مقالات صحفية

“الأزمة المعيشية: سلاح جديد يدخل المعركة” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في آن معا الشيء ونقيضه. يقول أنه بصدد اتخاذ قرار كبير بشأن إيران قريبا جدا وهو يوحي بذلك بأنه على مشارف استئناف العمليات العسكرية قريبا جدا، ثم يقول بأنه لا يمانع من لقاء الرئيس الإيراني في نيويورك على هامش أعمال الأمم المتحدة. يلوح بالعصا بيد ويرفع غصن الزيتون بيده الأخرى. ولكن بين هذين الموقفين المتناقضين هنالك قاسم مشترك بأن الهامش الزمني بات ضيقا جدا، وأن الوقت لم يعد مفتوحا، لا بل أنه آخذ بالنفاذ بسرعة، وثمة وجهة لا بد من تحديد مسارها بسرعة.
في الولايات المتحدة بدأت عملية الإقتراع للإنتخابات النصفية في بعض الولايات والتي تسمح قوانينها الإنتخابية بالتصويت المبكر. لكن عملية الإقتراع تبدأ وسط أزمة نفطية تعصف بالعالم وبالداخل الأميركي، ما يرفع بسرعة من مستويات الغلاء، وهو ما يؤثر فورا على مزاج الناخب الأميركي، وخصوصا على توجهات الشريحة المستقلة والتي تحدد عادة كفة الحزب الفائز. وحتى داخل الحزب الجمهوري ظهرت أصوات أبدت إعتراضها على بعض مرشحي الحزب بسبب خطابها الإنتخابي، لدرجة أن هؤلاء المعترضين لا يجدون مانعا في تأييد الخصم الديمقراطي. وهذا الواقع ينذر بموجة زرقاء ستؤدي الى إغراق النصف الأخير من ولاية ترامب بمشاكل داخلية جمة.
وكان لافتا أن شخصا مثل كارل روف والمؤثر في أوساط الجمهوريين كونه يعتبر أحد أبرز المخططين الإستراتيجيين للحزب، أعرب بصراحة عن نيته الإقتراع لصالح مرشح الحزب الديمقراطي لمنصب محلي في ولاية تكساس، وذلك عبر مقالة نشرها في صحيفة “وول ستريت جورنال” والتي تحمل توجهات محافظة، متهما فيها بعض الجمهوريين بالعنصرية. كذلك فإن مرشحة الحزب الجمهوري لمجلس الشيوخ في ولاية أيوا، تعمدت إظهار مقاطعتها لمهرجان إنتخابي جرى تنظيمه لصالحها، والسبب مشاركة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس فيه وإلقائه كلمة بالمناسبة، وهو ما أوحى وكأن حضور إدارة ترامب في أنشطة الحملة بات يشكل عبئا بعد أن كان رافعة لأشهر خلت. وفي حادثة أخرى تظهر مدى احتقان المواجهة والواقع الإنتخابي الصعب، ظهر صدام مباشر بين ترامب وثلاث وسائل إعلامية أميركية كبرى، وعلى رأسها شبكة CNN، من دخول البيت الأبيض.
كل ذلك يوحي بمدى حال الضيق الإنتخابي التي يمر بها الحزب الجمهوري الحاكم، وسط واقع إقتصادي مترد والذي يزيد من سوئه الإرتفاع المثير لأسعار الطاقة بسبب المواجهة الأميركية_الإيرانية وأزمة مضيق هرمز ومخاوف إغلاق باب المندب.
وفي آخر تقديرات القيادة المركزية والذي رفعته الى أعضاء الكونغرس، بلغت تكلفة الحرب على إيران حتى الثالث من أيلول حوالي 43,6 مليار دولار. وفي وقت سابق كان تقرير صادر عن مكتب الميزانية في الكونغرس قد أشار الى أن تكلفة الحرب حتى الأول من شهر آب قد بلغت حوالي 38 مليار دولار. أي أن الزيادة حصلت بمعدل ثلاث مليارات دولار شهريا. وعزا التقرير الأسباب لكميات الذخائر الكبيرة والتي هي أساسا باهظة الثمن. أضف الى ذلك تداعيات إرتفاع أسعار النفط وأسواق الأسهم، فضلا عن التلاعب بأعداد القتلى والإصابات في صفوف الجنود في الجيش الأميركي. ووجد أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ في ذلك فرصة للمطالبة بتقديم كشف كامل بتكاليف الحرب وتوجيه انتقادات علنية وحادة تجاه سياسة حجب المعلومات التي تتبعها وزارة الحرب.
لكن الأوضاع ليست أفضل عند الجانب الإيراني. فالتقييمات الأميركية من قبل الجهات المعنية والتي جرى توثيقها في شهر نيسان الماضي أشارت الى أن جميع المصانع العسكرية المعروفة والموجودة فوق سطح الحرب والمخصصة لإنتاج المسيرات الهجومية الأحادية الإتجاه ومكوناتها الرئيسية تعرضت للقصف، وتضرر حوالي 80% من المنشآت التي تنتج الصواريخ ومحركات الصواريخ العاملة على الوقود الصلب. لكن إيران تقول بأن منشآت الإنتاج الموجودة تحت الأرض لا تزال تعمل بشكل طبيعي. ولكن ثمة أزمة إقتصادية حادة تعصف بالداخل الإيراني جراء رفع مستوى العقوبات الى درجة عالية، إضافة الى تشديد الحصار البحري وهو ما أدى الى نقص على مستوى المحروقات. لكن هذا الواقع المأزوم لم يمنع واشنطن من تسريع إنتاج الصواريخ الإعتراضية، وكذلك تأمين المتطلبات العسكرية للقوات الأميركية في الشرق الأوسط إستعدادا لجولة قصف جديدة ستكون أعنف في حال تجددت هذه المرة. أما إيران فتعمل على مضاعفة جهودها في مجال إنتاج الصواريخ والمسيرات بكلفة رخيصة.
لذلك وعلى الرغم من التهديدات المتبادلة، إلا أن الحسابات المنطقية تجعل الإنتقال الى تسوية مؤقتة الأكثر ترجيحا، وسط واقع الإستنزاف والضغط الإقتصادي والديبلوماسي. لكن من دون وضع خيار العودة الى الحرب جانبا. لا بل أن احتمالات التسوية المؤقتة أو العودة الى الحرب تبدو متقاربة.
هناك عاملان متناقضان يعملان في الوقت نفسه. أولاً: الضغط على إيران أصبح شديداً جداً. العقوبات والحصار على صادرات النفط والوصول إلى الدولار أضعفا الاقتصاد، وذكرت مصادر أن متوسط الأجر الشهري أصبح يغطي أقل من ثلث تكاليف الأسرة الأساسية. كما سجل الريال والتضخم مستويات شديدة السوء. وهذا مهم جداً لأن المشكلة بالنسبة لطهران لم تعد عسكرية فقط، فلقد أصبحت مشكلة قدرة النظام على تحمل حربا طويلة اجتماعياً واقتصادياً.
ثانياً: لكن في المقابل إيران لم تصل إلى نقطة الاستسلام.
فلقد أعلنت طهران في 19 أيلول أنها نقلت عبر قطر شروطاً للعودة إلى التفاوض، بينها إنهاء الحرب على الجبهات المختلفة، الإفراج عن الأموال المجمدة وإنهاء الحصار البحري، وفي الوقت نفسه أكدت استعدادها للحرب.وهذا مؤشر مهم. فمجرد انتقال طهران إلى تقديم شروط للعودة إلى التفاوض يعني أن باب التفاوض لم يُغلق.
أما العامل الأميركي أكثر أهمية مما يبدو. فهنا تدخل حسابات الانتخابات النصفية الأميركية. فالحرب أصبحت ذات كلفة سياسية واقتصادية داخلية على الإدارة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار البنزين وكلفة المعيشة. رويترز أشارت إلى أن الحرب تضغط على شعبية ترامب وترفع أسعار الوقود، فيما أصبحت المسألة عاملاً حساساً بالنسبة للجمهوريين في انتخابات تشرين الثاني. واللافت أن ترامب نفسه قال في 16 أيلول إنه يأمل أن تكون الحرب قريبة من نهايتها. وفي الوقت نفسه، نقلت تقارير أخرى عنه أنه يتوقع انتهاء الحرب مباشرة أو قريباً من الانتخابات النصفية. لذلك فإن الانتخابات لا تدفع بالضرورة نحو الحرب. قد تدفع باتجاه محاولة إنتاج “نهاية قابلة للبيع سياسياً” للحرب.
وهنا يصبح من المنطقي طرح السؤال التالي: هل نضج المناخ القادر على إنتاج تسوية ترتكز على المفهوم التالي، إيران لا تستسلم، وأميركا لا تتنازل، وهي المعادلة التي تسمح لكل طرف بالقول إنه حقق أهدافه؟
في ظل هذا الواقع الإقليمي والمعقد والخطر يرتفع منسوب التوتر اللبناني الداخلي. فهو يدخل مرحلة حساسة جداً لأن مسار الحرب الإقليمية أصبح مرتبطاً مباشرةً بالصراع الداخلي على شكل الدولة والسلاح والجنوب. المفارقة الأساسية هي أن انفراجاً أميركياً ـ إيرانياً قد يكون أخطر سياسياً على لبنان في المدى القصير من استمرار الحرب بخلاف ما يعتقد البعض، لأن التسوية الإقليمية ستفتح الباب أمام إعادة ترتيب لبنان، بينما استمرار الحرب يبقي الأولوية أمنية وعسكرية. فإذا اتجهت واشنطن وطهران إلى تسوية فهي ستعني، على الأرجح، انتقال واشنطن من منطق “احتواء إيران عسكرياً” إلى منطق “إعادة ترتيب النفوذ الإيراني في المنطقة”. وفي لبنان توجد بالفعل آلية تفاوض أميركية ـ لبنانية ـ إسرائيلية، واتفاق إطار يربط انسحاب إسرائيل تدريجياً بانتشار الجيش ونزع سلاح حزب الله؛ لكن التنفيذ ما زال متعثراً. وهنا سيصبح السؤال: إذا حصل تفاهم أميركي ـ إيراني، ماذا سيبقى من وظيفة للسلاح خارج الدولة؟ وهو ما قد يرفع حدة الصراع الداخلي بدلاً من تخفيفها، لأن القوى اللبنانية ستشعر أن نافذة إعادة تعريف موازين القوى قد فتحت.
وبتعريف مختصر فإن الدولة اللبنانية تريد تثبيت حصرية القرار العسكري. أما حزب الله فيريد الحفاظ على قدرة ردع وشروط سياسية معينة. فيما الولايات المتحدة وإسرائيل تربطان مستقبل الجنوب عملياً بتغيير وضع السلاح وانتشار الجيش. لكن الأخطر أن هذا الصراع سيشتد في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية هائلة. فصندوق النقد قال الأسبوع الماضي أن النشاط الاقتصادي اللبناني متوقع أن ينكمش بشكل كبير في 2026، مع تضخم من رقمين وأضرار واسعة في البنية التحتية والمساكن ونزوح داخلي كبير. لذلك فإن أي صدام سياسي سيتحول بسرعة إلى صدام اجتماعي وطائفي محتمل. وهذا ليس افتراضاً نظرياً بالكامل، فوكالة رويترز أوردت ارتفاعاً في التوترات والانقسامات الداخلية ومخاوف من عودة مناخ يشبه مراحل الحرب الأهلية السابقة. وهنا باب الخطورة وسط ارتفاع مستويات النقمة عند الأوساط الشعبية وبدء حصول تحركات شعبية في الشارع ولو أنها ما تزال خجولة ومحدودة جدا.
أما إذا فشلت التسوية الإيرانية_الأميركية، فسيكون الجنوب هو المكان الذي يمكن أن ينفجر فيه الإحتقان الإقليمي. وقد تكون تلة “علي الطاهر” مثال شديد الوضوح. فإيران كانت قد وجهت تحذيراً عبر سلطنة عُمان من أن هجوماً إسرائيلياً واسعاً عليها سيؤدي إلى رد كبير. لكن إسرائيل استمرت في الضغط العسكري حول الموقع، وصولا الى إسقاطه. لذلك، فإن ما يجري حول علي الطاهر لم يكن مجرد معركة على تلة، بل اختبار حول من يقرر الأمن في الجنوب؟ الدولة اللبنانية؟ حزب الله؟ إسرائيل؟ أم التفاهم الأميركي ـ الإقليمي؟ في الواقع فإن الترتيب الذي جرى بين إيران وإسرائيل عبر قطر أظهر أن الدولة اللبنانية كانت الطرف الأضعف، كي لا نقول الغائب، عن ترتيب الوضع في الجنوب، وهو ما يوحي بأن حزب الله الذي يخاصم السلطة، يسعى لتسوية سياسية جديدة تطيح بالمعادلة القائمة الآن.
وفي رد على السؤال حول عدم تسليم تلة “علي الطاهر” للجيش اللبناني بدل الجيش الإسرائيلي، يظهر الجواب الذي يحمل “قطب مخفية” عدة: إذا سلمنا التلة التي تقع شمال الليطاني الى الجيش اللبناني فهذا سيعني خطوة أولى وإقرارا بجواز تسليم جميع المواقع الأخرى شمال الليطاني، وهذا غير وارد. وفي هذا الكلام تعبير صريح وواضح بأن تسليم السلاح للدولة اللبنانية مجرد سراب.
ووفق هذا السياق تضغط واشنطن على السلطة اللبنانية لدفع الجيش اللبناني لتطبيق قرار “حصر السلاح”. فالأوساط الأميركية باتت مقتنعة بأن ما يحول دون تحرك الجيش ليس موضوع التجهيز، بل عدم وجود إرادة ذاتية في هذا الإتجاه. وهنا تطرح هذه الأوساط معادلة جديدة مفادها بأن القرار اللبناني يضع الأولوية للإستقرار الأمني على حساب بسط السيادة، وهو ما سيؤدي لاحقا وفي فترة غير بعيدة لخسارة الإثنين معا. أما ما ننصح به فهو الذهاب لفرض السيادة ولو أدى ذلك لبعض التشنجات كون ذلك سيصب في النتيجة لمصلحة الدولة.
ووسط اشتداد الكباش السياسي الداخلي، وهو ما ظهر بصورة حادة خلال جلسات مناقشة الموازنة، يؤشر تفاقم الأزمة المعيشية الى تداخل الإقتصاد بالسياسة وبالإحتقان الإقليمي، وهو مزيج خطر كان لبنان قد اختبر نتائجه مرات عدة في السابق.
لعبة “عض الأصابع” بين واشنطن وطهران تشتد أكثر فأكثر. فكل طرف يختبر قدرة الطرف الآخر على تحمل الألم قبل أن يصرخ. وكلما طال عض الأصابع بينهما، زاد الضغط على حزب الله لجعل هامش الحركة الإيراني أكثر كلفة. وكلما شعرت إيران أنها قادرة على إيلام واشنطن بات موقف حزب الله أكثر تشددا تجاه السلطة اللبنانية، وهو ما تجلى بعدم تسليم “علي الطاهر” للسلطة اللبنانية. وفي هذا الوقت تعمل إسرائيل على خلق وقائع جنوبية وتثبيتها قبل ظهور أي تطور يمكن أن يطرأ بين واشنطن وطهران. ومن هنا السؤال: من سيقرر توقيت الإنتقال من “عض الأصابع” الى التسوية، ومتى؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى