
من “علي الطاهر” وصولا الى إتفاق إيران مع سلطنة عمان حول مضيق هرمز وما بينهما من تطورات عسكرية عند الساحل اليمني الغربي المطل على باب المندب، ثمة تزامن مريب والعديد من القطب المخفية، والتي على الأرجح ستبقى مخفية أقله في المرحلة الراهنة. قد نكون أمام عملية مقايضة وإعادة ترتيب لممرات النفوذ والأمن. ضغط إسرائيلي في جنوب لبنان، وإعادة ترتيب للممرات البحرية، وفي موازاة ذلك السعي لإيجاد قناة تفاهم مع إيران، قد يكون تداركا لإنفجار إقليمي شامل. هي مقايضة أكثر منها صفقة شاملة.
ما يزال الغموض يكتنف تفاصيل ما جرى في تلة “علي الطاهر” الإستراتيجية. والأهم ذلك الصمت المريب الذي ما يزال يخيم على أطراف القتال. وما كاد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يعلن السيطرة العملياتية على تلك التلة، حتى انطلقت مجموعات الحوثي المدعومة من إيران باتجاه الساحل الغربي المطل على باب المندب، حيث نجحوا بالسيطرة على مواقع وجزر وميناء المخا، ما جعلهم أقرب الى التحكم الفعلي بمدخل هذا المضيق البحري الفائق الأهمية. وما زاد من غموض الوضع تلك التقارير التي انتشرت، وأشارت الى رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب طلبا سعوديا بالمساعدة على ردع المهاجمين من خلال تدخل الطيران الأميركي. واكتفت واشنطن بالمساعدة الاستخبارية وتزويد الرياض بالمعلومات وتحديد الأهداف. وفي وقت كان يعيش فيه الخليج “صدمة” تحكم إيران بباب المندب، أعلنت طهران عن توصلها لاتفاق مع سلطنة عمان حول ممر بحري آمن في مضيق هرمز، وأن هذا الإتفاق سيجري طرحه خلال الإجتماع الذي سيعقد اليوم بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي والعراق في صلالة.
خلال الأشهر الماضية وحين كانت الحرب تعصف بالخليج ومضيق هرمز يئن تحت وطأة إغلاقه، كانت السعودية تمتلك ميزة مهمة جدا تتعلق بخط الأنابيب الذي يربط الشرق بالغرب، وبالتالي تصدير النفط عبر موانىء بديلة عن تلك الموجودة عند مضيق هرمز، والمقصود هنا ساحل البحر الأحمر. وجاءت الرسالة الأهم إثر سيطرة الحوثيين على المنطقة المطلة على مضيق هرمز، باستهداف خط تصدير النفط الى البحر الأحمر عبر مسيرات قيل أن الفصائل العراقية الموالية لإيران تقف وراءها. وهذا الخط كان ينقل حوالي أربعة ملايين برميل يوميا، وفق التقارير. والرسالة الإيرانية جاءت لتقول أن طهران ستطبق حصارا نفطيا على المملكة. فقدرة السعودية على تصدير نفطها بعد استهداف خط الأنابيب والإمساك بمضيق هرمز أصبح أكثر صعوبة.
لكن هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال إنهيار الإقتصاد السعودي. فللمملكة إحتياطات وقدرات مالية وبنية تحتية ضخمة.
لكن السؤال هو: لماذا لم تسارع واشنطن لإنقاذ الوضع في اليمن؟ فإيران تضغط من الشرق، والحوثي من الجنوب، وترامب يكتفي بالمساعدة الاستخبارية. والأهم أن طريقة إعلان طهران عن إجتماع اليوم في سلطنة عمان وعن الإتفاق حول هرمز تظهر وكأنها لا تبدو في موقع تقديم تنازلات. واللافت أن توقيت كل هذه الأحداث يتزامن مع سعي إسرائيل لتثبيت واقع جديد في جنوب لبنان بعد السيطرة على “علي الطاهر” والسعي لتعميق المنطقة العازلة.
لكن المشهد لا يوحي وكأننا دخلنا مرحلة تهدئة متفق عليها، بل الأكثر ترجيحا أننا وسط عملية تفاوض غير مكتملة تجري بالتوازي مع عمليات عسكرية هدفها رسم أوراق القوة قبل الوصول الى تفاهم أكبر والذي من الممكن أن يفشل لاحقا. “علي الطاهر” هي الورقة اللبنانية في مرحلة جمع الأوراق، فيما هرمز وباب المندب هما الورقتان البحريتان.
ومن المنطقي الإستنتاج أن إيران تريد الإحتفاظ بأوراق خارج حدودها، ووفق الوظيفة التالية: الحوثي في باب المندب والبحر الأحمر، الفصائل العراقية للضغط على دول الخليج، وحزب الله الورقة الأقرب الى إسرائيل وساحل شرق المتوسط. وهو ما يعني أن واشنطن وإسرائيل قد تنظران الى لبنان أكثر باعتباره الموقع المتبقي الذي يجب حسم وضع السلاح فيه وبشكل كامل ونهائي. أما في اليمن، فأغلب الظن أن تتولى السعودية عملية إبعاد الحوثيين عن باب المندب من خلال تصعيد جوي وبحري متدرج، ولكن من دون التورط في غزو بري واسع. على أن يدث ذلك بعد إعادة ترتيب كامل المشهد مع واشنطن.
في جنوب لبنان لا تتردد إسرائيل عن إرسال الإشارات المتلاحقة بأنها مستمرة في مشروعها الواسع. فإسرائيل لا تتعامل مع الأوضاع من زاوية الضرورات العسكرية المحدودة، بل مع السعي لإنشاء واقع أمني أعمق وأكثر إستدامة.
لكن إذا نجحت إيران في تثبيت أقدامها عند باب المندب عبر حليفها الحوثي، فهذا سيشجع إيران على رفع رهانها على حزب الله. أما إذا نجحت السعودية بدعم أميركي في استعادة باب المندب، فسيزداد الضغط العسكري على حزب الله إنسجاما مع سياسة تفكيك قدرة إيران على استخدام الوكلاء كمراكز قوة إقليمية.
لكن إذا اتجهت واشنطن وطهران الى صفقة، فسيصبح لبنان جزءا من سلة التسويات لناحية الضغط أكثر على حزب الله ودعم الجيش اللبناني ومنح الدولة اللبنانية دورا أكبر وربما تسوية لبنانية_إسرائيلية طويلة الأمد. أما إذا لم تنجح الصفقة وأصبح باب المندب جبهة جديدة مشتعلة وواصلت إيران الإستعانة بالحوثيين والعراق وحزب الله كأوراق ضغط، فإن لبنان سيصبح إحدى الساحات المشتعلة من جديد.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستمنح واشنطن الدولة اللبنانية الوقت الذي تطلبه لتفكيك نفوذ حزب الله تدريجيا، أم ستسمح لإسرائيل بتوسيع المنطقة الأمنية؟ لا شك بان الأيام المقبلة ستحمل المؤشرات حول أي اتجاه ستسلك الأمور، إنطلاقا من جنوب لبنان. وقد يكون تأجيل انعقاد المفاوضات اللبنانية_الإسرائيلية الى أمد غير محدد، يحمل في طياته أكثر من إشارة.
والأسبوع الحالي سيخضع لاختبارين مهمين. الأول ويتعلق بالإجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش والذي سيعقد في باريس. فحتى الآن لا تبدو الأجواء واعدة، رغم الإصرار والإهتمام من قبل باريس والتي ترى في هذا المؤتمر فرصة ونافذة يمكن أن تعيدها الى قلب المشهد السياسي اللبناني. لكن السؤال الأهم: هل سيجري اشتراط قيام الجيش اللبناني بخطوات ميدانية في إطار تنفيذ قرار حصر السلاح قبل منحه المساعدات التي هو بأمس الحاجة إليها، إنسجاما مع وحهة نظر واشنطن؟ أم أن الدول المشاركة ستقتنع بوجهة نظر السلطة اللبنانية وتعمد الى مد الجيش بالمساعدات وتترك له كيفية التعامل مع هذا الملف؟
أما الإختبار الثاني فهو يتعلق بالمواجهات الجاري التحضير لها في مجلس النواب، في إطار مناقشة مشروع الموازنة. فما سيجري لن يكون مجرد معركة مالية، بل سيحمل دلالات سياسية مرتبطة مباشرة بالمعركة الأكبر حول شكل الدولة وسلاح حزب الله وعلاقة لبنان بالصراع الإقليمي الكبير. ستبدو المعركة إقتصادية ومعيشية ولكن جوهرها سياسي. الفريق المعارض لسياسة الحكومة سيصوب باتجاه الفشل الإقتصادي والملفات الحياتية، وأن هذه الموازنة لا تعالج الإنهيار الحاصل، وأن الضرائب تفاقم الأزمة، والإصلاحات لا تنتج، والوضع المالي في انهيار مستمر، والفساد مستشري. وهذا هجوم سياسي مشروع بحد ذاته، لكن التركيز سيكون في جوهره أن الحكومة عاجزة أمام الملفات الكبرى، أي أنها عاجزة عن إدارة الدولة بشكل فعلي. ولا شك أن هذا الخطاب سيجد صداه عند الأوساط الشعبية.
في المقابل سيسعى الفريق الموالي لسياسة الحكومة لقلب المعادلة عبر القول: كيف تطالبون بالإصلاح الإقتصادي والمالي والإستقرار في ظل سلاح خارج عن الدولة والشرعية وهو يسبب الحروب باستمرار. كما ستحضر تلة “علي الطاهر” بقوة في المداخلات الملتهبة، خصوصا لناحية تفضيل إحتلال إسرائيل لها بدل تسليمها للجيش اللبناني.
في الواقع ستتحول جلسات الموازنة الى جلسة “إختبار الحكومة”. والهدف الفعلي لن يصل الى حدود إسقاط الحكومة الآن رغم احتمال طرح الثقة بها. فالظروف الخارجية غير مساعدة بسبب ضبابية المشهد الإقليمي. ما يعني أن إسقاطها سيخلق فراغا، وهو ما لا تلحظه الحسابات الخارجية. لكن الهدف الأول سيتركز حول السعي لإضعاف الحكومة سياسيا وإجبارها على إعادة ترتيب التوازنات داخلها.
واستطرادا، إذا نجحت النقاشات في نقل المناخ من العنوان الإقتصادي الى شرعية الأداء السياسي والأمني وهو ما يعني إنتقال الحكومة من الدفاع عن أرقام الموازنة الى الدفاع عن قرار حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة، فهذا يعني أن المشهد اللبناني دخل مرحلة جديدة عنوانها: من يدير لبنان فعليا؟ وبالتالي هل سيتطلب ذلك تعديلا في سلوك السلطة؟
لكن لا يجب ألا يشيح نظرنا عن المستجدات الإقليمية المتلاحقة على الرغم من كثافة دخان المواجهات الداخلية. فدروس التاريخ تؤكد أن الحلول لا تصنع في الداخل، بل تأتي غالبا من الخارج.


