مقالات صحفية

“احتمالات الحرب ترتفع” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

طغت حادثة إطلاق النار في حفل العشاء السنوي لمراسلي البيت الأبيض في فندق هيلتون في واشنطن بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب على كافة الأحداث العالمية، بما فيها الحرب الإيرانية. ذلك أن التقييم الأولي لما حصلجرى وضعه في سياق محاولة إغتيال ترامب والذي كان قد تعرض لعدة محاولات اغتيال خلال السنوات الأخيرة، أخطرها على الإطلاق جرت في 13 تموز 2024 يوم أصيب في أذنه اليمنى، وعلى مسافة ميليمترات من رأسه.
حتى الآن لم تصدر أي تلميحات حول وجود تخطيط خارجي للعملية، بل أنها وضعت في إطار التصرف الفردي البحت. رغم ذلك فإن من يعتقد بأن هذه الحادثة ستحدث هزة سلبية لدى ترامب وتجعله يخفف من إندفاعته الهجومية، لاسيما في مساره الحربي تجاه إيران، هو مخطىء تماما. على الأقل هذا ما تقوله ردة فعله إزاء المحاولة الأخطر في بنسلفانيا. يومها وفيما كانت الدماء تسيل على وجهه وسط غموض حول مدى إصابته، رفع ترامب قبضته عاليا وهو يبدي تماسكا واضحا، داعيا لاكمال النضال. وبالفعل لم تؤد هذه الحادثة الى أي تعديل في السلوك “الخشن” والشرس للرئيس الأكثر جدلية في التاريخ الأميركي. واستنادا الى هذه الواقعة على الأقل، فإن الرهان على ليونة قد تطرأ على سلوك ترامب حول الأزمة القائمة مع إيران، هو رهان في غير محله. ما يعني أن الإتجاه السلبي الذي يأخذه المسار التفاوضي يؤشر لاحتمال عودة الحرب، والتي ستكون بصيغة أكثر تدميرا، وفق التهديدات الصادرة من واشنطن وتل أبيب على السواء. وجاء كلام ترامب بعد ساعات معدودة على حادثة عشاء فندق هيلتون ليؤكد ذلك. فهو أبدى اعتقاده بأن الحرب مع إيران ستنتهي قريبا جدا، “وسنخرج منها منتصرين”. وكان صدر موقف مشابه عن رئيس لجنة القوات المسلحة في الكونغرس الأميركي السيناتور روجر ويكر والذي غرد على صفحته على منصة “أكس” كاتبا: انتهى وقت التفاوض مع نظام إيران. ودعا القائد الأعلى للقوات المسلحة لتوجيه الجيش لاستكمال تدمير القدرات العسكرية التقليدية لإيران والقضاء على أي بقايا أخيرة في برنامجها النووي. ويعكس ويكر إتجاها متصاعدا لدى الكونغرس يدفع باتجاه الإنتقال من الضغط الديبلوماسي الى الردع العسكري، مع فشل المساعي الديبلوماسية. وفي المقابل لا تبدو الصورة أقل تشددا على الضفة الإيرانية، لا بل على العكس فإن قيادة الحرس الثوري أعلنت أنها على أتم الإستعداد للمواجهة على مستوى أي عدوان. كما أن نائب رئيس البرلمان الإيراني علي نيكزاد قال: من نتائج الحرب أننا أدركنا أنه إذا وضعنا أقدامنا على عنق مضيق هرمز وباب المندب، فإن 25% من إقتصاد العالم سيتأثر. أي أن المزاج الإيراني ما يزال يراهن على الوقت لإخضاع البيت الأبيض بعد إرهاق الأسواق الإقتصادية الأميركية والعالمية. لكن أوساط ديبلوماسية أميركية تدور في فلك الحزب الديمقراطي لا تعتقد بأن الظروف الأميركية الداخلية باتت ضاغطة على ترامب. فالأسواق المالية تشهد ارتفاعا في تعاملاتها، وهو ما يؤشر الى واقع إقتصادي جيد. كما أن أسعار النفط يجب أن تتخطى حاجز المئة وعشر دولارات لسعر البرميل للدخول الى مرحلة الخطر.
في الواقع فإن فريق ترامب والذي يريد اتفاقا سريعا، يبدي ارتيابه من سعي طهران لاستهلاك الوقت بالتفاوض ومن دون الوصول الى نتيجة. فالفريق الإيراني يتمسك بداية بالتزام أميركي حاسم بعدم الإعتداء على إيران قبل الذهاب الى أي اتفاق. وهو أيضا يرفد البنود الموضوعة على طاولة المفاوضات بالكثير من التفاصيل والتي يخضعها لبحث طويل. وهذا السلوك جعل الفريق الأميركي أكثر إصغاء لتحذيرات بنيامين نتنياهو من الأسلوب الإيراني بتسويف أي اتفاقات عبر إغراق المفاوضات بتفاصيل لا يمكن الإنتهاء منها بسهولة. ووفق هذا المشهد فإن التوقعات عادت لتصبح تشاؤمية وهو السيناريو الذي يريده ويتحضر له بنيامين نتنياهو.
ولأن الوضع في جنوب لبنان يتداخل مع التوترات الأوسع بين واشنطن وطهران، ارتفع مستوى السخونة الأمنية في جنوب لبنان، وعادت الغارات الإسرائيلية والمصحوبة بدعوات إخلاء البلدات والمناطق. فالتداخل القائم عدا عن أنه يقيم رابطا خفيا بين جبهتي لبنان وإيران فهو في الوقت نفسه يحد من قدرة أي طرف على الشروع في تقديم تنازلات أحادية. وحزب الله لا يتعامل مع الهدنة بمعزل عن هذه الحسابات، كما أن إسرائيل ترى في أي تسوية لا تعالج هذا البعد تهديدا طويلا ومباشرا لأمنها. وفي ظل هذه التشابكات تصبح الهدنة أشبه بهامش ضيق للمناورة، لا إطارا واضحا للحل. وبالتالي يصبح تمديد وقف إطلاق النار لا يتجاوز كونه محاولة لشراء الوقت، من خلال تفعيل المسار الديبلوماسي ولإعادة ترتيب الأوراق الميدانية. وهو ما يعني أن الأسابيع الثلاث مرشحة لأن تشهد تآكلا سريعا لقرار وقف النار وتصعيدا متدرجا باتجاه اسنعادة حال الحرب. وجاء كلام قائد فيلق القدس في الحرس الثوري ليلاقي التصعيد الإسرائيلي التصاعدي. فهو أعلن بأن التركيز ينصب اليوم على دعم حزب الله وسائر مكونات المقاومة.
فالهدنة تشكل بالنسبة للسلطة اللبنانية وسيلة لاحتواء التصعيد، وفتح الباب أمام معالجة ملفات سيادية، مثل انسحاب القوات الإسرائيلية ووقف الإعتداءات اليومية، بينما تنظر إليها إسرائيل من زاوية أمنية بحتة وتسعى لاستثمارها في إطار مزيد من الضغط بهدف تحجيم حزب الله وتضييق الخناق حوله. ولأن احتمالات العودة الى الحرب عادت وارتفعت كررت قيادة حزب الله طلبها من النازحين عدم العودة النهائية الى منازلهم.
وبموازاة ترنح قرار وقف النار في الجنوب، يرتفع مستوى “هجوم” حزب الله على السلطة اللبنانية. وهو أصدر بالأمس بيانا إحتوى لهجة هجومية جديدة حيث إعتبر أن السلطة “أسقطت نفسها في مأزق خطير” عندما اختارت أن تجمعها صورة واحدة مخزية مع إسرائيل. ويحمل البيان في خلفية سطوره ما هو أبعد من تسجيل موقف سياسي.
قبل ذلك ومع الإعلان عن موافقة لبنان على أول جلسة تفاوض مباشرة بينه وبين إسرائيل، احتشدت مجموعات شعبية تنتمي الى بيئة حزب الله في ساحة رياض الصلح حاملة أعلام حزب الله وأعلام إيرانية ونددت بالحكومة ونعتت رئيس الحكومة نواف سلام بالصهيوني في وقت كانت فيه مجموعات أخرى تجوب شوارع في بيروت حاملة الأعلام نفسها. يومها تدخلت السعودية بشكل مباشر عبر الأمير يزيد بن فرحان الذي تواصل خصوصا مع الرئيس نبيه بري، في موازاة حركة قوية من الرياض باتجاه طهران من خلال الوسيط الباكستاني. ويبدو أن المملكة لمست وجود نية لنسف التركيبة القائمة في لبنان والتي تستند الى معادلة تتظلل بغطاء أميركي وسعودي. وقد تكون السعودية تخشى أن يكون الهدف الإيراني ليس فقط تنفيذ انقلاب على مستوى توازنات السلطة، بل ربما وصولا الى فرض أزمة دستورية تأخذ البلد الى مؤتمر تأسيسي ينتج تفاهمات دستورية جديدة والذي لطالما حكي بأنه يشكل الهدف الحقيقي لحزب الله. وإثر ذلك جرى استقبال النائب علي حسن خليل موفدا من قبل الرئيس نبيه بري، وحيث جرى التطرق بإسهاب الى كل هذه الملفات.
وبعدها زار بن فرحان القاهرة على عجل في سعيه لتعزيز المظلة العربية فوق لبنان، قبل أن يقوم بزيارة رسمية الى بيروت. والتفاهم السعودي_المصري والذي شمل أيضا فرنسا تركز حول ضرورة سحب فتيل الإحتقان الحاصل والذهاب الى فتنة في الشارع، وهو ما يشكل خطا أحمر. إضافة الى عدم استهداف الحكومة ورئيسها، وكذلك مواجهة أي سعي للمس باتفاق الطائف. وجاء الكلام السعودي واضحا في هذا الإتجاه. ووفق التسريبات، فإن السعودية سمعت التزاما من الرئيس بري إزاء خطوط الحمر السعودية، كما لمست تجاوبا إيرانيا. وجرى التفاهم أيضا على ضرورة استكمال تطبيق اتفاق الطائف كبديل عن السعي لتقويضه، لاسيما لناحية بند اللامركزية ومن ثم إلغاء الطائفية السياسية. لكن كيف يمكن لبلد يعيش أقصى أجواء التعبئة الطائفية والمذهبية أن يذهب باتجاه إلغاء الطائفية السياسية، خصوصا وأن الإنتخابات البلدية تشكل مثالا واضحا على ذلك، رغم طابعها الإنمائي؟ وكذلك، كيف يمكن الذهاب في هذا الإتجاه وفي البلد أحزاب دينية عقائدية؟
وقد يكون البعض قرأ في الخلفيات سعيا إيرانيا للعودة الى المعادلة الإقليمية التي تظلل لبنان من خلال شراكة مع السعودية.
في الواقع بدا أن المعادلة الداخلية التي نشأت على أنقاض المعادلة التي كانت تعطي الأرجحية لإيران بسبب نتائج الحرب الإسرائلية السابقة، عادت وشهدت تبدل بطيء لصالح حزب الله نتيجة عاملين أساسيين: الأول، ويتعلق بالوقت الذي كسبه حزب الله منذ قيام التركيبة السلطوية الجديدة، والذي قارب السنة وبضعة أشهر. فهذه الفترة شكلت مساحة زمنية ممتازة لحزب الله مكنته من إعادة تنظيم نفسه بعد الضربات القاسية التي تلقاها، وإعادة بناء قوته العسكرية وفق تنظيم جديد يتلاءم ودروس الحرب القاسية. وخلال المعارك التي شهدها الجنوب منذ بداية شهر آذار ظهر حزب الله في شكله العسكري الجديد، ما أعاق التقدم العسكري السريع الذي كان يلوح به. وهو ما يعني نجاحه في رهانه على عامل الوقت.
والثاني، إعادة ضمه لكامل بيئته الشعبية حوله، بعدما نجح في تصوير الوضع بأنه استهداف لكامل الطائفة الشيعية ولوجودها ولمستقبلها وليس أبدا استهداف للخيار الإيراني. ولسخرية القدر فإن من ساعده على ترسيخ هذه الفكرة في أوساط بيئته كانت تلك الهجمات الإعلامية العشوائية لمعارضيه، والتي جاءت غرائزية أكثر منها سياسية ومدروسة.
لكن المعضلة الأساس تبقى حول تثبيت المسار الذي ستسلكه هذه السلطة في إطار الصراع الإقليمي القائم. وهنا يبرز التباين بين الثلاثي السعودية مصر وفرنسا وبين البيت الأبيض. فإدارة ترامب وفي إطار صراعها ولعبة المفاوضة وأوراقها مع طهران تريد ترسيخ مبدأ فصل المسار اللبناني عن الإيراني. لذلك اندفع ترامب في اتجاه تدشين مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل وحيث عمد لاستضافة الجولة الثانية، وهو يضغط لتحقيق مصافحة بين الرئيس اللبناني جوزف عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قبل انقضاء مهلة الثلاثة أسابيع، رغم أن لبنان لم يبد تجاوبا حتى الآن. وفي موازاة ذلك فإن حسابات السعودية تبدو مختلفة. فهي من جهة تدرك جسامة هذه الخطوة وسط الظروف الحالية، وفي الوقت نفسه فهي متمسكة بموقف عربي موحد. أي أن تحصل بعد أن تقوم السعودية بالخطوة الأولى بعد حصول تفاهمات واضحت ويليها لبنان وسوريا. وثمة عامل إضافي يتعلق بوجود “نقزة” من المفاوضات التي تتولاها واشنطن مع طهران عبر إسلام أباد. فلقد ظهر أن التركيز الأميركي يتمحور حول الملف النووي والتخصيب، وأنه لم يجر التطرق لملفي الصواريخ والأذرع وهما الأساس بالنسبة لها.
لذلك لا تحبذ السعودية العجلة الأميركية الحاصلة، والإكتفاء الآن باستمرار المفاوضات والبحث بالنقاط المعقدة. وفي وقت جرى طرح قبرص كمكان للتفاوض الى جانب اقتراح روما، تمسك لبنان بإبقاء واشنطن كمكان للتفاوض لإبقاء الرعاية الأميركية المباشرة، وبهدف نيل مساعدتها بوجه المكائد الإسرائيلية. ومن المفترض أن يتألف الوفد اللبناني من ثلاثة أشخاص برئاسة السفير سيمون كرم وعضوية أحد كبار الضباط المتخصص بهذا الملف إضافة الى كاتب المحاضر.
لكن بانتظار ذلك تبدو واشنطن كما الرياض ومعهما باريس والقاهرة متمسكين بدفع لبنان لتطبيق قرار حصر السلاح بيد الدولة. وتحدثت هذه العواصم عن ضرورة شروع الدولة اللبنانية بتطبيق هذا البند وفق برنامج زمني محدد ومنطقي. وظهرت إشارات ضغط من واشنطن حيث تم شطب البند المتعلق بالمساعدات السنوية الإقتصادية والعسكرية من مشروع قانون الموازنة للسنة المقبلة. وهو ما يشكل ضربة موجعة للجيش اللبناني. وكذلك أبلغت السعودية أنها لن تقدم على أي خطوة لدعم لبنان إقتصاديا إلا بعد حصول خطوات تنفيذية على أرض الواقع وتصب في خانة تطبيق قرار حصر السلاح بيد الدولة.
وخلال إتصال ال29 دقيقة بين الرئيس اللبناني ونظيره الأميركي سأل ترامب كيف يمكن مساعدة الدولة اللبنانية وعندها طلب الرئيس عون منه إعادة إدراج بند المساعدات الإقتصادية والعسكرية الأميركية في مشروع الموازنة. ووافق ترامب على ذلك.
لكن لنتنياهو حسابات مختلفة. فهو وافق على وقف إطلاق النار إن في لبنان أو في إيران مرغما، خصوصا وأن ظروفه الداخلية تدفعه في اتجاه استمرار الحرب لتحقيق نتائج يطالب بها شارعه الإنتخابي. ومع تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران يتحضر نتنياهو لاستعادة مساره الحربي، وهو يدفع باتجاه توسيع الحرب في لبنان عله يحقق نتائج ميدانية يرضي بها شارعه. وهنالك من بات يخشى حتمية عودة الحرب الى لبنان ولو أنه يعتقد أنها ستتركز في الجنوب والبقاع الغربي وليس في بيروت أوالضاحية الجنوبية. فوفق نظرة هؤلاء أن ثمة حاجة لترسيخ معادلة ميدانية واضحة تسمح بإعادة رسم النفوذ السياسي الجديد في المنطقة وفي لبنان أيضا. وهنا يبدو بوضوح أن لبنان جزء أساسي من بازل المنطقة، وهنا باب الخطورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى