
ينعقد اليوم الأجتماع الدولي التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني في العاصمة الفرنسية باريس، في سياق “مسار العقبة” والذي انطلق في الأردن عام 2015. وعلى الرغم من سعي بعض الجهات الدولية لدفع الرئيس الفرنسي على تأجيل انعقاد الإجتماع التمهيدي لبعض الوقت بسبب الأوضاع الصعبة التي تعصف بالشرق الأوسط، إلا أن إيمانويل ماكرون أصر على انعقاده في موعده. صحيح أن الساحة اللبنانية مترابطة بشكل مباشر بالمواجهات المفتوحة في المنطقة وهو ما قد ينعكس سلبا على النتائج المرجوة، إلا أن باريس ترى أن الخطوة الأهم تبقى في إطلاق المسار وليس باستمرار المراوحة في دائرة مقفلة.
قد تكون النتيجة الأهم لاجتماع باريس يتركز حول تأسيس مسار دولي طويل الأمد أكثر منه الى إعلان حزمة مالية كبيرة وفورية، كما كان يحصل بنتيجة إجتماعات الدعم الدولية السابقة. ويمكن الخروج برسائل أساسية ثلاث من إجتماع باريس اليوم.
الرسالة الأولى، والتي تظهر بأن الدعم الدولي موجود للبنان. ولكن وفي الوقت نفسه فهذا الدعم لم يعد شيكا على بياض. فهنالك ربط بين الدعم ومسار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. وخلال الأسابيع التي سبقت موعد انعقاد الإجتماع أبدت واشنطن تمسكها بأن أي دعم للجيش اللبناني يجب أن تسبقه خطوات عملية للجيش في موضوع حصر السلاح بيد الدولة. وقد أعلن الكونغرس الأميركي ذلك بصراحة، وممتنعا في الوقت عينه عن الإفراج عن حزمة ال150 مليون دولار والتي كان قد جرى إبلاغ السلطات اللبنانية عنها. لا بل أن المصادر الأميركية كانت قد أشارت الى أن ما ينقص الجيش للقيام بالخطوات الميدانية المطلوبة هو القرار أكثر منه التجهيز. لكن باريس سعت لطرح مقاربة أخرى تتضمن تزامنا بين تأمين المساعدات العسكرية المطلوبة وبين قيام الجيش بخطوات ميدانية تصب في صالح تنفيذ قرار حصر السلاح على ألا يدفع ذلك الى المس بالإستقرار الأمني الهش. لكن الأوساط الأميركية بدت أكثر ميلا لوجهة النظر الإسرائيلية والتي تحدثت عن فشل تجربة المنطقة التجريبية الأولى بعد أن عاد إليها عناصر من حزب الله بطريقة غير ظاهرة وهو ما نفاه الجيش من خلال بيان رسمي أصدره.
أما الرسالة الثانية، فتتعلق بالدول المانحة والتي تنتظر وضوح المعادلة الجنوبية. فالمسألة بالنسبة لها لا تنحصر فقط بما يحتاجه الجيش من أموال وأسلحة، بل خصوصا بالمهمة التي سيطلب منه تنفيذها. والمقصود هنا، هل سيكون الجيش القوة الوحيدة التي ستتولى الساحة الجنوبية، أم أن قوات دولية صديقة ستتولى دور المساعدة بعد مغادرة قوات الطوارىء الدولية لبنان؟ وقد تكون هذه النقطة هي التي دفعت ماكرون لعدم الإستجابة لطلب تأجيل موعد انعقاد الإجتماع. فهو يدرك أن الوضع أصبح داهما، وأنه لا بد من مسابقته، وسط همس يدور في الكواليس بأن إسرائيل وبتفهم أميركي تريد فراغا دوليا في جنوب لبنان بعد انسحاب اليونيفل، وهو ما سيلزم الجيش اللبناني على التواصل المباشر مع الجيش الإسرائيلي وبعيدا عن أي رقابة أو متابعة دولية، لإرساء واقع جديد في جنوب لبنان، وخصوصا في منطقة جنوب نهر الأولي. وباريس المرتابة من التسويف الحاصل حول تشكيل جهة التحقق خصوصا وأنه سبقها إنهاء صيغة الميكانيزم والتي كانت تشارك بها، تريد تعزيز الجيش وتأمين السند الأوروبي له، والحصول في الوقت عينه على أجوبة أساسية تتعلق بتحديد مهما القوة المتعددة والحصول على الضمانات التي تطلبها. وتعمل فرنسا على تعزيز موقفها من خلال تنسيقها القائم مع إيطاليا. وفي الوقت نفسه فهي تعمل للحصول على ضمانات أكيدة من جميع القوى الفاعلة في الجنوب لاسيما وأنها كانت قد خسرت جنديين لها كانا يعملان في قوات اليونيفل، في حادثة هنالك شكوك بأنها كانت مدبرة.
أما الرسالة الثالثة، فهي تتمحور حول سعي باريس لتثبيت دورها في المعادلة الدولية التي تظلل لبنان والمرشحة لتثبيتها مستقبلا. أي أنها لا تريد أن تفقد دورها التاريخي في هذا البلد الذي يعتبر فرنكوفونيا بامتياز. وتاليا، لا تريد أن تنحصر المعادلة الدولية في لبنان بالمسار الأميركي_الإسرائيلي دون سواه. وتمسك باريس في يدها بورقتين أساسيتين تفتقد إليهما واشنطن. الورقة الأولى وتتعلق بتواصلها المباشر والقائم مع حزب الله. فقناة التواصل ما تزال قائمة وهي لم تنقطع في أصعب الظروف. ولا بد أن يكون السفير الفرنسي الجديد باتريك دوريل والذي يعتبر مميزا بحكم علاقته الوثيقة وتواصله المباشر مع ماكرون، في صدد إجراء لقاء قريب مع المسؤولين المكلفين من قبل حزب الله خلال الأسابيع القليلة المقبلة. ولا بد من التذكير بأن فرنسا لم تدرج حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن باريس متمسكة في الوقت نفسه بوجوب تخلي حزب الله عن سلاحه وانضوائه بالكامل تحت عباءة المؤسسات الشرعية وفق مقاربة مختلفة عن المقاربة الأمريكية. أما الورقة الثانية، فتتعلق بقناة التواصل والتي ما تزال مفتوحة مع إيران رغم أن العلاقة بين البلدين ليست بأفضل أحوالها. فالملف النووي والموقف الفرنسي الرسمي منه أدى الى توتير هذه العلاقة ولكن من دون أن يؤدي هذا التوتر الى قطعها. وما رفع من منسوب التوتر إحتجاز مواطنين فرنسيين داخل إيران. لكن هاتين الورقتين تجعل من الموقع الفرنسي ممرا متاحا للتفاوض بخلاف الموقع الأميركي والذي يقف على طرف المواجهة.
وثمة ملاحظات أساسية إضافية حول مؤتمر باريس لا بد من أخذها في عين الإعتبار وتتعلق بالمفاوضات اللبنانية_الإسرائيلية. فتأجيل جولة روما الى موعد لاحق في تشرين الأول بالتزامن مع انعقاد إجتماع باريس، والأهم الحديث عن انعقاد المفاوضات العسكرية اللبنانية_الإسرائيلية مبدئيا نهاية الأسبوع المقبل في تامبا في الولايات المتحدة الأمريكية يجعل من الصعب فصل اجتماع باريس عن المسار التفاوضي. فالدعوة لدعم الجيش يهدف فعليا لجعله الطرف الأساسي وصاحب المرجعية الأولى على الأرض أيا تكن النتيجة المتعلقة بالرقابة الدولية.
لذلك تتمسك باريس بالقرار 1701، رغم أنها تعرف جيدا ما معنى تغييبه عن اتفاق وقف النار في 26 حزيران الماضي. وهي كانت المرة الوحيدة التي فيها إغفال ذكر هذا القرار عن الإتفاقات الدولية المتعلقة بالجنوب. وترافق ذلك مع تغييب عمل “الميكانيزم” والذي كانت تشارك فيه فرنسا عبر مقعد أساسي في مقابل إنشاء آلية أخرى لا تلحظ مشاركة فرنسا والأمم المتحدة. ورغم ذلك فإن فرنسا ترفض اعتبار أن آلية “الميكانيزم” بصيغتها الأولى قد انتهت. “هي معطلة على غرار التعطيل الذي يطال مفاوضات روما، ولكنها لم تمت بعد” وفق التوصيف الذي تردده أوساط مراقبة.
وثمة جانب إضافي يحتم على فرنسا ومن خلالها أوروبا على التمسك بدور فعلي على الساحة اللبنانية. فحرب المضائق القائمة بين واشنطن وطهران، أظهرت أهمية السيطرة على الممرات البحرية. وأوروبا تعتبر البحر الأبيض المتوسط من ضمن مداها الأمني الحيوي. وخلال السنوات الماضية خرجت روسيا من مداها الضيق عبر البحر الأسود وتمددت باتجاه البحر المتوسط حيث أنشأت قواعد بحرية عسكرية عند الشاطىء السوري وشواطىء الساحل الأفريقي. ووجدت الدول الأوروبية في هذا التمدد تهديدا لأمنها. وتصاعد الإهتمام الأوروبي مع اكتشاف هذا المخزون الغازي في منطقة شرقي المتوسط حيث الساحل اللبناني، أضف الى ذلك أن شرقي المتوسط سيحتضن خطوط نقل الغاز عبر شبكات أنابيب في البحر. وهنا يصبح الحضور الفرنسي عند الساحل اللبناني أساسيا ومهما، ليس فقط لأنه يؤمن ضمانة أمنية للدول الأوروبية، بل أيضا لأنه يسمح لها ببسط نفوذها على إمدادات الغاز التي ستتجه في النهاية الى أسواقها.
خلال جولته على كبار المسؤولين اللبنانيين إثر قبول أوراق اعتماده كان للسفير الفرنسي باتريك دوريل زيارة للرئيس نبيه بري. بادر دوريل بري بالقول بأن أمور جديدة وكثيرة طرأت على الواقع اللبناني. فهنالك رئيس جديد للجمهورية، وكذلك لرئاسة الحكومة. فقاطعه بري فورا قائلا: أنا القديم. ووسط الضحك الذي علا قد يكون بري المشهور بسرعة بديهته ولطشاته المرمزة، أراد أن يدغدغ مشاعر الضيف الفرنسي الذي تحن بلاده الى الزمان الغابر حين كان النفوذ الفرنسي هو الأقوى دوليا على الساحة اللبنانية.


