مقالات صحفية

“لبنان يرفض الآلية العسكرية واللواء المزعوم” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

يتأرجح الوضع في الخليج بين مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتضاربة لا بل المتناقضة. فمرة يشير الى ساعة واحدة كانت تفصلنا عن تجدد الحرب، ومرة أخرى يسهب في الحديث عن احتمالات مرتفعة للتوصل الى تسوية عبر المفاوضات. وما بين هذين الحدين، حد الحرب وحد التسوية، يرتفع منسوب الغموض حيال الإتجاه الذي ستسلكه المنطقة، وخصوصا لبنان كونه الساحة التي تحتضن الجبهة الرديفة والتي ما تزال مشتعلة، ولو تحت عنوان “الخروقات اليومية” لقرار وقف إطلاق النار.
لقد بات واضحا أن كلا الطرفين الأميركي والإيراني يعملان على الرهان على عامل الوقت للي ذراع الآخر. فطهران التي اختبرت أهمية ورقة مضيق هرمز وتأثيرها على الإقتصاد العالمي، ما تزال تنتظر تفاقم الأزمة الإقتصادية العالمية لتوظفها كعامل ضغط كبير على ترامب. وفي الوقت نفسه فهي تعمل على استهلاك الوقت الفاصل عن الإنتخابات النصفية، والرهان هنا على انتظار انتزاع المعارضة الديمقراطية للأغلبية في الكونغرس. لكن إدارة ترامب والتي سلمت على ما يبدو بخسارة الحزب الجمهوري للإنتخابات النصفية، تعمل على حشد تحالف دولي بوجه إيران لإعادة فتح مضيق هرمز.
في المقابل، تعمل واشنطن على إنهاك الواقع الإقتصادي والمعيشي داخل إيران من خلال التمسك بحصارها البحري. وهي إذ تقر بأن الحصار البحري الموجع قد لا يؤدي للنتائج المرجوة الآن، كون المجتمعات تتحمل الصعوبات أثناء الحروب تحت عناوين وطنية وقومية، إلا أنها تؤسس لواقع خطير وشديد الحساسية بعد انتهاء المواجهات. فعندها سيبدأ الشارع بطرح الأسئلة حول الأزمات الإجتماعية والإقتصادية الناجمة عن الحرب، وسيؤدي غياب الأجوبة العملية الى تصاعد المطالب الإجتماعية بموازاة تراجع مستوى التحمل. وهو ما يعني تصاعد المعارضة بوجه السلطة الحاكمة واحتمال سقوط النظام السياسي القائم. والسلطة الإيرانية تدرك ذلك جيدا. لذلك تعمل على الإلتفاف على الحصار البحري القائم عبر تفعيل ستة ممرات برية وسكك حديدية تربط البلاد بآسيا الوسطى ودول الجوار، إضافة الى عمليات مقايضة النفط عبر تركمانستان وأذربيجان بالتنسيق مع الصين وروسيا.
ووفق ما تقدم فإنه من البديهي الإستنتاج بأن واشنطن وطهران تخوضان اليوم ما يشبه “سباق الإرادات” لمعرفة أي طرف سيتمكن من الصمود لفترة أطول.
وحدها إسرائيل تعيش أجواء تقول بأن نسبة عودة الحرب مرتفعة جدا، وأن التنسيق قائم بشكل كامل بين ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. وهذا ما تعكسه معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية على تنوع توجهاتها. وهذا المناخ الإسرائيلي يدفع لبنان للقلق من احتمال تجدد الحرب المفتوحة على أراضيه. والمسألة لا تكمن في العناوين التي ترفعها رسميا إسرائيل، بل في الأهداف البعيدة المدى والتي تتعلق “بالوجه الجديد للمنطقة” والذي ما برح نتنياهو يردده. وهذا الحلم الإسرائيلي قد يعتقد نتنياهو أن الظروف الحربية تساعده على تحقيقه. فالإدارة المدنية في إسرائيل أجرت إستطلاعا ظهر في نتيجته أن 80% من أهالي غزة أعربوا عن رغبتهم في الحصول على سبيل للخروج الى دولة ثالثة. وهذه النتيجة تبدو منطقية بسبب هول الأوضاع الكارثية والمعاناة التي يعيشها أهل غزة. في السابق كانت أدنى نسبة سعي للهجرة بين الشعوب العربية تسجل للفلسطينيين، وهو ما كان يؤرق الإسرائيليين الذين كانوا يعيشون هاجسين: هاجس غزة وهاجس الإزدواجية القومية داخل الكيان الإسرائيلي. وتاتي نتائج الحرب لتؤشر الى وجود توق فلسطيني للهجرة هربا من الأوضاع المعيشية المزرية وفقدان مقومات العيش الكريم. وهو حلم إسرائيلي أول يتحقق.
وفي سوريا يسجل تفاقم الأزمة الإقتصادية والمعيشية، في وقت لم تنجح السلطات السورية في تمتين ركائزها بعد، وسط صعوبات شتى. وفي وقت تزداد فيه حالات الإبتعاد عن الدولة المركزية كما هو حاصل في السويداء وحتى شمالا مع الأكراد، فإن علاقة دمشق مع واشنطن تشهد جمودا مع خشية من تراجع حرارتها لاحقا. وقد يكون أمام السلطة السورية فترة لا تتجاوز العامين لإعادة تنشيط خطوطها مع واشنطن، وسط قلق من تنامي نفوذ المقاتلين الأجانب وعودة نشاط داعش، ما يهدد الإستقرار الأمني الهش القائم. أضف الى ذلك غياب المساعدات المالية والإقتصادية الخارجية، خصوصا وأن الحرب الدائرة في الخليج أدت الى تعقيد برنامج الدعم والذي كان جرى إقراره سابقا.
تبقى الساحة اللبنانية والتي تعيش تحت وطأة “الحروب الصغيرة” اليومية التي تشنها إسرائيل. وكي لا نخطىء في القراءة، فإن ما تقوم به إسرائيل لا يدخل فقط في إطار المواجهة الأمنية البحتة مع حزب الله بل يدخل أيضا في إطار ترتيب جغرافية المنطقة وفق التصور الإسرائيلي. من هنا عمليات الجرف والهدم ورسم الخطوط، وحيث تشير العمليات الى نية إسرائيل التوجه الى قلعة الشقيف لمحاولة السيطرة عليها.
وسط هذه الأجواء رعت إدارة ترامب إنطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، واللافت فيها كانت الدعوة لمفاوضات عسكرية مباشرة بين لبنان وإسرائيل تحت الرعاية الأميركية. في العام 1948 جرت مفاوضات عسكرية مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية الأمم المتحدة وانتهت بتوقيع إتفاق الهدنة في رأس الناقورة. وهو كان أول إتفاق رسمي بين الدولتين. وفي حين يذهب لبنان الى هذا الإتفاق وهو يطمح بالعودة الى “إتفاق هدنة” معدل وفق ما تقتضيه المتغيرات، فإن الأهداف الأميركية والإسرائيلية تبدو مختلفة بشكل كلي.
فواشنطن تريد اختبار قدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بالقرار الأمني، وما إذا كانت إذا كانت قادرة على فرض ترتيبات أمنية؟ وأن الجيش اللبناني قادر على الإمساك بشكل كامل بالقرار الأمني والعسكري في الجنوب؟ وما هو هامش تأثير حزب الله على القرارين الأمني والعسكري؟
وفي المقابل يحاول لبنان الذهاب الى الإجتماع من دون الظهور وكأنه دخل في “تطبيع عسكري” مباشر مع إسرائيل. لذلك خرجت تسريبات تنفي أي وجود لحديث عن تعاون عسكري مباشر، وتصفه بغير الواقعي. ما يعني أن الوفد العسكري اللبناني سيذهب بورقة احتواء التصعيد أكثر منه الذهاب الى تفاوض سياسي شامل. وجرى اختيار أعضاء الوفد العسكري الستة موزعين على عدة اختصاصات وهي: المخابرات والهندسة والعمليات والشؤون الجغرافية والقانونية واللوجستية. ولم يتبلغ الوفد اللبناني مسبقا بوجود نية لإنشاء آلية تواصل مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي ولا بإنشاء لواء داخل الجيش تعمل واشنطن على تدريبه وتسليحه للإمساك بالأمن جنوبا. لكن الوفد اللبناني سيرفض هذين الطرحين في حال جرى إدراجهما في جلسة المفاوضات المقررة في البنتاغون. ويحضر الوفد ملفاته للتقدم بطرح بديل ركيزته الخطة الأمنية التي كان تقدم بها الجيش وأقرها مجلس الوزراء في الخامس من أيلول مع إدخال تعديلات عليها بما يتلاءم والمستجدات الحاصلة. وقبل ذلك سيطلب الوفد العسكري اللبناني تثبيت وقف إطلاق النار بشكل كامل.
وخلال اليوم الأول من جلسة المفاوضات المباشرة والتي جرت في وزارة الخارجية الأميركية ألح الوفد اللبناني على طلبه بتثبيت وقف إطلاق النار. لكن رئيس الوفد الإسرائيلي قال بأنه ليست إسرائيل من يخرق قرار وقف النار بل حزب الله الذي يستغل هدوء الجبهات ليقوم بتعزيز مواقعه ونقل الذخائر والأسلحة وإعادة بناء قوته وهو ما يؤسس لمعركة جديدة. أغلب الظن أن الوفد العسكري الإسرائيلي سيبني مطالعته على هذه الرواية لينطلق منها ويشير الى عدم اكتمال مهمة الجيش جنوب الليطاني ما يستوجب من ناحية تنسيق أمني وعسكري مباشر من خلال آلية يجري تحقيقها، إضافة الى إنشاء قوة عسكرية مدروسة ومدربة ومسلحة جيدا وأن تتولى هي تأمين الواقع الأمني. لكن لبنان سيرفض الطرحين وعلى اعتبار أن لا أحد يحق له التطرق الى الواقع الداخلي للجيش سوى قيادة الجيش، وفي المقابل فإن لبنان مستعد لتحمل مسؤولياته الأمنية وفق خطة واضحة الأهداف ووفق برنامج زمني ولو تطلب الأمر بعض الوقت.
ما يعني أن الطرح اللبناني سيتضمن نقاط عدة ترتكز أولا على تثبيت وقف النار ومنع الإنزلاق الى حرب واسعة عبر آلية مراقبة أو تنسيق أمني غير مباشر، والإستعداد لتعزيز دور الجيش جنوبا عبر تفعيل انتشاره. لكنه سيطلب ضمانات أميركية حول وقف الخروقات الإسرائيلية، والمساعدة على دعم الجيش، وكذلك إعادة تفعيل آليات القرار 1701 بطريقة معدلة. وحجة السلطة اللبنانية أن منح الدولة مساحة للتحرك يبقى أفضل من دفع لبنان نحو انهيار أوسع قادر حزب الله على استغلاله لتعزيز نفوذه.
ووفق ما سبق فإن التباعد في المواقف يبدو جليا. واشنطن تختبر إمكانية بناء ترتيبات طويلة الأمد، وإسرائيل تختبر حدود وجدية الدولة اللبنانية، ولبنان يحاول شراء الإستقرار ومنع الإنفجار بأقل كلفة سياسية داخلية ممكنة.
لكن تداعيات “مفاوضات البنتاغون” تحمل مخاطر داخلية كبيرة وأكثر تعقيدا وخطورة مما تبدو عليه الأوضاع، وقياسا بما تمر به المنطقة. فإذا ظهر وجود تنازل أمني أو سياسي فهنالك خطر الإرتداد داخليا لتتحول الى عاصفة كبيرة. وإذا فشلت، فقد تعود احتمالات التصعيد العسكري الواسع بسرعة. لذلك، هي مفاوضات أشبه باختبار نوايا، في وقت يراهن فيه نتنياهو على التأسيس لخارطة جديدة في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى