
ستبقى إسرائيل تعيش هول السقوط الذي عانته إثر عملية “طوفان الأقصى” لأجيال عدة. هو السقوط الذي زرع الشك في نفوس مواطنيها بأنهم يعيشون في قلعة محصنة عصية على الإختراق. ولكن ما حصل كشف هشاشة هذا الوهم، وأظهر أن نقاط ضعف هذا الكيان أكبر من ترسانة الأسلحة المدجج بها. وستظل ذكرى السابع من أوكتوبر 2023 تهيمن على السياسة الإسرائيلية بغض النظر عن الحكومة التي ستتشكل مستقبلا. كما أن الصدمة النفسية التي يعاني منها الشارع الإسرائيلي سيستمر طويلا ليتعزز الشعور بانعدام الثقة بالمستقبل.
لكن القيادة الإسرائيلية تسعى لاستغلال هذا الواقع عبر التركيز دعائيا على المخاوف الإسرائيلية بغية ترجمتها الى مكاسب جغرافية نهائية، وذلك عبر تثبيت واقع جغرافي وديمغرافي جديدين بذريعة حماية “الوجود المهدد”. ووفق هذه الذريعة إنطلقت حكومة بنيامين نتنياهو في مشروعها القاضي بتهجير سكان غزة. طبعا هي لا تعلن ذلك بشكل رسمي، ولكنها تتحايل في مسعاها لتحقيق هدفها، عبر إنشاء الخطوط وتحديد المناطق ومنع أدنى مقومات العيش، وجعل الحياة شبه مستحيلة. كذلك في سوريا فهي تعمل للسيطرة على المنطقة الجنوبية بغية تحويلها لمحمية إسرائيلية، وبانتظار إكتمال ظروف تفكيك أوصال الدولة السورية.
ولا يشذ جنوب لبنان عن القاعدة العامة التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية. فكل المؤشرات تؤكد سعي إسرائيل لاستكمال مشروعها العسكري في جنوب لبنان والقاضي بتفكيك كامل البنية العسكرية القتالية لحزب الله وصولا الى إقليم التفاح وجبل الريحان، تمهيدا لوصل جنوب لبنان بجنوب سوريا أمنيا وعسكريا. ولا شك أن المفاوضات العسكرية التي سيشارك فيها لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في تامبا بدءا من عشرين الشهر الحالي، ستناقش الخطوات العسكرية المتعلقة بكيفية إنهاء كامل البنية العسكرية لحزب الله خصوصا في الجنوب اللبناني.
وكتب المبعوث الخاص السابق الى الشرق الأوسط والسفير الأميركي السابق دينيس روس (وهو في المناسبة ديمقراطي الهوى) قائلا بأن الحكومة اللبنانية “تدلي بتصريحات علنية سليمة، ومع ذلك نريد أن نرى منها التزاما فعليا لتعهداتها المكتوبة حول نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية، ومنع الجماعات المدعومة من إيران من إعادة ترسيخ وجودها في المناطق التي دمر فيها الجيش الإسرائيلي أسلحتها وبنيتها التحتية العسكرية”.
في الواقع تعمل إسرائيل على ترسيخ واقع آخر في جنوب لبنان بذريعة دروس السابع من أوكتوبر. وهي لذلك تقول بأنه لا بد لها من الإنتقال من عقيدة “الرد بعد الهجوم” الى عقيدة مختلفة عنوانها “منع قدرة أي هجوم قبل بدئه”. تقول إسرائيل أن «قوة الرضوان» كانت تملك خططاً لاقتحام الجليل، ولذلك أصبحت الأولوية إنشاء مساحة تمنع حزب الله من الوصول إلى نقطة الانطلاق للهجوم. تحقيقات وتقارير إسرائيلية حديثة تصف تغييراً كبيراً في انتشار الجيش على الحدود الشمالية، مع مضاعفة القوات وإنشاء مواقع أمامية داخل لبنان. ووفق هذه الذريعة، والتي تلقى آذانا صاغية في العاصمة الأميركية، تعمل إسرائيل على خلق واقع جنوبي مختلف تماما عن الذي كان قائما في السابق. فإسرائيل تريد أن تكون المواجهة قبل الحدود الإسرائيلية، وليس داخل المستوطنات الإسرائيلية، عبر إزالة البنية التحتية بدلاً من الاكتفاء بمراقبتها.
والنقطة الأكثر حساسية هي تذرع إسرائيل بأن وجود السكان يجعل اكتشاف عناصر حزب الله أصعب، ولذلك أدى إخلاء مناطق واسعة إلى جعل الحركة العسكرية الإسرائيلية أسهل. تقرير “تايمز أوف إسرائيل” يذكر صراحة أن غياب المدنيين في أجزاء من المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية يجعل اكتشاف عناصر حزب الله أسهل من وجهة النظر الإسرائيلية. لذلك فإن هدم المنازل والمنشآت القريبة من الحدود ليس مجرد عمل تدميري. في المنطق الإسرائيلي هو محاولة لمنع إعادة إنتاج نموذج «بلدة حدودية تتحول فجأة إلى منصة هجوم».
كما أن إسرائيل تعتبر، وفق ما تنقله أوساط ديبلوماسية أميركية في جلساتها المغلقة، بأن الخطأ السابق كان بقبول ترتيبات تسمح بإعادة بناء القوة تدريجياً ثم اكتشافها لاحقاً. لذلك تصر على أن تكون هناك آلية تحقق ومراقبة وإزالة فعلية للبنية العسكرية، وليس مجرد تعهد سياسي. وفي المقابل، ينص إطار «المناطق التجريبية» الذي تدعمه واشنطن على أن يتولى الجيش اللبناني إزالة أسلحة وبنية حزب الله والتحقق من ذلك وتأمين المناطق لمنع إعادة استخدامها. وبذلك تعمل إسرائيل على نقل خطوطها العسكرية الى عمق الجنوب.
ومن هذه الزاوية تعمل إسرائيل وفق منطق يتجاوز إنشاء خطوط قتالية مخصصة لمنع التسلل، بل الى السيطرة على التضاريس التي تشكل تحصينات طبيعية. وهنا تصبح مرتفعات “علي الطاهر” ومحيطها ذات قيمة عسكرية عالية أكثر منه موقعا قتاليا جرى انتزاعه من حزب الله. ومن هنا أيضا أهمية الوصول الى التلال الممتدة حتى جبل الريحان. وهو ما يدفع للإعتقاد بأن السياسة الإسرائيلية أقرب الى مفهوم إعادة هندسة منطقة جنوب لبنان، أكثر منه جولة قتال تشبه سابقاتها.
لكن هناك مفارقة مهمة. فإسرائيل تحاول في الوقت نفسه أن تجعل الجيش اللبناني هو القوة التي تتولى الأمن في المناطق التجريبية ، بينما تحتفظ هي لنفسها بحق التدخل إذا إرتأت أن تهديداً يتشكل. وهذا هو جوهر الصراع الحقيقي في المفاوضات الجارية، إن الديبلوماسية أو العسكرية. وبالتالي، هل تكون النتيجة منطقة أمنية إسرائيلية دائمة داخل لبنان، أم منطقة لبنانية خالية من السلاح غير الشرعي تديرها الدولة اللبنانية مع انسحاب إسرائيلي؟ هنا يقع الفارق الجوهري والذي تعاني منه المفاوضات. فإسرائيل، وفق الوقائع الميدانية الحالية، تحاول أن توحي بأنها تريد أن تضمن أن الخيار الثاني لا يعيد إنتاج الظروف التي سبقت عملية السابع من أكتوبر. ولذلك هي تريد ضمانات ميدانية قبل الانسحاب، وليس مجرد نص سياسي.
الانتخابات الإسرائيلية مقررة في 27 تشرين الأول، أما المفاوضات العسكرية في تامبا فهي في 20 تشرين الأول. أي قبلها بأسبوع فقط. وهذا ما يجعل الفترة الممتدة بين 20 و27 تشرين الأول حساسة جداً.
لكن المفارقة هي أن عدم وضوح الانتخابات قد يدفع إلى تجميد عملية كبيرة أكثر مما يدفع إليها.
لأن عملية واسعة باتجاه الريحان ستكون قراراً ذا كلفة استراتيجية وسياسية كبيرة، ومن الصعب فصلها عن سؤال: أي نتائج ستخرج من الإنتخابات الإسرائيلية؟
لذلك هنالك من يتوقع حصول ضغط عسكري إسرائيلي قبل الانتخابات من دون الذهاب الى عملية عسكرية واسعة، وفق سيناريو الغارات المكثفة، وتدمير بنى، وتوغلات محدودة، والسعي للسيطرة على نقاط مرتفعة أو مناطق تماس، وربما اختبار محاور باتجاه الريحان، من دون الذهاب إلى عملية برية واسعة. وهو ما يمنح نتنياهو “بريقا” إنتخابيا، من دون المخاطرة بسقوط إصابات في صفوف جنوده، وهو ما قد يرتد عليه سلبا. وهذا أيضا ينسجم مع استمرار العمليات، وفي الوقت نفسه إبقاء باب تامبا مفتوحاً.
في هذا الوقت لا يمكن إغفال إشارتين مهمتين ظهرتا فجأة على الساحة اللبنانية:
الأولى، وتتعلق باكتشاف الجيش اللبناني لشحنة أسلحة كان يجري العمل على تهريبها الى داخل الأراضي اللبنانية. وهذه الشحنة تضم 245 كلغ متفجرات من نوع TNT مع 4 عبوات ناسفة جاهزة و8 صواعق إضافة الى أسلاك كهربائية مخصصة للتفجير. باختصار، فإن ما جرى اكتشافه هو بمثابة شحنة متفجرات متكاملة نسبيا. وفي وقت لاذ فيه فريق المهربين من الجهة السورية بالفرار لدى وصول دورية الجيش اللبناني، فإن أي عناصر لم تظهر عند الجانب اللبناني والتي كان من المفترض أن تتسلم هذه الشحنة. وهنا يطرح السؤال: من كان يسعى لإدخال هذه المواد والتي تستخدم لأغراض إرهابية أكثر منه عسكرية؟ وهل هنالك من يريد السعي لهز الإستقرار الداخلي الهش. مع الإشارة هنا الى التعاون الكامل لدى دمشق لا بل إهتمام المسؤولين السوريين لاكتشاف هوية المهربين والمسالك التي اعتمدوها.
والإشارة الثانية كانت في الإعلان عن اجتماع حصل بين مسؤولين سوريين وآخرين من قبل قيادة حزب الله في تركيا. وفي وقت سارعت فيه أنقرة كما دمشق على إصدار نفي رسمي لحصول هكذا إجتماع، فإن مصادر مطلعة نفت بدورها حصول ذلك، خصوصا وأن الظروف الإقليمية المشتعلة لاسيما في اليمن لا تسمح بحصول لقاءات من هذا النوع. فكيف للسلطات السورية الحليفة للسعودية الإجتماع مع قيادة حزب الله والمعروف بعلاقاته التحالفية مع الحوثيين، في وقت يجري فيه استهداف الأراضي السعودية؟ كذلك كيف يمكن لتركيا رعاية اجتماع من هذا النوع وهي التي تشكل عامودا أساسيا في “حلف مكة”؟ وهنا يطرح السؤال الأهم: ما هو الهدف من ترويج خبر كهذا؟
واستطرادا، هل هنالك من يسعى لتحضير الساحة اللبنانية الداخلية لأحداث تواكب تطورات عسكرية متوقعة جنوبا؟
لا شك بأن الخيارات متنوعة ومتعددة وباب المخاطر مفتوح أيضا.

