مقالات صحفية

تحت عنوان “الحقّ على مين؟” كتب فؤاد سمعان فريجي

الحقّ على مين؟
كتب فؤاد سمعان فريجي

بعيدًا عن السياسة وتشعّباتها اليومية ووجع الرأس في بلد المفاجآت، وجدتني أمام مشهد يستحقّ التوقّف عنده.

كنتُ منذ يومين في مناسبة اجتماعية، وبمحض الصدفة، كانت بالقرب من المكان مدرسة مرموقة تُصنَّف ضمن المدارس الرفيعة المستوى.

انتظرتُ لبعض الوقت حتى تصل السيارة التي ستقلّني، وإذا بي أمام ازدحام تزامن مع موعد خروج الطلاب ظهرًا.

وخلال فترة الانتظار، لفتتني الأحاديث التي كانت تدور بين الطلاب والطالبات، كما استوقفتني الألفاظ التي يستخدمونها وطريقة تعاطيهم بعضهم مع بعض. بصراحة، صُدمتُ بما سمعت، إذ كنت أتوقّع أن يدور بينهم حوار اجتماعي أو ثقافي يتناسب مع أعمارهم، التي تتراوح بين السادسة عشرة والثامنة عشرة، فإذا بالحديث يتمحور حول السجائر الإلكترونية، وتمضية الوقت على منصّة «تيك توك»، والأصوات المرتفعة، وبعض العبارات التي تنحدر إلى مستوى لغة الشارع.

والأكثر إزعاجًا أنّني فوجئت بالطريقة التي ينادي بها بعضهم بعضًا، مستخدمين ألقابًا وعبارات أخجل من ذكرها!

هنا، أعود وأسأل: على مَن يقع اللوم؟

لا أملك إجابة قاطعة، ولا أريد أن أتحوّل إلى شرطيّ يوزّع الاتهامات، أو أن أحمّل جهة واحدة مسؤولية ما يحصل. لكنّني أجد أنّ من واجبي تسليط الضوء على هذه الظاهرة من زاوية تربوية وأخلاقية، انطلاقًا من الحرص على أن تكون أجيالنا قدوة في السلوك والاحترام، وأن ترفد مجتمعنا بالقيم التي يحتاج إليها، في زمنٍ تتكاثر فيه المنصّات والبرامج على مواقع التواصل الاجتماعي، وتتحوّل بعض الممارسات المنحرفة إلى ما يشبه الموضة في عيون الناشئة، وكأنّها سلوكيات عادية ومقبولة.

إنّ المسؤولية هنا مشتركة بين الأهل والمدرسة والمجتمع. فالتربية لا تقتصر على التحصيل العلمي، ولا تُقاس بمستوى المدرسة أو قيمة الأقساط المدرسية، بل تبدأ ببناء الشخصية، وترسيخ الأخلاق، وتعليم الأبناء احترام الآخرين، وانتقاء الكلمات، وفنون الحوار والتواصل.

ومن هنا، أدعو إدارات المدارس إلى تخصيص حيّز أساسي للتوجيه الأخلاقي والتربوي، وتعزيز ثقافة الاحترام وآداب التخاطب، ليس داخل المدرسة فحسب، بل في المجتمع والشارع أيضًا، بالتعاون مع الأهل، الذين تقع عليهم مسؤولية أساسية في متابعة أبنائهم وتوجيههم، ومساعدتهم على التمييز بين الحرية في التعبير والانحدار في السلوك.

فليس الهدف أن نراقب أبناءنا ونحاسبهم على كل كلمة، بل أن نساعدهم على تكوين وعيٍ يحميهم من الانجراف وراء كل ما يُعرض عليهم، ويجعلهم يدركون أنّ الرقيّ الحقيقي لا يُقاس بالمظاهر، ولا باسم المدرسة التي ينتسبون إليها، بل بالأخلاق والثقافة واحترام الإنسان.

وفي النهاية، لا بدّ من التذكير بأنّ الأهل يبذلون جهودًا كبيرة، ويكدحون لتأمين الأقساط المدرسية والمستحقات التعليمية، على أمل أن يروا أبناءهم في المستقبل في مواقع مرموقة، علميًا واجتماعيًا ومهنيًا.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل يكفي أن نُخرّج أبناءنا متفوّقين في العلم، إذا لم ننجح في تربيتهم على الأخلاق والاحترام؟

الحقّ على مين؟

ربما لا يقع الحقّ على جهة واحدة، لكنّ المؤكّد أنّ التربية مسؤولية مشتركة، وأنّ بناء الإنسان لا يقلّ أهمية عن بناء مستقبله

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى