مقالات صحفية

“المفاوضات من الإطار إلى آلية التنفيذ” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

فجأة ووفق أسلوبه السياسي الذي اشتهر به، نفذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنعطافة حادة باتجاه الحرب. فأعلن انتهاء “صلاحية” الإتفاق الإطار، رغم أنه لم يمض على توقيعه أكثر من ثلاثة أسابيع. ومن أنقرة حيث عقد مؤتمر دول حلف الناتو، أعلن ترامب بأن الجيش الأميركي سيستأنف ضرباته على إيران، وملوحا باحتمال الإستيلاء على جزيرة خارك الإيرانية. وفي إشارة على جدية الموقف الأميركي، ألغى وزير الدفاع بيت هيغسيت زيارة الى إسرائيل كان جرى الإعداد لها سابقا، على أن تحصل فور انتهاء أعمال مؤتمر الناتو.
لا شك أن تصريحات ترامب تمثل تصعيدا كبيرا جدا، لكنها لا تعني حتمية العودة الى الحرب الشاملة مع إيران، وإن كانت ترفع من احتمال توسع المواجهة بشكل واضح. ذلك أن ترامب ترك بعض المخارج حينما اعتبر أنه سيقنع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بأن طهران تعمل على استهلاك الوقت وإضاعته. والمعروف عن شخصية ترامب أنه يأمر ولا يشاور في العادة، ما يعني أنه ترك نافذة، ولو ضيقة جدا، يمكن لطهران استخدامها. لكن عندما يعلن ترامب أن الإتفاق الإطار أصبح ميتا، فهذا يعني أنه انهار، وواشنطن لم تعد ترى نفسها مقيدة بالمسار التفاوضي، وأن الخيار العسكري عاد الى الواجهة، ولو كأداة ضغط أو رد في الوقت الراهن.
لكن ترامب هدد بتنفيذ ضربات خلال ساعات الليل، وهو أراد من خلال ذلك تحقيق أمرين: الأول، ردع إيران وإجبارها على التراجع عن تنفيذ أي هجمات أو خطوات تصعيدية. والثاني، تهيئة الرأي العام الأميركي والدولي لاحتمال تنفيذ ضربات عسكرية جديدة في حال لم يتغير السلوك الإيراني.
ووفق هذه القراءة يمكن القول أن ترامب خطا خطوة كبيرة باتجاه تجديد الحرب مع تلويح باستخدام القوات البرية (جزيرة خارك)، ولكنه لم يعمد الى اجتياز كامل المسافة “الحربية” المطلوبة بانتظار رصد ردة الفعل الإيرانية. وبالتالي، فإن السيناريو الأرجح يشير الى تنفيذ الجيش الأميركي ضربات قوية ولكن محدودة جغرافيا ومحددة بشكل دقيق. وهو ما سيتبعه بالتأكيد ردا إيرانيا محسوب، بحيث لا تنزلق الأمور باتجاه الحرب المفتوحة والشاملة. ذلك أن كل الأطراف تعرف جيدا أن الذهاب الى جولة حرب جديدة هذه المرة سيعني رفع مستوى المواجهة الى الحد الأقصى، وبالتالي استهداف ما كان يعتبر سابقا من المحظورات. واستطرادا، سيدفع ذلك للذهاب الى مواجهة إقليمية واسعة، تمتد الى كافة أرجاء الخليج وربما ساحات أخرى. ولا بد من الأخذ في عين الإعتبار دائما أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل دخلتا في دائرة إدارة الإنتخابات وتهيئة الأجواء الملائمة، وهو ما تدركه إيران أيضا وتحسب له. ما يعني أن الدخول في مواجهة حربية جديدة سيؤدي فعليا الى فتح أبواب الجحيم هذه المرة، حيث تصبح اللعبة لعبة حياة أو موت.
والتصعيد الجديد ستنعكس آثاره مباشرة على لبنان، من دون أدنى شك. وأولى هذه الإنعكاسات ستصيب المفاوضات المتأرجحة القائمة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. وهو ما قد يدفع الى تأجيلها ولو مؤقتا، أو إعادة خلط أوراقها بحسب مدى اتساع المواجهة. وهو ما يفسر تأرجح الموقف اللبناني الرسمي من المشاركة في الجولة السادسة من المفاوضات والمقررة في روما. وهذا الموقف إختلف قبل وبعد مواقف ترامب.
لكن هذا لم يمنع من طرح الأسئلة حول سبب تحديد العاصمة الإيطالية كمكان لانعقاد الجولة السادسة بعد أن كانت واشنطن، وتحديدا مكاتب وزارة الخارجية، قد احتضنت كل الجولات السابقة؟ وكذلك حول سبب اختيار روما وليس باريس على سبيل المثال؟
في السابق وتحديدا مع التحضير للبدء بجولات التفاوض، جرى اختيار قبرص كمكان لانعقاد المفاوضات بدلا من خيار باريس لاعتبارات قيل أنها تتعلق بقرب المسافة وسهولة التحرك من وإلى لبنان. وجرى تجهيز طوافة عسكرية لتقل كامل الوفد المفاوض، قبل أن تطرح واشنطن استضافتها للجولات التفاوضية في مبنى وزارة الخارجية. يومها وجدت السلطات اللبنانية في إعتماد واشنطن عاملا يلعب لصالحها، وعلى أساس قدرة واشنطن في مساعدة لبنان والضغط على جموح إسرائيل. لكن مع نقل ساحة التفاوض الى أوروبا، توالت الأسئلة عن الأسباب التي أدت الى ذلك.
ووفق تفسيرات ديبلوماسية فإن هذا القرار يعكس تفضيل واشنطن إشراك حلفاء أوروبيين في المرحلة التنفيذية للتفاهمات المتعلقة بالحدود وبالترتيبات الأمنية. ولم يجر اختيار باريس بسبب الحساسية الأميركية كما الإسرائيلية من أي دور فرنسي على مستوى الملف اللبناني_الإسرائيلي. وهذه الحساسية تجلت في نسف ما كان يعرف بالميكانزم بهدف دفع الفرنسيين خارج هذا الإطار. وأظهرت واشنطن في أكثر من محطة وجود تباين بينها وبين باريس حول لبنان. وبالتالي لا يريد البيت الأبيض إعطاء الإنطباع بشراكة فرنسية كاملة في صياغة التفاهم. أضف الى ذلك الحساسية الإسرائيلية من العلاقة القائمة بين السفارة الفرنسية في بيروت مع حزب الله.
أما إيطاليا فهي تحظى بحضور مهم في جنوب لبنان من خلال قوات الطوارىء الدولية، ما جعلها منخرطة في الملف اللبناني ولو بشكل “لايت”. ولإيطاليا علاقات مقبولة مع مختلف الأطراف والأهم أنه ليس لواشنطن أي حساسية تجاه دورها. كذلك فإن مؤتمر دعم الجيش والذي كان عقد منذ أكثر من ثلاث سنوات، حصل في روما. وبالتالي فإن رسالة واشنطن بنقل المفاوضات الى روما بأن الإتفاق سيحتاج الى مساهمة أوروبية بدعم الجيش وتمويل آليات تنفيذه.
المهم أن مرحلة مفاوضات واشنطن والتي كانت تهدف لوضع الإطار السياسي قد انتهت، والمفاوضات المقبلة مهمتها الإنتقال للبحث بالتفاصيل وآليات التنفيذ، وهو ما يتطلب رعاية دولية أوسع. أي أن المفاوضات إنتقلت من مرحلة التفاوض على المبدأ الى مرحلة التفاوض على الآلية، والتي ستتركز على الترتيبات الأمنية جنوبا، ودور الجيش وآلية المراقبة وتأمين التمويل والدعم الدولي.
ويضع لبنان كمدخل إلزامي تأمين حصول انسحاب إسرائيلي ولو من مساحة رمزية من خلال ما بات يعرف بالمنطقة التجريبية، وهو ما سيؤدي الى انطلاق المسار وتأمين المراحل الأخرى. فلبنان الرسمي يعتبر أن حصول انسحاب إسرائيلي سيؤدي الى مناخ داخلي مريح وسيسمح بالمباشرة بتطبيق البند المتعلق بسلاح حزب الله، خصوصا وأن السلطة ستكون قد امتلكت ورقة قوية للذهاب في هذا الإتجاه. أما إذا لم تتحقق المنطقة التجريبية فتتخوف السلطة من الإنعكاسات السلبية جدا على كامل المشهد. لكن قيادة الجيش تبدو أكثر حذرا وتخوفا. فالحسابات لها علاقة بأي منطقة تجريبية يجري التحضير لها. فإذا بقيت ضمن منطقة محصورة بمنطقة ضيقة كمثل الزوطرين فإن مخاطر الفشل مرتفعة. ومن الأسئلة التي يحملها الجيش: كيف يمكن ضمان منطقة ضيقة فيما القوات الإسرائيلية قربها والخروقات الإسرائيلية مستمرة على مناطق مجاورة؟ وتاليا، ماذا لو تسلل مسلح مدسوس الى المنطقة التجريبية وأطلق النار باتجاه الإسرائيليين؟ فإسرائيل كانت حذرت بوضوح بأنها سترد بقوة وعنف على مصدر النار. عندها ستكون المخاطر مرتفعة على الأهالي العائدين. لأجل ذلك يتمسك الجيش بأن تكون المنطقة التجريبية وفق مساحة واسعة، أي أن تكون قطاعا كاملا، وهو ما يقلل من هامش المخاطر. أضف الى ذلك ما ظهر جليا حول أهداف عسكرية تتمسك إسرائيل بتحقيقها. فهنالك أولا تلة علي الطاهر، حيث رفعت إسرائيل علمها عليها. وليس بالضرورة أن تكون قد نفذت خطوتها من خلال تسلل بري، بل أغلب الظن من خلال رمي العلم بطريقة فنية عبر إحدى المسيرات. وبما أن هذه التلة مكشوفة ناريا من قبل الجميع، فإنه بات من الصعوبة بمكان إزالة العلم. واستطرادا فإن إسرائيل متمسكة بإعلان سيطرتها على هذه التلة، إضافة الى منطقتي الريحان وجبور، وهذه الأخيرة تحتضن منشآت أكبر من تلك الموجودة في علي الطاهر، وتمتد من كفرحونة وصولا الى البقاع الغربي. وهو ما يعني ضرورة التنبه الى أن لإسرائيل أهداف عسكرية متمسكة بتحقيقها.
في المقابل لا تبدو الصورة بهذه المرونة لدى حزب الله. ذلك أن قيادة الحزب المتمسكة بمسار إسلام أباد حددت ثابتتين لمواقفها. الثابتة الأولى وتتعلق بعدم البحث بأي شكل من الأشكال بحصرية السلاح طالما هنالك شبر واحد من الأراضي اللبنانية تحت الإحتلال. وهذا ما يتناقض بالكامل مع المشروع الذي تنادي به الدولة اللبنانية. والثانية، وهي بعدم العودة الى ما قبل تاريخ الثاني من آذار. أي أن حزب الله سيستمر بسياسة الرد على الخروقات الإسرائيلية طالما أنها قائمة، وأن هذا القرار يخضع لحسابات الوقائع الميدانية والسياسية ومقتضياتها. ووفق ما تقدم فإن هوة واسعة باتت تفصل ما بين رؤية السلطة اللبنانية ونوايا حزب الله.
وثمة جانب إقليمي آخر لم يأخذ به بعد بالجدية المطلوبة لبنان الرسمي. فمؤتمر الناتو والذي عقد في أنقرة منح قوة دفع إضافية للطموح التركي في المنطقة. فتركيا قد تجد أن الظروف باتت ملائمة للسعي للإستثمار في إخفاقات القوى الأخرى في الشرق الأوسط، وهو ما يسمح لها بتوسيع نطاق نفوذها وتحويله الى قوة مستدامة. وهو ما يعني توازنات إقليمية جديدة أكثر تعقيدا تلعب فيها تركيا دورا محوريا. ولبنان ساحة جذب لهكذا مشاريع. وفي تحليل لافت نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية جرى التركيز على الدور التركي الصاعد على حساب التراجع الإيراني. وقالت أن الفراغىالذي سيحدثه إضعاف قدرة حزب الله قد يعزز النفوذ الإقليمي لتركيا. وتابع التحليل أنه فيما يتعلق بمستقبل حزب الله فيتوجب النظر الى موازين التحالفات الإقليمية وليس فقط السياسية الداخلية للبنان. ولذلك على إسرائيل (وفق الصحيفة) التنبه لميزان القوى الإقليمي الذي قد يتشكل مستقبلا وليس للتهديد الذي يشكله فقط حزب الله.
وختمت الصحيفة قائلة أنه ينبغي إستنادا للقرارات المتعلقة بمستقبل لبنان البناء على تحليلات واقعية للمخاطر أكثر من الإفتراضات المتفائلة، لأن القرارات المتفائلة غير المستندة على تقييمات واقعية في منطقة مثل الشرق الأوسط، قد تتحول الى أخطاء خطرة على المدى الطويل.
هو تفكير إسرائيلي جديد لا بد من أخذه في عين الإعتبار، ولو أنه يبقى في الإطار الإعلامي لا السياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى