيع نطاق عملياته الحربية في مضيق هرمز، كشفت عن إجراء مناورات قتالية مكثفة في محيط العاصمة طهران تأهبا لإستئناف الحرب، في وقت لوح فيه البرلمان الإيراني بالذهاب الى خيار التخصيب العسكري لليورانيوم بنسبة 90% إذا انهار وقف إطلاق النار بالكامل. وهو ما يعكس إصرار طهران على التشدد بشروطها بدلا من خفض سقف مطالبها، مستندة الى وجود مصلحة صينية وروسية في منع ترامب من الخروج بانتصار تفاوضي صريح. لكن ثمة ما تخشاه واشنطن أكثر ويتعلق بالترابط القائم بين ساحات عدة في المنطقة، وهي إضافة الى إيران العراق والبحر الأحمر ولبنان وغزة وجزء من سوريا. وهذا الترابط الذي حاكته طهران يدفع للخشية من خروج الوضع عن السيطرة.
وفي الوقت الذي يخوض فيه ترامب مفاوضات شائكة وصعبة مع نظيره الصيني شي جين بينغ، تشهد العاصمة الأميركية جولة تفاوض قاسية بين لبنان وإسرائيل. وتشير التوقعات الى أن هذه الجولة التفاوضية ستكون الأكثر حساسية منذ انطلاق المفاوضات. فهي تنعقد في لحظة يتداخل فيها ثلاثة عناصر: التصعيد الميداني، الضغوط الأميركية، والإنقسام اللبناني الداخلي. وستشهد هذه الجولة محاولة لفرض إطار سياسي وأمني طويل الأمد. فمن جانب، سيسعى لبنان لتثبيت هدنة حقيقية والعمل على تمديدها، ومنع تصاعد العمليات العدائية، وضبط قواعد الإشتباك. ومن جانب آخر ستضغط الولايات المتحدة الأمريكية لوضع برنامج زمني لبحث ملف سلاح حزب الله. ومن هذه الزاوية يمكن إدراج كلام أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم قبل يومين على انعقاد جلسة التفاوض، حين قال بأن سلاح حزب الله شأن لبناني داخلي ويبحث في لبنان ولا علاقة لأحد به.
ولبنان يريد حصر النقاش بوقف الضربات ووضع برنامج زمني للانسحاب الإسرائيلي وإطلاق الأسرى وترسيم الحدود، فيما تدفع واشنطن وتل أبيب باتجاه ربط أي تسوية مستقبلية بمصير البنية العسكرية لحزب الله. لكن السلطة اللبنانية تحاول التملص من تكريس بند “نزع السلاح” كبند مباشر، لأن ذلك قد يفجر الإستقرار الداخلي. ومع إتساع مستوى التصعيد الإسرائيلي، بدا أن تل أبيب تعتمد إستراتيجية مزدوجة تتلخص باستمرار الضغط العسكري بالتوازي مع التفاوض. وفي المقابل بدا بوضوح مجاراة حزب الله للتصعيد الإسرائيلي عبر تصعيد مقابل، حيث أطلق بالأمس أسرابا عدة من الطائرات المسيرة التي لم يجد الجيش الإسرائيلي علاجا لها والتي تشكل له قلقا عسكريا بالغا، والتي وصلت الى مناطق شمال إسرائيل. وقد وصفتها وسائل الإعلام الإسرائيلية بأنها الأعنف. صحيح أن ما حصل هو في إطار الرد على الإعتداءات الإسرائيلية، لكنه يحمل في طياته أيضا رسالة سياسية تقول بأن من يملك قرار السلم والحرب هو من يمسك بالميدان في الجنوب، وليس من ذهب للتفاوض في واشنطن. وهي رسالة كان قد مهد لها قاسم عندما دعا الدولة الى الإستفادة من أوراق قوة المقاومة ووضعها على طاولة التفاوض. ومن خلف ذلك فإن الرسالة تقول بأن الميدان مرتبط جذريا بالمفاوضات الجارية مع إيران، وأن جلسات التفاوض في واشنطن والتي تهدف لتكريس الفصل عن المفاوضات مع إيران، فهي لا تقدم ولا تؤخر.
وتردد في الكواليس الديبلوماسية أن السلطة اللبنانية طلبت المساعدة من السعودية لجهة الضغط على واشنطن بهدف إلزام إسرائيل بالإنصياع لوقف شامل لإطلاق النار كنتيجة لجلسة التفاوض، وبأن لواشنطن مصلحة مباشرة في ذلك وسط المفاوضات الصعبة الدائرة مع طهران، وحيث بات ثابتا أن البند اللبناني يشكل أحد نقاط الخلاف. ما يعني أن النجاح في إرغام إسرائيل على وقف حقيقي للنار، سيمنح دفعا قويا للسلطة اللبنانية ويجعلها قادرة على تحقيق خطوات داخلية بعد نزع الذرائع التي تتمسك بها إيران.
لكن لإسرائيل حساباتها المختلفة، وهو ما يرفع من مستوى الخشية من احتمال انزلاق الأمور باتجاه استعادة الحرب المفتوحة، وهو ما تحذر منه عواصم غربية عدة خلال تواصلها مع السلطة اللبنانية. ووفق الخبراء فإن احتمال عودة الحرب الواسعة قائم فعلا، ولو أن إسرائيل ما تزال تحاول استخدام مزيج من الضغط العسكري والتفاوض السياسي في آن معا، قبل الإنتقال الى مستوى الحرب المفتوحة من جديد. وهي تراقب جيدا زيارة ترامب الى الصين، كون الإعتقاد السائد هو بأنه في حال فشل الرئيس الأميركي من انتزاع مساعدة صينية حاسمة في الملف الإيراني فإن ترامب سيكون مضطرا لاستعادة اللغة الحربية ولو عبر عمليات عسكرية محددة، كما تنصح الأوساط العسكرية الأميركية. فأي فشل كامل للمفاوضات قد يدفع نحو تصعيد سريع.
وتعتبر إسرائيل أن الأوضاع الحالية لم تحقق لها الأهداف الأمنية الكافية في جنوب لبنان، خصوصا في ما يتعلق بالبنية العسكرية لحزب الله جنوب الليطاني. وثمة ضغوط داخل إسرائيل بعد أشهر من الإستنزاف، خصوصا من قبل سكان المستوطنات الشمالية والذين يطالبون بحل أمني نهائي. وهؤلاء ينتمون في معظمهم الى الأحزاب اليمينية والتي تشكل القاعدة الإنتخابية لنتنياهو. وبعض مراكز القرار في إسرائيل يرى أن الأوضاع الإقليمية الحالية ملائمة لإعادة رسم قواعد جديدة مع لبنان.
ولكن، حتى الآن، لا توجد مؤشرات حاسمة على قرار إسرائيلي بحرب شاملة فورية، بل محاولة رفع مستوى الضغوط الى الحد الأقصى قبل أن تكتمل ظروف التسوية أو الإنفجار.
وثمة إشارات لا بد من مراقبتها وتعتبر مؤشرا لاحتمال الإنزلاق من جديد باتجاه الحرب. ومن هذه الإشارات العودة باتجاه استهداف الضاحية الجنوبية وبيروت. وحتى الآن بدا الوضع وكأنه يقترب من خط الحرب مع استهداف الضاحية من جديد، وأيضا تمدد القصف والإغتيالات حتى تخوم العاصمة. ولكن هذا التمدد الخطير بقي مضبوطا بحدود معينة، ولو أنه أرسل إشارات خطيرة.
قد يصح وصف الوضع الحالي للساحة اللبنانية بأنها تتأرجح بين حبلي بكين وواشنطن، وأن مخاطر السقوط ترتفع كلما تقدم الوقت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى