مقالات صحفية

“بين صخب الإنتخابات وطبول الحرب” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

هذه المصادفة الزمنية بين الإنتخابات النصفية الأميركية والإنتخابات التشريعية الإسرائيلية في عز الصراع الدائر بين واشنطن وتل أبيب من جهة وبين طهران قد تبدو إحدى أغرب المصادفات الإنتخابيات في التاريخ المعاصر. وأدى ذلك الى إختلاط التحشيد العسكري والحربي مع التجييش الذي تتطلبه الحملات الإنتخابية. أي أن الواقع إختلط مع التعبئة النفسية، ما جعل السؤال المطروح: أين الخيط الرفيع الفاصل ما بين الحقيقة والتهويل؟ والأهم، هل نحن على أبواب جولة حربية جديدة؟ قبل الإنتخابات أو بعدها؟
شكلت زيارة وزير الحرب الأميركي بيت هيغست الخاطفة و”السرية” الى إسرائيل حدثا غامضا لناحية أهدافها. لا شك بأن شكلها وظروفها عززا الإنطباع بوجود مشاورات متقدمة وسرية تطلبا حصولها. لكن هذه الزيارة شكلت في الوقت نفسه دفعا أميركيا إضافيا لصالح رفع الحظوظ الإنتخابية لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لناحية تعزيز صورته بأنه “رجل الأمن” التاريخي لإسرائيل، وحامي الدولة من التهديدات الوجودية لإسرائيل، والتي تشكل إحدى أهم ركائز العقيدة السياسية للنظام الإيراني. وكان قد سبق الزيارة تصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب يعبر فيه عن دعمه الصريح والإستثنائي لنتنياهو، في موقف نادر الحصول على مستوى أسلافه من الرؤساء الأميركيين.
الزيارة تبدو أقرب إلى تحرك أمني استراتيجي في لحظة حساسة، وليست مجرد مجاملة دبلوماسية. لكن وصفها بأنها تمهيد حاسم لضربة جديدة ضد إيران يحتاج إلى أدلة إضافية. لكن المكان لافت. فالقاعدة العسكرية حيث حصل الإجتماع تقع في جنوب إسرائيل وتستضيف قوات وطائرات أميركية، وفق التقارير المنشورة. وهذا يجعلها موقعاً عملياً للقاء يجمع بين زيارة القوات الأميركية والتشاور الأمني مع القيادة الإسرائيلية. أما ما إذا كان اختيار القاعدة مقصوداً لتوجيه رسالة عسكرية أو لإبقاء الاجتماع بعيداً عن الأضواء، فلا يمكن الجزم به من المكان وحده. ذلك أن التوقيت السياسي ليس تفصيلاً ثانوياً. فالزيارة سبقت الانتخابات الإسرائيلية بأيام، وجاءت بعد إعلان ترامب دعمه نتنياهو انتخابياً. لذلك يمكن أن تحمل الزيارة معنى مزدوجاً. فمن جهة تأكيد استمرار الشراكة الأمنية الأميركية الإسرائيلية، وإظهار أن العلاقة بين نتنياهو وترامب لا تزال وثيقة. لكنها قد تكون أيضاً مرتبطة بحاجات عسكرية فعلية لا بالانتخابات وحدها. بالتالي، من الأدق اعتبار الزيارة حدثاً أمنياً بإنعكاسات انتخابية، لا اعتبارها دليلاً على أنها صُممت أساساً لخدمة حملة نتنياهو.
وبموازاة ذلك، يكثر نتنياهو ومعه وزير دفاعه يسرائيل كاتس من التصاريح الهجومية بشكل شبه يومي، ومن خلال زيارتهما لمواقع أو قواعد عسكرية، والتي تحمل تهديدات عالية السقف لإيران والنظام القائم وحزب الله وحتى حركة حماس. وفي وقت تأخذ فيه إيران والقوى المتحالفة معها هذه المواقف على محمل الجد، فإن القوى الإسرائيلية التي تواجه نتنياهو إنتخابيا تقرأ فيها سعي لإيقاظ المخاطر الوجودية بهدف تجييش الغرائز لدى الناخبين. وبالتالي فإن التحالف المناهض لنتنياهو يرى بأن “الضجة” التي يثيرها نتنياهو وكاتس تهدف لتحسين النقاط الإنتخابية لحزب الليكود. فمن جهة هنالك إبراز للمخاطر والمخاوف الأمنية ومن جهة أخرى هنالك تباه بما جرى تحقيقه على المستوى الحربي.
ولكن على الضفة الأخرى تبدو إيران حذرة من السقوط مرة جديدة في خطأ سوء التقدير. ووفق المعلومات الموجودة لدى الأوساط الديبلوماسية الغربية المعنية، فإن نقاشا واسعا يدور داخل أروقة القرار الإيراني والذي يتركز بشكل خاص حول حقيقة نوايا ترامب، وماذا سيحدث بعد صدور نتائج الإنتخابات النصفية، وكيف ينبغي لإيران الإستعداد لكل الإحتمالات، أكثر منه التركيز على الإنتخابات الإسرائيلية. فقرار القيام بجولة حربية جديدة هو قرار أميركي وليس إسرائيلي، ولو أن الدور الإسرائيلي يبقى أساسيا في التحريض وتهيئة الظروف المطلوبة لدفع الأمور باتجاه قرار البيت الأبيض.
ووفق الأوساط الديبلوماسية نفسها فإن واشنطن تدرك بأن طهران أبلغت حزب الله بضرورة الإنضمام الى رد عسكري قوي وشامل في حال بدء جولة حربية جديدة على إيران. ذلك أن إحدى الدروس التي استخلصتها إيران من المواجهات التي سبقت، تقضي بوجوب استخدام كل الجبهات والإمكانيات دفعة واحدة.
واستطرادا ثمة توجه في أروقة القرار الإيراني بأنه من الأفضل لطهران استباق أي مباغتة أميركية وإسرائيلية عبر المبادرة بتوجيه الضربة الأولى بهدف إلحاق أكبر قدر ممكن من الأضرار والخسائر، أولا بالقوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، وثانيا بإسرائيل، وثالثا بحلفاء واشنطن من الدول العربية والخليجية.
وكان لافتا أن يركز كاتس تهديداته على نقاط ثلاث بالتزامن مع انعقاد جولة المفاوضات العسكرية اللبنانية_الإسرائيلية تحت الرعاية الأميركية في تامبا. فهو أولا حذر قائلا بأن أي استهداف للمستوطنات الشمالية سيقابل برد فوري وقوي على الضاحية الجنوبية ومتحدثا عن تهجير جماعي. وهو ثانيا هدد حزب الله بأنه إذا انضم الى الهجوم الإيراني فسوف يوسع منطقة احتلاله لتشمل النبطية ونهر الليطاني. وهو ثالثا وأخيرا كرر بأن الجيش الإسرائيلي لن يغادر أي منطقة احتلها إلا بعد أن يتم نزع سلاح حزب الله.
وترافقت تهديدات كاتس مع تحذيرات بالجملة وصلت الى بيروت، بعضها عربي وبعضها الآخر أميركي، ومفادها أن أي مساندة جديدة من لبنان لأي تطور عسكري في المنطقة ستواجهه إسرائيل بضربات مدمرة ولن تتدخل واشنطن لوضع خطوط حمر أمام إسرائيل. والمقصود هنا بأنه في حال لم تنجح جولة التفاوض العسكري الحالية في تامبا، وبالتالي بقي السلوكين الرسمي والعسكري اللبناني على ما هو عليه، فإن إسرائيل قد تستهدف هذه المرة نقاطا كانت تدخل ضمن الدائرة الحمراء الأميركية، أي أهدافا تطال مرافق حيوية للدولة اللبنانية وربما نقاطا عسكرية أيضا.
وتبدي أوساط ديبلوماسية أوروبية قلقها من خطورة الأوضاع أكان على مستوى المنطقة ككل أو على المستوى اللبناني. وتضيف بأن التجهيز العسكري لإسرائيل بات مكتملا، وأن مخازن الذخيرة باتت ممتلئة، وهو ما يوحي بالقدرة والجهوزية على التحرك بعد نيل الضوء الأخضر من البيت الأبيض.
ووفق ما تقدم تبدو الصورة متداخلة بشكل كبير ما بين القرار الحقيقي وحملات التجييش، وهو ما يصعب فصل الخيوط بعضها عن بعض لإجراء قراءة دقيقة، ولو أن الواقع يفرض الإقرار بأن مستوى الخطورة أصبح مرتفعا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى