
من المفترض أن يحضر لبنان اليوم الجولة الثانية من المفاوضات المباشرة بينه وبين إسرائيل في العاصمة الأميركية واشنطن، للبحث في مسألتي تمديد الهدنة القائمة لفترة جديدة ولوقت أطول، إضافة الى مناقشة الإجتماع الثالث والذي من المفترض أن يشكل الإنطلاقة الفعلية للمسار التفاوضي من خلال مشاركة لبنان من خلال وفد يرئسه السفير سيمون كرم، ولو أنه لن يكون مكتملا مع رفض الثنائي الشيعي وتضامن وليد جنبلاط معه. وهو ما يعني أن الظروف لم تنضج بعد للدفع بهذا المسار، خصوصا وأن الأمور ما تزال معلقة على الجبهة مع إيران، حيث المناورات تغلب على المفاوضات الجدية والواقعية.
وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تمديد الهدنة القائمة مع إيران لا يعني حتمية الذهاب الى التسوية السلمية لاحقا، بل يعكس دخول مرحلة إدارة الأزمة أكثر منه الذهاب الى حلها، لاسيما مع تمسك كل فريق بالرهان على عامل الوقت لإخضاع خصمه. وربما لهذا السبب لم يعمد ترامب لوضع حد زمني للهدنة الجديدة. فهو يعتقد أنه نجح بالإستحواذ على ورقة جديدة وثمينة جدا تغنيه عن التصعيد العسكري وهي ورقة “الحصار البحري”، وهو يريد استخدامها الى الحد الأقصى الى جانب التهديد التلويح بشن حرب ضارية ستطال هذه المرة الطاقة ومجالات حيوية وحياتية أخرى، فيما إيران تميل الى سياسة كسب الوقت مع تجنب الإنزلاق الى مواجهة عسكرية شاملة بانتظار سقوط ترامب من الداخل أو تصاعد النقمة الدولية عليه.
عند بداية هذه الحرب كانت الحسابات الأميركية تتركز على حملات جوية وبحرية صاعقة ومكثفة تطال رأس النظام القائم والتركيبة القيادية إضافة الى إضعاف البنية التحتية العسكرية بشكل منهجي لدفع طهران الى تسوية سياسية شاملة، لم تحقق النتيجة المطلوبة أقله حتى الآن، على الرغم من الإغتيالات الواسعة والدمار الهائل. لكن البيت الأبيض ما يزال يراهن على أن سياسة النفس الطويل الذي تمتاز به إيران من الممكن ترويضها، حيث بات الوقت يلعب ضد مصلحتها. ففي الواقع بدا واضحا أن واشنطن تريد احتواء إيران وتطويعها وليس تدميرها أو تفتيتها، بدليل أنها لم تعمد الى رعاية معارضة جدية لتكون البديل، ولا أيضا الى دعم المجموعات الإنفصالية من الأكراد شمالا الى البلوش جنوبا.
لكن هذا “الغموض” في الأهداف الحقيقية لترامب لا بد أنه رفع من منسوب الحذر لا بل الشكوك لدى طرفين أساسيين وهما دول الخليج وإسرائيل. فثمة همس في بعض الأوساط حول وجود مخاوف لدى بععض الأوساط الخليجية، من أن تفضي المفاوضات بين واشنطن وطهران في نهاية المطاف الى تسوية تضمن الممرات المائية للطاقة عبر مضيق هرمز مقابل تجاهل الهواجس الأمنية الإقليمية، وفي طليعتها البرنامج الصاروخي الإيراني إضافة الى ما بات يعرف بأذرع إيران الإقليمية. وما رفع من منسوب هذه الهواجس أن جولة المفاوضات الثانية والتي جرى تأجيلها وسط تمسك طهران ببعض مطالبها لم تلحظ ملفي البرنامج الصاروخي والأذرع، بل فقط النقاط المتعلقة بتخصيب اليورانيوم وآليات التعامل مع نفوذ إيران في مضيق هرمز. ويبدو فريق ترامب قبولا مبدئيا ومشروطا بنفوذ أيراني في هرمز. وتعتبر أوساط إعلامية خليجية أن مضيق هرمز أصبح الخط الأحمر الجديد بعد أن تغيرت قواعد الإشتباك التي كانت سائدة.
ولعبة عض الأصابع التي يلجأ إيها كلا الطرفين تبدو مكلفة وخطرة. فتراجع نسبة التأييد في الشارع الأميركي للحرب الجارية تنعكس بقوة على مرشحي الحزب الجمهوري قبل أشهر معدودة على فتح صناديق الإقتراع. فالحزب الديمقراطي بات يراهن ليس فقط على الفوز بمجلسي الكونغرس بل على موجة زرقاء تسمح له لاحقا بتضييق الخناق على إدارة ترامب وربما السعي لعزله. أضف الى ذلك تصاعد الأصوات المنتقدة، خصوصا في صفوف المستقلين، حول السلوك الإعلامي الذي يعتمده ترامب والذي يشكل خروجا عن السلوك المتبع للرؤساء السابقين. فعلى سبيل المثال، حرص الفريق الذي تولى تخطيط وتنفيذ عملية إنقاذ الطيار الأميركي الذي سقط في إيران بعد إصابة طائرته، على إبعاد ترامب عن تفاصيل العملية تداركا لإمكانية تأثير تعليقاته العفوية سلبا على نجاح العملية. وخلال الأيام الماضية إضطرت دوائر البيت الأبيض في مناسبتين منفصلتين الى تصحيح مواقف متناقضة أدلى بها ترامب حول المفاوضات مع إيران. وقبل يومين تناقض الرئيس الأميركي حين قال وبشكل حاسم أنه لن يمدد قرار وقف إطلاق النار، وهو ما لم يحصل، وأن الإتفاق انتهى وأنه لم تعد هنالك نقاط خلاف وسيولد بعد ساعات معدودة، وطبعا هذا لم يحصل أيضا. وغرد عبر منصته أن الفريق المفاوض في طريقه الى إسلام أباد في حين لم يكن أحدا منهم قد غادر البلاد. فخلافا للقواعد الصارمة التي كانت متبعة في البيت الأبيض، فإن ترامب يعمد الى التواصل فورا عبر هاتفه المحمول مع الصحافيين وتأتي إجاباته سريعة وغير مدروسة بشكل كاف.
وأما على الضفة الإيرانية فالمشاكل لا تبدو أقل صعوبة، خصوصا مع بدء حالات تسريح جماعية للعمال بسبب الواقع الإقتصادي المأزوم نتيجة الحرب القائمة. فوزير العمل والضمان الاجتماعي الإيراني غلام حسين محمدي قال بأن حوالي مليوني شخص فقدوا وظائفهم بسبب الحرب. وربما قد لا يدفع ذلك بالضرورة الى حصول ردات فعل غاضبة الآن لكنه يؤسس لواقع مقلق وخطر حال طي صفحة الحرب.
ووفق ما تقدم فإن الخضوع لسياسة “عض الأصابع” واستهلاك الوقت في سياق هدنة مفتوحة وغير محددة ووفق توتر قائم ومستمر ولو بوتيرة منخفضة، سينعكس استمرارا للتوتر في الخليج ولبنان والعراق ولو وفق سقف مضبوط. صحيح أن الإنزلاق باتجاه الحرب وانهيار الهدنة هو احتمال قائم في حال حصول خطأ ميداني غير محسوب، لكن الطرفين يتجنبان الذهاب الى مرحلة جديدة من المواجهات العسكرية أقله في الوقت الراهن.
لكن لإسرائيل وبشكل أدق رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو حسابات مختلفة. ففي وقت تبدو الحكومة الإسرائيلية متمسكة بالسيطرة العسكرية النهائية على المناطق الواسعة التي احتلتها، مع سعيها لتثبيت ركائز الواقع الميداني الجديد الذي نشأ بعد قرار وقف النار السابق في تشرين 2024، يسعى لبنان الرسمي لإيجاد مسارات خروج تبدو صعبة جدا، من خلال المفاوضات الماشرة. لكن الحكومة الإسرائيلية تريد اقتناص أهدافها من التفاوض المباشر مع لبنان والتي تختلف جذريا عن مسعى الحكومة اللبنانية، وتعمل في الوقت نفسه على ضمان استمرار العمل العسكري في الجنوب ومختلف المناطق اللبنانية. ولا بد من الإقرار بأن العقيدة الأمنية الإسرائيلية والتي طرأ عليها تبدلا جذريا عقب عملية السابع من أوكتوبر 2023 تسعى لفرض معادلة جديدة تحت وطأة “هواجس” المستوطنات الشمالية، خصوصا وأن الإنتخابات ستحصل نهاية تشرين الأول المقبل.
وهنا تبدو الحسابات صعبة ومعقدة وخطيرة على الداخل اللبناني. فحزب الله أظهر أنه يريد إسقاط التوازنات داخل السلطة والتي قامت منذ مطلع 2025 من خلال إسقاط الحكومة. صحيح أن “البرفا” التي أجراها لم تؤد الى إسقاط الحكومة من خلال الشارع بعد تدخل حازم وحاسم من السعودية، لكن في المقابل لا تبدو الحكومة قوية بما فيه الكفاية لفرض إرادتها وقراراتها على حزب الله، رغم أنها ما تزال بعيدة عن الإنهيار. فقدرتها على الصمود مرهونة بمدى نجاحها في تثبيت وقف النار والحصول على الدعم الخارجي الحاسم، كما إدارة الإنقسامات الداخلية من دون الذهاب الى مواجهة مباشرة مع الحزب. رغم أن حزب الله يريد حكما إعادة عقارب الساعة الى التوازن الذي كان قائما داخل السلطة قبل انتخاب العماد جوزف عون رئيسا للجمهورية ووصول نواف سلام الى رئاسة الحكومة. أي العودة الى وزراء حزبيين يمثلونه، إضافة الى الثلث المعطل.
وفي المحصلة، فإن التوازن السلبي القائم مرشح للإستمرار، ما يؤدي الى تعايش هش ومضطرب. فلا الحزب قادر على إسقاط الحكومة لتحقيق أهدافه، ولا الحكومة قادرة على نزع سلاحه وإخضاعه لقراراتها. والأهم أن الضغوط الخارجية ستتزايد بموازاة الصراع الإقليمي المتأزم، إلا إذا حصلت مفاجأة غير محسوبة، والشرق الأوسط مشهور بمفاجآته.


