
تقريباً كل أسبوع أقصد مكاناً لأقوم بواجب التعزية لصديق أو قريب، لأن الموت لا يتوقف، فهو العداد الذي يلازم البشرية منذ ولادتها.
في الأمس، وليس ببعيد، كان أهل الفقيد يفتحون منازلهم للتعزية، لكن تطور الحياة اليومية، الذي أوجد حلاً في اتساع الأمكنة والخدمات ومتطلبات الراحة المتوفرة، جعل صالات الكنائس تحلّ مشكلة العناء الذي يرزح تحت عبئه أهل الفقيد، وتساهم في استقبال المعزين في مكان معروف ومتداول بين الناس، من دون الحاجة إلى محرك «غوغل» لمعرفة منزل الفقيد.
تدخل بوجه واجم لمشاركة أهل الميت مصابهم، وإذ يتبين أنهم يبتسمون، ويتبادلون مع المعزين أخبار السياسة والاقتصاد والفضائح، وينسى بعض الحضور أنه في صالة عزاء.
تجلس لمدة عشر دقائق، فيُخيّل إليك أنك في صالة للمهرجانات؛ قهقهات من بعض المعزين، ورنين هواتف، واتصالات بصوت عالٍ، ونساء يتحدثن عن صيحات الموضة وعمليات التجميل!
وإذا دخلت شخصية نافذة، أو سياسية، أو أحد المرشحين ممن يستغلون التجمعات حباً بالظهور، وقف الجميع لاستقباله بالقبلات والمجاملات والكلام المعسول، ويتمنون عليه الجلوس إلى جانب أهل الفقيد لتقبّل التعازي.
هنا تبلغ الانتهازية والتدجيل الاجتماعي قمتهما.
منذ فترة، دخلت إلى صالة عزاء في البقاع للقيام بواجب التعزية. سألني أحدهم عن حال البلد، فقلت له إن الشعب يتحمل جزءاً من مسؤولية ما وصلنا إليه. فامتعض، وبدأ بشتم السياسيين الذين نهبوا البلد، ولم يترك من قاموس الكلام بحقهم حرفاً واحداً، ووافقه الجميع على ما يقول.
وما هي إلا برهة حتى دخل أحد الوزراء برفقة نائب للقيام بواجبه. انتابني شعور بأن اصطداماً سيحصل بعد ما سمعته منذ لحظات، لكن المفاجأة كانت قبلات وعناقاً وترحيباً وإشادة بالمواقف السياسية للزعيمين، وإطراءً يعجز عن قوله مدّاحو العصور الوسطى في بلاط الحكام!
لقد فقدنا الكثير في المجتمع اللبناني من القيم التي حملناها عن كبارنا، الذين قدّسوا الاحترام وثقافة المشاركة في السراء والضراء.
ويبدو أن الانهيار انسحب على ما تبقى في هذا البلد التعيس، الذي ساهم جزء من شعبه في تحطيم مدرسة الأخلاق. (شاهدوا وسائل التواصل الاجتماعي تعرفوا أكثر).
في صالات العزاء، واحتراماً للمتوفى، تعلّمنا الصمت والصلاة، ومشاركة المحزون حزنه، ومواساة العائلة، لا أن تتحول إلى فولكلور، وصالة تسلية، وأحاديث بصوت عالٍ، ولهو على «واتساب»، وعرض عضلات، وبورصة للمرشحين، وموائد للتصوير.
إذا غضب الله على قوم، جعل منهم فكراً سطحياً لا يُنتج سوى المهازل.


