
داخل غرفة مفاوضات تامبا العسكرية أفصحت إسرائيل للمرة الأولى عن أهدافها في جنوب الليطاني لمرحلة ما بعد انسحاب قوات الأمم المتحدة. فأعضاء الوفد العسكري الإسرائيلي وبعد إصرارهم على التواصل والتنسيق المباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي ومن دون أي مشاركة دولية أخرى بما فيها المشاركة الأميركية، قالوا بأنه لن تكون هنالك أي قوات دولية تحل مكان اليونيفل، لا أوروبية ولا عربية، وأن مهام اليونيفل ستكون فقط من صلاحية غرفة عمليات مشتركة لبنانية_إسرائيلية، وستتولى إدارة دوريات مشتركة للجيشين للقيام بالمهام المطلوبة.
كان من المفهوم أن تفشل جولة تامبا التفاوضية العسكرية، ليس فقط بسبب حماوة الحملات الإنتخابية الإسرائيلية بل أيضا بسبب الهوة الكبيرة التي تفصل بين الموقفين اللبناني والإسرائيلي. وأوروبا التي تدرك النوايا الإسرائيلية والتأييد الأميركي لها، تعمل على الدخول الى الساحة الجنوبية بالتحايل وبشكل موارب. من هنا جاء قرار إنشاء بعثة أوروبية لمساعدة المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية وبطلب لبناني رسمي، وبمهمة محددة شمال نهر الليطاني، بهدف ترسيخ موطىء قدم وانتظار الظروف للعودة الى جنوب الليطاني.
والزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو الى بيروت هدفت لاستكمال كل الخطوات المطلوبة والتمهيد لبرنامج العمل المطلوب من هذه البعثة. والمهمة الأوروبية ستتولى تدريب وحدات الجيش اللبناني في مجالات أمن الحدود البرية والبحرية إضافة الى الجوية من خلال التدريب على مكافحة المسيرات. كذلك ستتولى هذه البعثة دعم قوى الأمن الداخلي وتقديم الخبرات في مجال تثبيت الإستقرار الداخلي وتمتين النظام اليومي، بهدف تخفيف الأعباء الملقاة على عاتق الجيش على الساحة الداخلية.
وجرى تحديد مهمة البعثة الأوروبية بثلاث سنوات كمرحلة أولى، تبدأ لحظة مباشرة عملها فعليا على أرض الواقع، على أن يجري تجديد مهمتها لفترة جديدة بعد نيل موافقة الطرفين اللبناني والأوروبي. وتنقسم المهمة الى قسمين، عسكري ومدني، وفق الإتفاق المكتوب.
في المهام العسكرية تشير الوثائق الى تولي الضباط والخبراء الأوروبيون تدريب الجيش ومده بالخبرات حول تسيير الدوريات وضبط المعابر ومكافحة التهريب. وجاء ضبط الجيش لعدة محاولات تهريب الأسلحة والمتفجرات عبر الحدود اللبنانية_السورية لتعزز دور هذه البعثة والحاجة لها لاسيما من الجانب الأميركي. وتقترح باريس في هذه النقطة أن تتولى التواصل مع الجانب السوري لتأمين تنسيق بين جانبي الحدود بغية تحقيق النتائج المضمونة. كما يشمل التدريب عمليات الإستطلاع والمراقبة والإنذار المبكر واستخدام المسيرات وتحليل الصور. أما على صعيد الحدود البحرية، حيث يستخدم الشاطىء اللبناني كمنفذ لإبحار غير شرعي، فسيجري تدريب سلاح البحرية على عمليات البحث والإنقاذ البحري، إضافة الى تبادل المعلومات وضبط الأنشطة المشبوهة في البحر.
أما بالنسبة للمهام ذات الطابع المدني والتي تتولى مهامها قوى الأمن الداخلي، فستعمل البعثة على تدريبها على حفظ الأمن والنظام ومكافحة الإرهاب والتهريب، إضافة الى الإستجابة الميدانية لحالات الطوارىء ومشاريع زعزعة الإستقرار الداخلي. وسيجري دعم معهد قوى الأمن الداخلي بدروس لخبراء في هذا المجال، وتحديث البرامج التدريبية، لاسيما في مجال الجريمة الإلكترونية وطرق ووسائل التهريب. وكذلك في مجال تطوير إدارة المرافىء ولاسيما مرفأ بيروت.
ولا حاجة للتذكير بأن أوروبا التي لطالما اشتكت وعانت من الرحلات التي يجري تنظيمها عبر عصابات بهدف تهريب البشر الى الشواطىء الأوروبية، تعتبر أن حدودها وأمنها الحيوي يطال كافة الشواطىء الواقعة عند البحر الأبيض المتوسط. وبالتالي فإن تأمين حدودها البحرية يستلزم المساعدة على ضبط السواحل، ولاسيما الساحل اللبناني.
وتعمدت الدول المشاركة في البعثة على تكرار أن عملها سيكون حصرا شمال نهر الليطاني، ولكنها في الوقت نفسه لا تستبعد نقل أنشطتها الى منطقة جنوب الليطاني عندما تسمح الظروف السياسية والأمنية بذلك، شرط موافقة الحكومة اللبنانية من جهة واللجنة السياسية والأمنية في الإتحاد الأوروبي من جهة أخرى. وتتمسك باريس، خلال الإجتماعات الرسمية، على ضرورة التمييز بين الإتفاق على إرسال بعثة أوروبية لدعم الجيش وبين إرسال قوات عسكرية أوروبية الى جنوب لبنان لتحل مكان اليونيفل أو لمراقبة الحدود. فوفق المصادر الفرنسية هذان المشروعان مختلفان ولو أن هنالك تزامنا في طرحهما. رغم أن باريس تخشى من فراغ أمني بعد رحيل اليونيفل قد يؤدي الى انفجار واسع، وهي المخاطر التي تدفع باتجاهها إسرائيل ولكن لإرغام لبنان على تنسيق ثنائي ودائم تجنبا للفوضى الواسعة.
والوثيقة المكتوبة تلحظ أن هذه البعثة لا تحمل صلاحيات اليونيفل أقله خلال المرحلة الحالية، إذ ستبقى مهمتها محصورة بدعم قدرات المؤسسات اللبنانية. ولكن لم يكن واضحا ما هو المقصود تحديدا بالقول “عندما تسمح الظروف السياسية والأمنية”. وهو ما يفسره البعض بأنه يتعلق ربما بالتغيير الذي يمكن أن يطرأ على تركيبة الحكم السائدة حاليا إن في تل أبيب أو في واشنطن، أي ربما بعد رحيل بنيامين نتنياهو عن رئاسة الحكومة الإسرائيلية وأيضا مغادرة دونالد ترامب للبيت الأبيض. ذلك أن العلاقة الأوروبية وخصوصا الفرنسية شهدت تدهورا كبيرا مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات المنصرمة.
وربما لذلك جرى تحديد مدة الولاية الأولى للبعثة بثلاث سنوات تبدأ يوم تباشر فيه عملها على الأرض، وليس منذ صدور قرار إنشائها في 12 تشرين الأول الجاري.
وبالنسبة للقوة الدولية التي من المفترض أن تقوم مكان قوات الطوارىء الدولية فهي لم تتبلور بعد، وكذلك جهة التحقق والتي لحظها الإتفاق الإطار والتي يطالب بها لبنان ولكن من دون نتيجة بسبب الرفض الإسرائيلي لكيفية تشكيلها. وبات معلوما أن فرنسا تكثف من تواصلها ومشاوراتها مع إيطاليا وهي تضع لبنان بآخر المستجدات حول تشكيل قوة أوروبية تحل مكان اليونيفل. إلا أن الحماسة الإيطالية تراجعت إثر الإنطباع الذي كونه مسؤول المخابرات الإيطالية بعد زيارته لبيروت ولقائه بحزب الله. فحزب الله أبلغ بمعارضة الحزب أي انتشار أوروبي خارج نطاق وعباءة الأمم المتحدة وإذا لم يكن يحمل مهمة تطبيق القرار 1701. وهذا ما يتعارض بالكامل مع الشروط الإسرائيلية. وهو ما سيضع أفراد القوة الأوروبية أمام مخاطر أمنية عدة.
أما ما يطرح حول تشكيل جهة تحقق رقابية تتركز مهامها حول التحقق من نزع السلاح والإشراف على صحة تنفيذ المناطق التجريبية فلم تكن الأمور أقل تعقيدا، رغم الكلام حول التوصل مع إسرائيل على قبول عضوية كل من بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وأندونيسيا.
وبالعودة الى البعثة الأوروبية ومهامها شمال الليطاني فإنه وعلى الرغم من الشروع في وضع تشكيلها على سكة التنفيذ، إلا أن ثمة أسئلة كثيرة ما تزال تفتقر لإجابة واضحة كمثل في أي مواقع ونقاط سينتشر أعضاء البعثة، ومن سيحدد مهامهم، ووفق أي صلاحيات سيعملون؟ أي هل سيمنحون صلاحية مراقبة تنفيذ الترتيبات الأمنية أم سيقتصر دورهم على مساعدة الجيش والقوى الأمنية؟



