
صحيح أن السفارة الأميركية في بيروت أصدرت بيانا تحدث عن توافق على هيكل عملي للمنطقة التجريبية وستستكمل صيغته للبدء بتطبيقه خلال الأيام المقبلة، إلا أن الإنطباع الحقيقي للجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في روما بأنه لم يحصل إختراقا كبيرا. والجزء المحدود الذي جرى التفاهم حوله، يؤشر الى أن المسار التفاوضي سيبقى قائما وبأنه ممنوع له أن ينهار. خصوصا وأن “مشهد” روما سيرخي بظلاله على اجتماع البيت الأبيض والذي طال انتظاره بين الرئيسين اللبناني والأميركي. والأهم تبقى تلك التطورات المتسارعة في المنطقة والتي تتمحور حول الصراع المفتوح مع إيران، والذي ينذر بعودة الحرب المفتوحة وبصيغة أكثر عنفا. ولأن الترابط بات كبيرا بين الجبهات القائمة وساحات النفوذ الإيراني، فإننا سنبدأ من المشهد الإقليمي الواسع.
تهديد الحرس الثوري الإيراني بإغلاق جميع ممرات التصدير والمرتبطة بالمصالح الأقتصادية والتجارية الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية والدول المتحالفة معها، يحمل تهديدا مبطنا يتجاوز مضيق هرمز ليشمل باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وحيث تحرك الوضع العسكري في اليمن من جديد خلال الأيام الماضية بعد فترة طويلة من الهدوء. ويعكس هذا التهديد إنتقال طهران من سياسة الضغط عبر مضيق واحد الى استراتيجية تقوم على تهديد شبكة الممرات البحرية التي يعتمد عليها الإقتصاد العالمي، في محاولة لرفع كلفة المواجهة على الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حربه على إيران. وجاء ذلك بعد إعلان طهران إغلاق مضيق هرمز في مقابل إعادة الجيش الأميركي فرض الحصار البحري على الموانىء الإيرانية، ما دفع الصراع الى مرحلة جديدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الرهانات على تشديد الخناق حول الطاقة وحركة التجارة الدولية. “إما أن تكون صادرات الطاقة للجميع أو لا تكون لأحد” هو مضمون التهديد المباشر للحرس الثوري لحركة الملاحة في المنطقة بأسرها.
والمعروف عن الأهمية الفائقة لباب المندب أنه يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويمثل بوابة رئيسية لعبور النفط الخليجي والبضائع المتجهة نحو آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. وإذا ما نفذ الحرس الثوري تهديداته عبر الحوثيين، وأضحى الممر المائي لباب المندب مقفلا إضافة الى مضيق هرمز، فهذا سيعني أمرا من إثنين: إما إقرار واشنطن بالعودة الى تفاهمات سياسية ولكن هذه المرة مع خسارة أوراق إضافية وانعكاس ذلك على كامل دول الخليج، أو دفع الأمور باتجاه سقف أعلى من المواجهات الحربية لتشمل هذه المرة بنى تحتية تطال منشآت الطاقة والبنى الحياتية الإيرانية وهو ما لوحت به واشنطن، وهو الخيار الأرجح حتى الساعة.
إيران في المقابل نفذت ضربات صاروخية وعبر المسيرات الإنتحارية. وهي ركزت استهدافاتها على السفن العملاقة في المضيق، وخصوصا على البحرين والأردن والكويت. وطهران تدرك جيدا أنه كلما توسعت رقعة الضربات وامتدت الى أراضي دول خليجية وعربية كلما ازداد خطر وقوع إصابات مدنية وأضرار في البنى التحتية، وهو ما قد يؤدي الى رفع منسوب التوترات الداخلية، حتى ولو لم يكن ذلك هو الهدف المعلن للهجمات. وما الرسالة الحقيقية للتهديد الإيراني بتحضير القوات البرية لمهاجمة القواعد الأميركية في المنطقة؟ فهذه القواعد موجودة في بلدان الخليج. صحيح أن الشروع في تنفيذ التهديد غير واقعي حتى الآن، لكن مضمون الرسالة يبدو واضحا.
في المقابل يوحي الرئيس الأميركي وكأنه يخبىء مفاجأة ما. فهو يعرف جيدا بأن المرونة التي أبدتها طهران خلال الأسابيع الماضية لا تعكس حقيقة نواياها. فهي تريد تقييد “حرية حركة” ترامب من خلال المساهمة في توجيه ضربة إنتخابية قوية لحزبه من خلال الإنتخابات النصفية، وهو ما سيشكل ضمانة جدية لتقييد حركته ومنعه من مهاجمة إيران من جديد خلال الفترة المتبقية من ولايته. والمعروف أن التوقيت الإنتخابي القاتل للحزب الجمهوري الحاكم سيبدأ مع النصف الثاني من شهر آب المقبل. وخلال هذه الفترة يخشى ترامب من إقدام طهران على مباغتته بإغلاق مضيق هرمز وباب المندب معا، ما سينعكس مباشرة على مزاج وتوجهات الناخب الأميركي. فوفق خبراء أميركيين فإن ترامب ما يزال يحافظ على قوة إنتخابية لا بأس بها حتى الآن، لأسباب داخلية تتعلق بالتناقضات الداخلية بين فئات الشعب الأميركي وخصوصا تجاه الملونين. لكن هذا العامل سيتراجع حتما إذا ما ارتفعت الأزمة الإقتصادية والحياتية الى مستويات شاهقة. والمفتاح هنا موجود في هرمز وباب المندب، أي في جيب طهران.
هنالك قول شائع في الأوساط السياسية والشعبية الأمريكية مفاده: all politics is local، أي أن السياسة الخارجية تبدأ من الداخل. أي أن السياسيين عندما يتحدثون عن قضايا كبرى فإنهم يفكرون أولا في تأثيرها على الناخبين. فكيف هو الحال إذا وفق الظروف الراهنة؟
صحيفة “وول ستريت جورنال” نشرت على صفحاتها متوسط إستطلاعات الرأي الذي أجراه “تقرير كوك السياسي” والذي أظهر أنه وبعد مرور نحو عام ونصف العام على الولاية الثانية لترامب، والذي أظهر أن نسبة الناخبين الذين لا يوافقون ترامب في أسلوبه بالتعامل مع الإقتصاد تفوق نسبة المؤيدين له وبفارق مريح. وجاءت النسب وفق التالي: 61% لا يوافقونه في مقابل 35% يؤيدون أسلوبه. وهو ما يعزز الرأي بأن الوضع الإقتصادي بات يشكل إحدى أبرز نقاط ضعفه، فكيف إذا مع أزمة إغلاق هرمز وباب المندب؟ واللافت أنه في الانتخابات الرئاسية عام 2024 إعتبر حوالي 40% من الناخبين الأميركيين بأن الإقتصاد هو قضيتهم الأهم. ونال ترامب يومها تأييد حوالي 60% من هذه الشريحة من الناخبين. ولا حاجة للقول بأن أحد ركائز الصورة التي يتمسك بإبرازها ترامب هي بسعيه الدائم لإظهار أنه صاحب شخصية رئاسية حازمة وقوية أمام الناخب الأميركي.
وفي المقابل يتزايد القلق لدى الحزب الديمقراطي من مساعي ترامب للتأثير في الإنتخابات المقبلة. مع الإشارة هنا الى بروز أسماء كثيرة نالت ترشيح الحزب الديمقراطي وتحمل إتجاهات يسارية، لا بل فهي تذهب باتجاه أقصى اليسار. واستشهدت شبكة الCNN والتي تميل الى الحزب الديمقراطي، بما كتبه ديفيد أكسلورد على منصة إكس، وهو المعروف بأنه الخبير الإستراتيجي للديمقراطيين والمحلل السياسي للشبكة، بأنه من الواضح أن الحزب الحمهوري سيتعرض لهزيمة ساحقة هذا الخريف، وأن ذلك يرجع الى حد كبير لتراجع شعبية ترامب. وتابع أكسلرود بأن ترامب يجهز للخطة باء والتي تقضي بفعل أي شيء ضروري لتحقيق الفوز، أي شيء. لكن لا يجب أن يغيب عن بالنا أيضا، بأن لإدارة ترامب حوافز إضافية تدفعها للتعامل بشيء من الشدة مع إيران، وهي اعتبارات تتعلق بالأمن القومي والتحالفات والردع والمصالح الإستراتيجية.
لأجل كل ما سبق إنطلق ترامب في حركته “الهجومية” تجاه إيران وساحاتها في المنطقة. فهو التقى الرئيس السوري أحمد الشرع للمرة الرابعة في أقل من سنتين على هامش أعمال قمة دول الناتو، وبحضور الرئيس التركي أردوغان. وتحدث بعد الإجتماع عن التزامات من الشرع “ستبقى سرية”. وهو كان يعني بذلك التعامل مع حزب الله في لبنان.
ويمكن استشراف ما قصده بهذه الإلتزامات من خلال زيارة رئيس الحكومة العراقية علي الزبيدي الى البيت الأبيض. فالخط الذي يربط بغداد بدمشق وصولا الى بيروت كان قد جسد معيار القوة لنفوذ الإمبراطورية الإيرانية خلال الحقبة الماضية. وبالتالي فإنه من المنطقي الإعتقاد بأن التحرك الضاغط لترامب بوجه إيران لا بد أن يتضمن إنتزاع كامل أوراق قوتها ونفوذها من هذه الساحات الثلاث، لاسيما بعد الضربات التي طالت هذا النفوذ في هذا المثلث أخيرا.
وما رشح عن اجتماع الزبدي مع ترامب أنه جرى طرح الملفات المتعلقة بمستقبل النفوذ الإيراني في العراق، إضافة الى الإستثمارات والعلاقات الإقتصادية، وأيضا عودة “داعش”، وسط مخاوف من وجود دوافع إقليمية تقوم بإعادة إنعاشه، في وقت تمنحه الأحداث الإقليمية المتسارعة والمتلاحقة الظروف الملائمة لإعادة بناء شبكاته واستعادة جزء من نشاطه. فالنموذج الداعشي الجديد بات ينتهج أسلوبا جديدا، ما يؤكد وجود رعاية ما من مكان خارجي. فهو بات يعتمد على الخلايا الصغيرة والضربات الخاطفة عبر استغلال الثغرات الأمنية. ووفق ما أظهرته عملياته في سوريا، عمد التنظيم الى صياغة إستراتيجية جديدة تقوم على استبدال مبدأ السيطرة على مساحات وقرى ومناطق للإنطلاق منها، باستراتيجية الإعتماد على خلايا عنقودية صغيرة منتشرة داخل المناطق السكنية، ومع الأبقاء على مراكز التخطيط والإمداد في البادية السورية، وتحديدا في المنطقة الممتدة بين التنف ودير الزور وتدمر وصولا الى الريف الشرقي للرقة. كما أن جوهر السياق الجديد للعمليات بات يركز على أهداف تحمل دلالات سياسية وطائفية أكثر منه ذات قيمة عسكرية وأمنية. والهدف تعميق الإنقسامات الداخلية وإظهار السلطة السورية بمظهر العاجزة عن بسط سلطتها الأمنية، وهو ما يستشف من المتفجرات حين زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للشرع. مع التذكير هنا بأن تنظيم داعش كان أعلن في شباط الماضي وببيان رسمي بأن مواجهة السلطة السورية تمثل أولوية المرحلة المقبلة.
كذلك إلتزم الزبدي بإنهاء أي حالة مسلحة خارج إطار الدولة العراقية قبل نهاية شهر أيلول المقبل. وكان لافتا إعلان بغداد وفور عودة الزبدي من زيارته الى واشنطن عن فرض عقوبات على “شبكات تمويل مرتبطة بحزب الله”. وطالت هذه العقوبات المسؤول في حزب الله محمود قماطي وأيضا الوزير السابق سليمان فرنجية “لإرتباطه بحزب الله”. وهي تتمة للعقوبات الأميركية منذ فترة قصيرة. ويشكل العراق ساحة مهمة بالنسبة لحزب الله، حيث “يتنفس” من خلال التنظيمات الموالية لإيران والموجودة في المناطق العراقية ذات الأغلبية الشيعية.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة ما يطلبه البيت الأبيض من لبنان والذي لا بد أن يتظهر خلال الزيارة الأولى للعماد جوزف عون الى واشنطن بصفته الرئيس اللبناني. ولذلك سعت واشنطن للضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات في ملف الجنوب. وخلال مفاوضات روما، وإزاء تمسك الوفد الإسرائيلي بمفهومه للمنطقة التجريبية، أصر الجانب الأميركي على توسيع مساحة المنطقتين التجريبيتين اللتين جرى تحديدهما. طبعا لم يكن واردا لدى إسرائيل الإلتزام بوقف كامل لإطلاق النار ولا التخلي عن مبدأ “حرية الحركة”. لكنه جرى تحقيق تقدم محدود عبر توسيع المساحة الجغرافية المقصودة. إلا أن الأفخاخ الإسرائيلية تبقى قائمة. فكيف للجيش اللبناني، والذي بالمناسبة يفتقد لقرار من مجلس الوزراء، أن يضمن حسن التطبيق في وقت تستمر فيه إسرائيل في سياسة الخروقات الأمنية في المناطق المجاورة. لذلك بقيت أبرز نقاط الخلاف تتمحور حول طلب لبنان بتحقيق انسحاب إسرائيلي فعلي لا شكلي، من مساحات إحتلتها. فالوفد الإسرائيلي بقي متمسكا بربطه أي انسحاب جدي بتحقيق تقدم ملموس وحاسم في تنفيذ الترتيبات الأمنية ونزع سلاح حزب الله. وبخلاف الأجواء التي جرى إشاعتها، فإن الأوساط الرسمية اللبنانية لا تبدو متفائلة بالنتائج، لا بل فهي تميل ضمنا الى التوجس والقلق إزاء إمكانية تحقيق نتائج واضحة.
أما البيت الأبيض فهو يحاول إبقاء “إتفاق الإطار” قائما عبر تحقيق خطوات ولو بالتدرج بسبب عدم إمكانية التوصل الى تسوية شاملة دفعة واحدة.
لا شك أن النتائج التي آلت إليها الجولة التفاوضية السادسة في روما ستؤثر في نبرة الإجتماع بين الرئيسين اللبناني والأميركي في البيت الأبيض أكثر من تأثيرها في انعقاده. وسيكون الإجتماع مناسبة للضغط على الجانبين اللبناني والإسرائيلي. لبنان لتسريع تنفيذ التزاماته الأمنية على غرار ما هو حاصل مع العراق، وإسرائيل لإبداء مرونة أكبر في ملف الإنسحاب من المناطق التجريبية، كون ترامب يحتاج لإظهار تقدم سياسي ولو محدود.
لكن الصراع في المنطقة وصل الى ذروته، وجبهة لبنان تشكل رديف أساسي لهذا الصراع. والمقصود هنا لا يقتصر على خط التماس العسكري في الجنوب، بل أيضا على خط التماس السياسي بين حزب الله والسلطة التي ترعاها مباشرة واشنطن والسعودية.



