
من المفترض أن تبدأ غدا جولة جديدة من المفاوضات العسكرية بين لبنان وإسرائيل تحت الرعاية الأميركية. صحيح أن الوفد العسكري اللبناني ما يزال متمسكا بلاءاته الثلاث: لا صورة لا سلام لا كلام مباشر، إلا أن ما تشهده قاعة قيادة السينتكوم في تامبا يشكل جولة تفاوضية جديدة، ولو بغياب الفريق الديبلوماسي. وبات واضحا أن إسرائل لم تكن راغبة بانعقاد هذه الجولة بسبب الأجواء الإنتخابية، لكن واشنطن كانت مصرة على حصولها.
الأجواء التي استبقت هذه الجولة عكست جوا تشاؤميا حيال إمكانية الخروج بنتائج كبيرة، في ظل تمسك إسرائيل بمطالبها وفي الوقت نفسه رفضها التجاوب مع المطالب اللبنانية. ذلك أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو المحشور إنتخابيا يبحث عن أوراق رابحة يمكن أن يستثمرها في معركته الصعبة. لذلك فهو ليس في وارد القيام بأي انسحابات جدية، ولا أيضا بوقف الخروقات والقصف اليومي الذي تقوم به قواته في الجنوب. وفي المقابل لا يجد لبنان أي مصلحة له برفض الدعوة الأميركية للمشاركة في جولة جديدة كي لا يعمد نتنياهو الى استخدامه كذريعة للإندفاع أكثر في مشروعه العسكري.
وبات واضحا أن الوفد الإسرائيلي سيتمسك بطلبه بالتواصل العسكري المباشر مع الجيش اللبناني. والمقصود هنا ليس فقط التفاوض المباشر مع الوفد العسكري اللبناني بل بإنشاء قنوات تنسيق مباشرة بين الجيشين في جنوب لبنان. أي أنه يسعى لإنشاء غرفة عمليات واحدة تتولى قيادة دوريات مشتركة تحت ذريعة التحقق من النقاط التي تعتبر ملتبسة، إضافة الى إجراء كشف ميداني يومي والقيام بتفتيش المنازل والأماكن السكنية بحجة كشف مداخل الأنفاق ومستودعات الأسلحة والصواريخ. أما الوفد اللبناني فهو يتمسك برفضه لكل النقاط ويشدد على ضرورة تنفيذ إسرائيل بما كانت التزمت به في وثيقة اتفاق الإطار لناحية بدء انسحاب قواتها ووقف كامل وتام لإطلاق النار. كذلك فإن الجيش اللبناني ملتزم بتطبيق القوانين اللبنانية لناحية ضرورة الحصول على موافقة قضائية مسبقة لتفتيش أي منزل. أضف الى ذلك أن الجيش اللبناني ملتزم بما تقرره السلطات اللبنانية والتي ما تزال ترفض حصول أي تنسيق مباشر ما بين لبنان وإسرائيل.
لكن لبنان يدرك جيدا أن الأمور تبدو أكثر تعقيدا مستقبلا.
فتشكيل لجنة الرقابة الدولية ما يزال متعثرا وسط معارضة إسرائيلية وأميركية مشتركة. وهو ما يعني أن انسحاب قوات الطوارىء الدولية سيخلق فراغا خطيرا في ظل عدم وجود قوة دولية بديلة. وعدا أن ذلك سيؤدي الى تغييب أي شاهد أو رقيب دولي على ما يمكن أن تقوم به إسرائيل، هنالك أيضا أوضاع السكان وكيفية تأمين حمايتهم وحاجاتهم الملحة. وهو ما تراهن عليه إسرائيل لجعل الجيش أمام الأمر الواقع ودفعه لتأمين التنسيق المباشر الذي يدعو إليه.
ويحصل ذلك بموازاة تفاقم الأوضاع الداخلية في لبنان، وسط تبادل الرسائل المرمزة بين طهران وواشنطن عبر الساحة اللبنانية. فأزمة الTNT أظهرت أن المخاطر الداخلية أكبر مما كان يعتقده العديد من المراقبين. والرسائل الإيرانية المتلاحقة أظهرت تمسكا واضحا بمواجهة قرار فك الإرتباط بين الساحة اللبنانية وإيران، فيما الرسائل الأميركية كانت تدعو السلطة اللبنانية للتحرك وإثبات نفسها. وهو الواقع الذي كشفته حادثة إكتشاف متفجرات الTNT، والضجة التي رافقتها.
صحيح أن عمليات التهريب عبر الحدود مع سوريا عبر منطقة الهرمل شهدت هدوءا بعد “فوعة” التهريب خلال الأسابيع الماضية، إلا أن هذا الهدوء يبقى مؤقتا بسبب الظروف قبل أن تستعيد خطوط التهريب نشاطها المعهود. وبالمناسبة فإن ما لفت هو تراجع سيطرة دمشق بعض الشيء على المجموعات المتواجدة عند الجانب السوري من الحدود. أقله هذا ما أظهرته ممرات التهريب المفتوحة ولو بطرق ملتوية، ولغايات الإستفادة المالية. وفي وقت طرحت واشنطن أسئلة تشكك بمناعة الأجهزة والقوى العسكرية اللبنانية بسبب سهولة حصول عمليات نقل المتفجرات من البقاع الشمالي الى بيروت، بدا أن واشنطن تشكك أيضا بوجود خروقات قضائية ما قد يمنع الوصول الى نتائج حاسمة في التحقيقات القائمة. وهو ما يمكن استنتاجه بوضوح من تصريح السفير الأميركي ميشال عيسى.
وحتى الآن فإن المعلومات التي تملكها الأوساط الديبلوماسية بأن التحقيقات ما تزال متوقفة عند نقطة عدم معرفة الموقوفين أسماء من سلمهم المتفجرات والى من تحديدا كانوا سيعمدون لتسليمها. وأن العملية كانت تحصل وفق ما يجري تعريفه بالبريد الميت. وتاليا، فإن العقوبة وفق هذا الواقع قد تقتصر على أشهر معدودة.
وبموازاة ذلك إنفجرت أزمة أخرى على خلفية مداهمة مستودع أدوية في منطقة غاليري سمعان والذي أعقبه تحرك أمني لمجموعات حزب الله هو الأول من نوعه في الضاحية الجنوبية منذ قيام الحكومة اللبنانية الحالية. وأرفق حزب الله تحركه الأمني ببيان أكد فيه أن أي تحرك للقوى الأمنية اللبنانية باتجاه الضاحية الجنوبية يجب أن يسبقه تنسيق مع قيادة الحزب أيا يكن المكان المقصود. وهي المعادلة التي وضعها حزب الله بوجه السلطة اللبنانية.
وفي الليلة نفسها أطلق حزب الله مسيرة ضمت العشرات من الدراجات النارية، وجابت أحياء زقاق البلاط وبربور والخندق الغميق والسوديكو وبشارة الخوري وصولا الى الوسط التجاري على مقربة من السراي الحكومي، وهو ما أوحى بأن المسار الذي سلكته مرسوم بعناية ويحمل الرسائل الضمنية المطلوبة، وسط انضباط واضح وغياب الإحتكاكات.
ولم يؤدي الإنتشار الذي نفذته وحدات الجيش في اليوم التالي الى تبديد الرسائل التي حملتها مسيرة دراجات الليل. فدوريات الجيش بدت أقرب لبث أجواء التطمين المعنوي أكثر منه للإمساك بالشارع بشكل حازم، خصوصا وأنه دام لساعات معدودة، ولم يشهد أي مداهمات أو توقيفات. وجرى قراءة رسائلها بأنها استعراض قوة وضغط سياسي وأمني ورسالة حضور في قلب العاصمة، ورسالة ردع الى الخصوم، ورسالة الى الدولة والأجهزة الأمنية بأن ملاحقة أشخاص مرتبطين بالحزب لن تمر بلا رد. وقد يكون الهدف أيضا اختبار رد فعل الدولة. والأدق وصفها بأنها استعراض قوة يحمل عنصر ضغط وردع، وقد يُفهم بوصفه تحذيراً من الذهاب بعيداً في مواجهة الحزب. لكن لا يمكن الجزم بأن الهدف كان التحضير لعمل أمني أوسع، أو أن التحرك يشكل بحد ذاته مقدمة لتكرار أحداث 7 أيار 2008.
وتبدو الرسالة الموجهة إلى الدولة اللبنانية أكثر أهمية من الرسالة الموجهة إلى خصوم الحزب في الشارع، عبر القول: لا تجعلوا التحقيق والمصادرة مدخلاً إلى فرض سلطة أمنية كاملة على الحزب من دون احتساب رد فعله. وفي المقابل، فإن أي تراجع للدولة تحت ضغط الشارع قد يُفسَّر على أنه دليل على محدودية قدرتها على تطبيق القانون بالتساوي. والسؤال الذي سيحدد دلالة ما جرى هو: هل ستواصل الدولة التحقيق وملاحقة المسؤولين عن الشحنة، أم ستخفف اندفاعتها بعد هذا الاستعراض؟ هنا ينتقل الأمر من رسالة في الشارع إلى اختبار فعلي لهيبة الدولة.
في الذكرى السابعة لثورة 17 تشرين بدا أن هذا الحدث الكبير نجح بتحقيق تغيير على مستوى الوعي، ولكنه فشل في تغيير سلوك النظام المتبع. فهذا الوعي لم يترجم الى محاسبة جدية، فبقيت الخيبة لدى الأوساط الشبابية خصوصا، وبقي الفساد لا بل ارتفع منسوبه، واستمر نزيف الهجرة. في الواقع فشلت هذه الحركة الشعبية في إنتاج بديل فعلي، وبقيت الذهنية نفسها قائمة، ونجحت القوى الحزبية على إعادة إنتاج نفسها. باختصار، تلقت المنظومة ضربة في شرعيتها لكنها نجحت بالبقاء ولو بصور وأشكال مختلفة ولكن وفق السلوك نفسه.

