
دخلت المواجهات الأميركية_الإيرانية في الخليج مرحلة أكثر خطورة مما كانت عليه قبل أيام. فبعد كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب الواضح على هامش أعمال قمة دول حلف شمال الأطلسي بأن مذكرة التفاهم انتهت وكذلك وقف إطلاق النار، نفذت قيادة السينتكوم ضربات جوية واسعة داخل إيران، في مقابل رد إيراني واسع استهدف قواعد ومصالح أميركية في الخليج. وتمحور هذا التصعيد حول سؤال أساسي: من هي الجهة التي تبسط سيطرتها فعليا على مضيق هرمز؟.
تأمل العديد من الدول الخليجية أن يكون التصعيد الحالي وسيلة لتحسين شروط التفاوض،أكثر من كونه مقدمة لحرب طويلة جديدة، إستنادا الى تجارب سابقة حيث كان الهدف من رفع مستوى الحماوة تعزيز الأوراق التفاوضية لا الذهاب الى جولة حربية شاملة من جديد. وجاء تبادل الضربات، ولكن بشكل محدود مع تجنب استهداف مواقع تؤدي للإنزلاق باتجاه عنف مفتوح، لتعزز هذه الآمال، خصوصا مع دخول سلطنة عمان وقطر على خط الوساطة. فالطرفين يدركان كلفة الحرب المفتوحة.
لكن ثمة سيناريو آخر يرفع من مستوى القلق، وهو يتمحور حول استمرار الضربات طوال الأيام والأسابيع المقبلة بسبب غياب الضوابط، لاسيما وأن ترامب كان أعلن عن رمي إتفاق الإطار جانبا. وفي هذه الحالة ستعمد طهران الى استهداف القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في المنطقة، إضافة الى السفن والمنشآت النفطية، في موازاة قصف أميركي لمواقع عسكرية وأمنية حساسة داخل إيران. وفي هذه الحالة ستعاود أسعار النفط إرتفاعها وسط إضطرابات ستصيب مضيق هرمز. وهذا الوضع ستكون آثاره الإنتخابية سيئة جدا على الحزب الجمهوري الأميركي في الإنتخابات النصفية بعد أقل من أربعة أشهر. لا بل هنالك من يعتقد بأن تصعيد ترامب المفاجىء جاء بعد اقتناعه بأن طهران تعمد الى استهلاك الوقت وصولا الى النصف الثاني من شهر آب، وهو التوقيت الإنتخابي الأميركي القاتل، عندها ستقدم على إغلاق مضيق هرمز وأيضا باب المندب. وقد رصدت في هذا الإطار تحضيرات عسكرية حوثية بعد هدنة طويلة، تؤشر لإستعدادات حول باب المندب. وهو ما سيجعل أسعار النفط تحلق، ما سينعكس بشكل كارثي على الحظوظ الإنتخابية لحزب ترامب. وفي حال حصول سيطرة ديمقراطية كبيرة داخل الكونغرس، فهذا سيعني حصارا ماليا على إدارة ترامب، وبالتالي ستضمن إيران إنعدام فرص الحرب ضدها مجددا، وحيث ما يزال الحزب الديمقراطي يحتفظ بقنوات تواصله مع طهران. ووفق هذا السيناريو تحرك ترامب عبر هجوم استباقي يهدف لإرغام حكام طهران على الذهاب الى اتفاق ثابت ونهائي سيستفيد منه انتخابيا الحزب الجمهوري، وهو ما سيعني إبقاء سيف “مزاجية” ترامب مصلتا فوق عنق النظام الإيراني.
وتتفق الأوساط المراقبة بأن ترامب يطبق النهج الذي اتبعه سابقا وفي ملفات عدة والقائم على مبدأ “حافة الهاوية”. فهو يرفع مستوى الضغوط الى الحد الأقصى قبل فتح الأبواب أمام التسوية. فدفعت قيادة السينتكوم بأكثر من عشرين سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية، بينها حاملتي الطائرات “أبراهام لينكولن” و”جورج دبليو بوش” الى المياه القريبة من إيران، وذلك بعد يومين فقط من تلويح ترامب بإمكانية إعادة فرض حصار بحري على الموانىء الأيرانية. من هنا جاءت الضربات الأميركية المكثفة بمثابة رسالة بأن ترامب مستعد لاستخدام القوة إذا رفضت طهران تعديل سلوكها، لكنه في الوقت عينه سيبقي الباب مفتوحا أمام العودة الى المسار التفاوضي. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير ما روجته أوساط إعلامية أميركية بأن طهران أبلغت واشنطن بأن استهداف السفن جاء بتصرف فردي وهدفه تخريب الإتفاق.
لكن طهران باتت تتعاطى مع مضيق هرمز وكأنه جزء أساسي من أمنها القومي وأداة رئيسية لترسيخ نفوذها الإقليمي، وهو ما قد يجعلها مستعدة لتحمل كلفة عسكرية باهظة مقابل عدم تقديم تنازلات.
وتحذر تقارير لمراكز أبحاث غربية من أن افتراض واشنطن بأن طهران ستتراجع تلقائيا أمام التفوق العسكري الأميركي قد لا يكون صائبا. فطهران تمتلك خيارات متعددة للرد، من بينها شن حرب استنزاف طويلة الأمد عبر استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية وتهديد الملاحة في مضيق هرمز وربما باب المندب. وثمة قناعة متزايدة داخل الأوساط البحثية الأميركية أن تغيير سلوك إيران لا يمكن أن يتحقق عبر أداة واحدة، بل يحتاج الى إستراتيجية مركبة تجمع بين الضغوط الإقتصادية والعزلة الديبلوماسية والردع العسكري المحدود، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا.
لكن السؤال الأهم يبقى حول كيفية انعكاس هذا التصعيد على الساحة اللبنانية، لاسيما وسط الدفع الحاصل للبدء بتطبيق الإتفاق الإطار الذي جرى التوقيع عليه في واشنطن، وذلك عبر تنفيذ المناطق التجريبية. لا شك بأن أي مواجهة طويلة الأمد ستزيد من الضغوط على الساحة اللبنانية، ولو أن ذلك لن يؤدي الى اندلاع حرب شاملة بشكل تلقائي. فعودة الحرب تعتمد على حسابات أوسع لواشنطن وتل أبيب وطهران، وما إذا كانت تخدم أهدافهم. من الثابت أن نتنياهو يسعى بقوة لعودة الحرب المفتوحة إن في إيران أو في لبنان. لذلك كان مفهوما أن يوزع الإعلام الإسرائيلي تقديرات بانعدام فرص التوصل لاتفاق أميركي_إيراني. وكذلك استباق إسرائيل للجولة السادسة من المفاوضات مع لبنان والمحددة في روما، بتصعيد واضح في جنوب لبنان. وهذا التصعيد يؤشر الى مسألتين: الأولى أن إسرائيل متمسكة بمبدأ “حرية الحركة” وهي لن تتخلى عنه، والثانية أنها ذاهبة الى المفاوضات تلبية للضغوط الأميركية، خصوصا وأن إدارة ترامب تريد انسحابا إسرائيليا من منطقة تحتلها بالكامل، لتكون المنطقة التجريبية وفق المواصفات التي حددها الجيش اللبناني. ووفق هذا التصنيف باشر الجيش اللبناني اجتماعاته مع الوفد العسكري الأميركي.
لكن الواقعية تفرض الحذر في كيفية مقاربة هذا المسار الشائك والمحفوف بالمخاطر. وهو ما يجعل فرص نجاح خطوة المناطق التجريبية متوسطة وتميل الى الصعوبة أكثر منه الى النجاح. فالضغط الأميركي وحده قد لا يكون عاملا كافيا لتأمين النجاح. فالتعاون الإسرائيلي مشكوك بأمره، واحتمال وقوع حوادث أمنية مفتعلة تعطل التنفيذ مسألة واردة وبقوة. كذلك هنالك ثغرة واضحة على مستوى القرار اللبناني، وحيث أن الجيش متروك من دون مظلة سياسية واضحة. فالجيش يأتمر بمجلس الوزراء الذي لم يناقش الإتفاق الإطار وبالتالي لم يصدر أي قرارات واضحة للجيش للقيام بالمهام المطلوبة. ما يعني أن حصول أي أخطاء (أكانت عرضية أم مدبرة) ستجعل الجيش مكشوفا، وستؤدي الى دفعه الى المستنقع وهو مكشوف الرأس. والجميع يعلم أن الخلاف اللبناني على أوجه حول بند السلاح. وبالتالي، في حال نجاح خطوة المنطقة التجريبية الأولى، ما هي الخطوة التالية؟ ووفق أي خطة سيتحرك الجيش باتجاه بند حصر السلاح؟ كما أن هنالك غياب لآلية رقابة تكون واضحة ومتفق عليها، والتي من المفترض أن تواكب إنجاز المنطقة التجريبية. والأخطر أنه في حال تعثر هذا المشروع من البداية فهذا يعني بأنه قد يتجمد لفترة طويلة.
خلال ندوة إلكترونية مع “معهد الأمن القومي اليهودي الأميركي” تحدث القائد السابق للسينتكوم الجنرال فرانك ماكينزي بإسهاب عن موضوع القواعد الأميركية في دول الخليج، كاشفا أنه كان طرح بنقلها حين كان يشغل مسؤولياته. وأضاف أنه طلب نقلها من الخليج الى الغرب وتحديدا الى إسرائيل ومصر ودول مجاورة لحمايتها من الصواريخ والمسيرات الإيرانية، خصوصا وأن مقر قيادة السينتكوم يبعد حوالي مئة ميل فقط عن أيران. وكشف أنه اقترح على إدارة بايدن عام 2022 نقل القواعد من الإمارات وقطر والكويت والبحرين باتجاه الغرب. لكن إدارة بايدن رفضت هذا الإقتراح وبشدة. وما لم يقله ماكينزي أن السبب يعود يومها الى أن الأولوية كانت لسياسة إحتواء الصين والتركيز على المحيطين الهندي والهادىء. لذلك كانت الإستراتيجية العسكرية تقضي بتوجيه الموارد شرقا نحو الصين. يومها حذر ماكينزي من تنامي القدرات الصاروخية لإيران. أما البيت الأبيض فرأى يومها أن الردع القائم مع توزيع القوات على قواعد متعددة كاف طالما أن واشنطن لا تخطط لحرب مباشرة مع إيران. والتقييم العسكري الآن أظهر أن تحذيرات ماكينزي كانت بعيدة النظر، وأن الصين عرفت كيف تجري التفافا على الإستراتيجية الأميركية من خلال إيران، وأن الإدارة الديمقراطية كانت تنتهج سياسة التعايش مع النظام الإيراني القائم، مع غض النظر عن أسلوب القضم الذي كان حاصلا.
لذلك قد تكون إيران تأمل بعودة “مظفرة” للديمقراطيين، مع استعدادها لتحمل تكاليف إضافية. وهو ما يعني ضمنا أن الأشهر المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت.



