مقالات صحفية

“لبنان بين صناديق الإقتراع وطبول الحرب” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

تتأرجح أجواء المنطقة بين تكثيف التحضيرات العسكرية إيذانا بجولة حربية قريبة جدا، وبين مساع متقدمة لإنجاز تسوية جديدة عبر مفاوضات قائمة في الكواليس وبعيدا عن المتابعة الإعلامية. فانتهاء الإنتخابات النصفية الأميركية بات على بعد أيام معدودة بعد أن انتهت الإنتخابات الإسرائيلية الى نتيجة غير حاسمة، ما يسمح لحكومة بنيامين نتنياهو بالإستمرار لفترة غير محددة. وما يضاعف من عامل الغموض أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه. فهو اشتهر بأنه عصي على أي استنتاج مسبق، وهو ما يجعل كل الإحتمالات مفتوحة. لكن الأهم أن الوقت بات ضاغطا جدا لاتخاذ القرار النهائي.
نتائج الإنتخابات الإسرائيلية أدخلت إسرائيل في مفاوضات داخلية صاخبة حول إمكانية تأمين الغالبية المطلوبة لتشكيل الحكومة. لكن الأخطر من ذلك جنوح الشارع الإسرائيلي باتجاه المزيد من التطرف بسبب تصاعد المخاوف الوجودية والتي غذتها النسبة المرتفعة لإقتراع العرب والتي فاقت نسبة اقتراع اليهود. وهو عامل يلعب لمصلحة اليمين الإسرائيلي وتوجهاته الداعية للمزيد من العنف والحروب. وقد تجلى ذلك بوضوح مع التصريح المثير لنجل نتنياهو.
أما على المستوى الأميركي فالترجيحات تشير الى فوز للحزب الديمقراطي سيسمح له بالسيطرة على الكونغرس بمجلسيه النيابي والشيوخ. لكن وبخلاف الإنطباع السائد بأن خسارة الحزب الجمهوري الحاكم ستجعل ترامب مقيدا ويعيد حساباته مع إيران، فإن خبراء السياسة الأميركية يعتقدون العكس قياسا مع شخصية كالتي يتمتع بها ترامب. فهؤلاء يتوقعون أن تدفع الهزيمة بالرئيس الأميركي للجنوح أكثر باتجاه الخيار العسكري ضد إيران كونه سيشعر بالإهانة ما قد يدفعه لاتخاذ قرارات يغلب عليها التهور.
في الواقع فإن غالبية شريحة المستقلين والتي تشكل في العادة العامل الإنتخابي الحاسم، باتت تميل للإقتراع ضد الحزب الجمهوري الحاكم، لسببين أساسيين: الاول والمتعلق بسياسة التعرفة الجمركية، والثاني إرتفاع مستوى غلاء المعيشة والناتج عن إررتفاع أسعار النفط بسبب الحرب مع إيران. وكانت صحيفة وول ستريت جورنال قد كشفت منذ أيام عن إجتماع عسكري سري عقد منتصف الأسبوع الماضي في غرفة عمليات البيت الأبيض وشارك فيه رئيس أركان الجيوش الأميركية الجنرال دان كاين وقائد المنطقة الوسطى “سينتكوم” الأميرال براد كوبر، وأن الموضوع الأساسي كان ملف الحرب مع إيران. وجاء ذلك بالتزامن مع التحشيد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، إضافة الى نقل بطاريات صواريخ إضافية من نوع باتريوت. كذلك لفت إجلاء واشنطن لكافة عائلات ديبلوماسييها من المنطقة، والطلب من دول الخليج دفاعاتها لحماية أجوائها ومصالحها، وخصوصا بناها التحتية الحياتية. وهو ما أوحى بأن ترامب قد يعطي الضوء الأخضر لإسرائيل لاستهداف البنى التحتية الإيرانية.
وبات ثابتا أن ترامب يريد إنهاء الحرب مع إيران إن عسكريا أو تفاوضيا. وجاءت تغريدة السيناتور الجمهوري عن تيد كروز لتعزز المخاوف من جولة حربية جديدة ومفاجئة ومختلفة عن سابقاتها. وكتب سيناتور ولاية تكساس والأقرب لترامب على صفحته على منصة “إكس” قائلا: أمضيت يوم أمس كله مع الرئيس ترامب. إنه يريد إنهاء التهديد الذي يشكله النظام الإيراني، وقد حثثته على تسليح المحتجين الإيرانيين للإطاحة بالنظام.
لكن هذا لا يلغي الواقع بوجود توجهين أساسيين في الدائرة الأساسية المحيطة بترامب: التوجه الأول ويضم وزير الدفاع بيت هيغسيت ووزير الخارجية ماركو روبيو وكبار القادة العسكريين، ويدعو باتجاه مواصلة الضغط العسكري وصولا الى إضعاف النظام تمهيدا لإسقاطه. أما التوجه الثاني والذي يضم نائب الرئيس جيه دي فانس والمبعوثان الرئاسيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر فهو يبدو أكثر ميلا لحلول أقل كلفة من خلال سلوك خيار التفاوض. أما كبار أعضاء مجلس الشيوخ من الحزب الجمهوري فهم يحذرون من العودة الى المفاوضات من دون تحقيق نتائج ملموسة قد يمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها بدلا من معالجة التهديد الذي يمثله بقاء النظام.
وعلى الضفة الأخرى لا يقل النشهد غموضا. ففيما تتحدث التسريبات الإيرانية عن نقاط تفاهم جديدة مع واشنطن مختلفة عن تلك التي تضمنها اتفاق إسلام أباد، وجه المرشد مجتبى خامنئي في إحدى مواقفه النادرة منذ توليه مسؤولياته للرد من دون قيود جغرافية. وهو ما قصد به أن تطال الصواريخ الإيرانية أراض وبلدانا جديدة يتهمها بتسهيل التحركات العسكرية الأميركية كمثل قبرص وبلدانا في القارة الأوروبية. نائب رئيس الموساد السابق للعمليات العالمية عوديد إيلام قال لصحيفة “نيويورك بوست” أن إسرائيل قد تلجأ لتنفيذ هجوم مباغت على غرار عملية البيجر ضد حزب الله، بهدف القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية.
والتأزم القائم على مستوى المنطقة والمشوب بكثير من الغموض، إنعكس بدوره وبشكل مباشر على الواقع اللبناني. فلبنان سيتأثر مباشرة وسريعا إزاء أي تصعيد عسكري، كما أنه موجود في أي تسوية سياسية قد تحصل وهو ما أثبتته إجتماعات طهران الأخيرة. والسؤال الأبرز الذي تبادر به الأوساط الديبلوماسية المتابعة للملف اللبناني يتركز حول كيفية تعاطي الحزب مع الحماوة العسكرية القادمة، رغم أن انخراط الحزب في التصعيد المحتمل هو التوجه الذي ترجحه هذه الأوساط. ولذلك جرى توجيه تحذير أميركي رسمي الى لبنان بأن الرد الإسرائيلي سيكون أكثر تدميرا هذه المرة، وأن واشنطن لن تتدخل لدى إسرائيل لثنيها أو لوضع خطوط حمر أمام هجماتها. وتروي هذه الأوساط نقلا عن خبراء عسكريين غربيين أن إسرائيل لم تعمد حتى الآن على رفع مستوى حشود قواتها البرية، وهو ما تفسره بأنها ليست في وارد القيام بتقدم بري واسع. واستطرادا فهي جهزت قوتها الجوية لتنفيذ ضربات هائلة عبر القنابل الضخمة والثقيلة والتي قد تطال منشآت جرى تحييدها في السابق. لكن الأوساط العسكرية اللبنانية لا تجاري كثيرا التقييم الغربي. فهي تعتبر أولا أن الجيش الإسرائيلي قادر خلال ساعات معدودة على تأمين الحشود البرية المطلوبة والإنتقال باتجاه تحركات هجومية في حال قررت ذلك. وهو ما يعني بأن عدم تحشيد القوات البرية حتى الآن لا تعطي ضمانات جدية وحقيقية حول نواياها التوسعية. كذلك فإن استهداف لبنان بحملة قصف جوية تدميرية تبقى قائمة بغض النظر عن أي حادثة قد تحصل، وأن إسرائيل قد تكون تدرس التوقيت الملائم أكثر من أي أمر آخر.
ولا شك أن هذا الواقع اللبناني والذي يشكل انعكاسا مباشرا للتطورات الإقليمية سيكون مطروحا على بساط البحث خلال اللقاءات الجانبية التي سيجريها قائد الجيش العماد رودولف هيكل مع قادة جيوش المنطقة، خلال مشاركته في مؤتمر المنامة. وسيلتقي العماد هيكل أيضا بالوفد العسكري الأميركي المشارك. فخلال الأسابيع الماضية لوحظ إرتفاع منسوب الإنتقادات للبنان على خلفية اكتشاف متفجرات ضهر االيدر من العديد من الدول العربية والأوروبية. وخلال التواصل مع عواصم هذه الدول كان الجواب شبه موحد: رتبوا أوضاعكم مع واشنطن، فالتشكيك الأميركي بالموقف اللبناني هو السائد.
ومع القرار الإتهامي الصادر حول شحنة متفجرات ضهر البيدر بدا أن السلطات اللبنانية وصلت الى أقصى ما يمكن فعله. فللمرة الأولى يصدر قرار قضائي يجري فيه تسمية أشخاص من حزب الله وبشكل محدد، وهو ما لم يكن يحدث سابقا. لكن الأمور ستقف عند هذا الحد من دون الذهاب الى خطوات تنفيذية أبعد، وهو ما لا تستسيغه واشنطن. فهي ترى أن ما حصل جاء من ضمن ترتيبات جرى التفاهم حولها لاحتواء الضغوط الخارجية. وبالتالي، فإن الأمور لن تذهب باتجاه السعي لاعتقال الأشخاص المتهمين، ولا لإحالة الملف الى المجلس العدلي. لا بل فإن هذه الأوساط تقول بأنها تملك معلومات بأن حزب الله لن يتجاوب مع مطالب القضاء وبالتالي لن يسمح لأي من هذه الأسماء بالذهاب الى التحقيق. وبالتالي فإن المسار لن يتجاوز هذا الحد.
في أي حال فإن لبنان يدرك جيدا بأن الضغوط الأميركية لا يمكنها أيضا الذهاب الى الأبعد وتجاوز الخط الأحمر. فسقوط الهيكل القائم للدولة منذ حوالي السنتين سيصب في خانة مصلحة حزب الله. وكذلك تفكك الجيش اللبناني سيمنح حزب الله أوراقا ثمينة تسمح له بتوسيع نفوذه. وهيكل الدولة بات ضعيفا ما يعني أنه لم يعد قادرا على تحمل ضغوط إضافية، وواقع الجيش يشهد صعوبات متزايدة في ظل أزمة معيشية وحياتية تعصف بالمجتمع اللبناني. لكن ثمة من يقترح نقل الضغوط الأميركية عن كامل الهيكل الى مفاصل داخله، ما يسمح بالمحافظة على البناء الضعيف القائم وفي الوقت نفسه توجيه ضربات مؤلمة لبعض مفاصله.
منتصف الأسبوع الحالي ينتهي السباق الإنتخابي الأميركي ويتحرر معه دونالد ترامب من القيود الإنتخابية التي حاصرته خلال الأشهر الماضية. وهي حسابات تلائم أيضا بنيامين نتنياهو. ترامب مقتنع بأن الإرث الذي سيطبع فترته الرئاسية يتعلق بما ستؤول إليه الأزمة مع إيران، ولا شيء غير ذلك، وهنا المعضلة الأساس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى