
حطت الحرب العدوان الأميركو- صهيوني على إيران رحالها، ودخل الطرفين في جولة من المفاوضات المباشرة بين أميركا وإيران وتنحي الصغار جانبا” والمقصود هنا نتنياهو وكيانه العنصري.
قد يتشدق البعض أن المقاومة أيضا” تنتظر على قارعة الطريق القرارات الخارجة عن اجتماعات اسلام آباد. هذا صحيح في جانب بسيط منه خصوصا” أننا على بعد حوالي الاسبوع على الهدنة بين المتفاوضين، ما زلنا نرى العبري الذي يحاول استغلال توقف القصف مع إيران بتصعيد غير مسبوق تجاه لبنان المقاوم ببطولة عز نظيرها، علّه يقلب مجريات الأحداث دون نتيجة، بدأها بمجازر تعبر عن الطبيعة اليهودية التوراتية( سفر التثنية) القائلة:إذا أردت أن تفتتح مدينة فاستدعها للصلح، فإن أجابت كان كل ما فيها لك للتسخير والاستعباد. وإن لم تجبك فاضراها ولا تستبقي منها نسمة حية حتى البهائم ” حيث أفرغت طائراته المدججة حقدها على المدنيين اللبنانيين بعدما أوقفت عن مهاجمة إيران، بما فيها المراكز الرسمية حيث استشهدت ثلة من عناصر أمن الدولة(13 عنصرا” في مركز سرايا النبطية). وأكثر، علّه يقلب طاولة المفاوضات التي أظهرت أمرين مهمين :
أولا”: سقوط مشروع نتنياهو بقلب النظام الإيراني وتحقيق حلمه الشرق أوسطي بزعامته وكيانه.
الثاني: تمثل في جلوس اليهودي نتنياهو بما يمثل على جانب الحدث التفاوضي (صورة عن المستقبل) ، رغم أنه صاحب مشروع الحرب التي ورط أميركا بها . وهذا التجاهل لنتنياهو دليل على غضب ترامب الذي عاشه في كواليس البيت الأبيض مع مجالسه الحربية خلف الكواليس لا في العلن المكابر والكاتم الهزيمة، أو عمق المأزق الذي رماه فيه نظيره العبري وأقنعه زورا” أن الحرب مسألة أيام تنتهي بقتل المرشد وقلب النظام في إيران.
هذه الورطة الترامبية دفعته إلى استعمال الحزم الغاضب في وجه نتنياهو الذي أحنى رأسه أمام هذه العاصفة، دون أن يتنازل عن جبهة لبنان ،راجيا” فشل المفاوضات، ممنيا’ النفس أن تعفيه من المحاكمة، غير آبه بما يصيب جيشه من إحباط وهزائم وخسائر . ولو سارت رياح الحرب لصالح سفينة النتن ياهو لما جلسوا الى طاولة المفاوضات أصلا” ( نموذج فنزويللا)، ولما رضي من إتخاذ موقف المشاهد المشاغب في لبنان ، ولكان هذا الأخير ورقة ترضية يسير ترامب بشكل أقوى أمام نتنياهو لمحاولة تحقيق ما عجزوا عنه سابقا” مع هوكشتين والمبعوثة عارضة الازياء بتسليم لبنان بالعهر والسحر لليهودي المحتل.
والجدير بالتنويه وحسب وول ستريت جورنال عن مصادر: رؤساء أكبر ثلاث شركات نفطية حذروا من تفاهم أزمة الطاقة إذا استمر إغلاق المضيق” ما يدل على حالة المضيق وأهميته الاستراتيجية ودليل على عمق أزمة ترامب مهما حاول إخفاءها بإيجاد بديل تارة” أو بادعاء مرور مدمراته به أو بالتلويح العاجز بفتحه بالقوة التي لم ولن يجبهُ لها أي من حلفائه الأطالسة رغم حاجتهم الملحة لفتحه ويقروا بالعجز عن ذلك بالقوة.
دخل الطرفان المفاوضات مثقلان بحمل ثمان وثلاثين يوما” بنجاحاتها وإخفاقاتها، بدمارها وخسائرها ومؤشراتها المتذبذبة، لا يُرتجَ منها أكثر من هدنة قد تطول أو تقصر، تخفف حدة المواقف العاليه التي رفعها ترامب بمحو حضارة فارس وصلابتها التي لم تنحنٍ للعاصفة ، واضعة العالم قبل المتحاربين أمام مستقبل حالك السواد وخيارات أحلاها مر.
عُقدت الجولة الأولى الماراثونية كما سبق التوقع، عالقة عند ضيق مضيق هرمز، بعدما طرح كل من إيران والولايات المتحدة رؤيتهما وشروطها أو مطالبهما واتفق على عدة نقاط من بنود إيران العشرة (أساس التفاوض) ، ثم تعثرت إذ ربط الجانب الإيراني فتح مضيق هرمز الذي أصبح أول أولويات ترامب ونقطة ضعفه بوقف الحرب العدوانية على لبنان بما تعنيه لنتنياهو .
هذا المطلب على بساطته الظاهرة بات لب الأزمة لما له من دلالات وأهمية تتمثل في التالي:
1_ الدرس الذي تلقته إيران مما قيل عنه تخلي عن أذرعها في لبنان في حرب الاسناد 2024 وفي فلسطين وسورية( رويتر عن مسؤول اميركي كبير:” عرقل المفاوضات رفض إيران طلب التخلي عن أذرعها في لبنان وفلسطين واليمن ولبنان)، وما أعطته نتنياهو من دفع بالتوجه نحو إيران بالذات في حرب الإثنا عشرة يوما” والتي كادت أن تطيح النظام آنذاك لو نجحت في اغتيال المرشد في تلك الظروف التي لم تتوقع فيها إيران وصول الغلو اليهودي إلى هذه الجرأة_الوقاحة ومهاجمة إيران في دارها وفي رأس هرم السلطان .
2_ردَ الايراني الصاع صاعين لأميركا وربيبتها، بأن ذراعها لا تلوَ في لبنان ، وأن منع الطيران المدني الإيراني وطرد السفير كمحاولة لعزل إيران لن تمر مرور دون رد ولن يكون لبنان أميركيا”.
3_أهمية الدور الذي لعبته المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله في إرباك حسابات التحالف العدواني،وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء ومحو أثار حرب الإسناد السلبية والعودة إلى انتصار تموز 2006، وتغيير خارطة اللعبة برمتها بين لبنان والعدو. وأشارت المصادر والخبراء إلى الارباك والألم الذي سببه دخول حزب الله المقاوم الحرب على الكيان وإضعاف دفاعاته الجوية بالأخص.
4_ إظهار أن إيران ليست مستسلمه ولا خائفة من المواجهة مجددا” ، وهي التي تملي شروط المفاوضات لا اعداءها.
وبعيدا” عن من فرض شروطه ومن ربح ومن خسر(مقالة سابقة على موقع إنتماء)، أصبح جنوب لبنان بعد أن كان ساحة المواجهة المفتوحة لتصفية الحسابات بين الدول، ومطمع العدو اليهودي بات مقبرة لجنوده ودباباته مجددا” رغم إصراره على متابعة القتال ورفض وقف إطلاق النار. وهذا اليهودي بات يشكل العقدة التي تقف عائقا” أمام فتح هرمز الحيوي شريان حياة أوروبا الاستعمارية التي أوجدته ، وأضحت حماية حدود لبنان من الأطماع اليهودية “العقدة العالمية” التي من خلالها يخرج الحل إلى واحدة من أقوى مواجهات القرن بالنسبة للقوة الأميركية التي تزعمت العالم منذ العقد الاخير من القرن العشرين وباتت هذه المواجهة تفرض ضرورة إعلان نظام عالمي جديد تسقط الولايات المتحدة والدولار عن تفردها في زعامته ( ستبحثه اميركا كما صرح ترامب في قمة الصين منتصف أيار)، وممكن أن يعيد أميركا إلى عزلتها القارية التي أَعدَّت لها قياداتها منذ أكثر من عقد، لكن دون أن تكون قد وضعت المنطقة في عهدة الدولة اليهودية التي باتت المهدَدَة بوجودها أصلا” بعد سلسلة إنتصاراتها المجتزأة وإخفاقاتها المدوية على أرض الواقع في لبنان وفلسطين، بعد أن تخلَّ الأطلسي عنها وعن حاميتها واشنطن قبلها.الأخيرة في حربها الوجودية في المنطقة وتدمير إيران لقواعدها كافة”،في الخليج خاصة”، والدولة اليهودية كذلك في حربها على غزة أولا” تبلور مظاهراتا” واحتقارا” لرموزها في الشوارع وعواصم العالم ، ووضع زعاماتها على لوائح الإرهاب ومنعوا دخولهم أغلب الدول الاوروبية والأميركية بعدما وضعوا على لوائح الإرهاب الدولي كمجرمي حرب(نتنياهو ووزير دفاعه) .
إنتهت الجولة الأولى من المفاوضات وقد علِقت على أعتاب هرمز _ جنوب لبنان، مقدمة فرصة للبنان الرسمي بالوقوف خلف مقاومته التي قلبت كل المعادلات، وأتاحت له فرصة التفلت من تبعيتها المطلقة في تحسين موقعها، مستفيدة من ضعف الموقف الأميركي وما يتبعه من أزمة الكيان سواء عادت تقرع طبول الحرب أم لم تقرع.



