مقالات صحفية

“مفاوضات روما على ضوء نتائج إجتماع باريس” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

من الخطأ الإعتقاد بأن سيطرة إسرائيل على تلة “علي الطاهر” تشكل نهاية مرحلة التصعيد، لا العكس هو الصحيح. فما جرى يتجاوز السيطرة العسكرية بمفهومها الحربي، ليصل الى سعي إسرائيل لإعادة رسم الواقعين الأمني والجغرافي على كامل المساحة الجنوبية. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن إسرائيل قررت منذ الآن البدء بتطبيق خطة التوسع. فعلى الأرجح ووفق ما تعتقده الأوساط المراقبة، فإن مشروعها التوسعي سيحصل بالتدرج، خطوة بعد خطوة، وبحسب رد فعل حزب الله وسلوك الدولة اللبنانية وظروف العاصمة الأميركية. ووفق ما يمكن قراءته من الخطوات العسكرية التي باشرت بها إسرائيل فهو البدء باستهداف المجال المحيط بتلة “علي الطاهر”.
بات معروفا تلك الأهمية العسكرية التي تمثلها هذه التلة. فهي على ارتفاع حوالي 600 متر شمال مجرى نهر الليطاني، وهي تكشف النبطية والمعروفة بعاصمة جبل عامل، إضافة الى كشفها لمناطق واسعة باتجاه إقليم التفاح. وهو ما يعني أن إحكام السيطرة على هذه التلة الإستراتيجية سيمنح إسرائيل قدرة المراقبة والتحكم بالمحيط من دون الحاجة الى الإحتلال المباشر والبري لكل قرية وبلدة. وهو ما ينسجم مع مبدأ “السيطرة غير المباشرة” على المزيد من المساحات الجغرافية. ومن هنا يمكن الإستنتاج بعدم صوابية الإعتقاد بأن الوجهة الحربية التالية للقوات الإسرائيلية هو احتلال النبطية بشكل مباشر، بل إخضاعها للنار والعمل على تفريغها من سكانها تحت وطأة التدمير الممنهج، والسعي للسيطرة عليها عن بعد. أضف الى ذلك أن تلة “علي الطاهر” تقع شمال نهر الليطاني، ما يعني تجاوز إسرائيل للمفهوم الذي كان سائدا والذي كان يحصر منطقة عمليات إسرائيل بجنوب الليطاني.
ووفق هذا المنطق، إرفعت الإحتمالات التي كانت تتوقع تمدد إسرائيل باتجاه منطقة إقليم التفاح، وعلى أساس أنها تشكل الهدف العسكري الإسرائيلي التالي، كونها تختزن آخر البنى التحتية القتالية لحزب الله، كما أن السيطرة عليه ستسمح بالوصول الى البقاع الغربي، تمهيدا لضمها الى المنطقة الأمنية الإسرائيلية التي جرى تثبيتها في جنوب سوريا، والتي تشرف عليها المحطة العسكرية المتطورة والتي ثبتتها إسرائيل عند قمة جبل الشيخ. إذا هو مشروع أبعد بكثير مما يعتقده البعض، والذي لا يبدو أن واشنطن تعارضه تحت عنوان ضمان أمن شمال إسرائيل إنطلاقا من دروس عملية السابع من أوكتوبر.
لكن التحصينات التي يحظى بها حزب الله في هذه المنطقة، ولاسيما في سجد وجبل الريحان، هي الأقوى والأكثر تعقيدا وتجهيزا. وهو ما يعني أن التحرك الإسرائيلي في هذا الإتجاه سيكون حذرا وصعبا ومكلفا، والأهم أنه سيكون بحاجة لمدة زمنية طويلة نسبيا. فهذه المرتفعات تشكل إمتدادا جغرافيا لعدة تلال، تمنح حزب الله عمقا عسكريا وممرات آمنة لتحركاته العسكرية.
ومنذ أسابيع معدودة خرج رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بتصريح مقتضب تحدث فيه عن عمليات “معقدة” ينفذها الجيش الإسرائيلي للسيطرة على تلة “علي الطاهر”. ولاحقا أشارت بعض الأوساط العسكرية المراقبة أن إسرائيل استخدمت تقنيات عسكرية جديدة سمحت لها بالتغلب على أنفاق “علي الطاهر”. وأشارت هذه الأوساط الى ظهور مسيرات إسرائيل جديدة تستطيع حمل عدة قنابل رغم صغر حجم المسيرة. ولا تستبعد هذه الأوساط أن تكون إسرائيل قد كشفت كافة مداخل هذه الأنفاق، وحيث عمدت الى قصفها مرة لإغلاقها ومرة أخرى لتوسيع مداخلها ما سمح بولوج هذه المسيرات الى داخل الأنفاق حيث قامت برمي مواد حارقة كانت تحملها، وهو ما يؤدي الى اشتعال حرائق وانبعاث مواد سامة في الوقت نفسه. كما أنها عمدت الى إدخال “روبوتات” مجهزة بتقنيات متطورة، لكشف ما هو بداخل هذه الأنفاق. وهذا ما قد يفسر محدودية الخسائر البشرية في صفوف القوات الإسرائيلية. وبالتالي فإن الهدف الأهم بالنسبة لإسرائيل من السيطرة على تلة “علي الطاهر” هو استكمال الإمساك بالمرتفعات والتي تجعل النبطية وإقليم التفاح والمحيط مكشوفين عسكريا.
وبات واضحا أن إسرائيل ترفض العودة الى الوضع الذي كان قائما قبل الحرب، فهي تريد ترسيخ واقعا مختلفا في جنوب لبنان وبشكل جذري عن ذاك الذي نعرفه. وهي تستند على تحقيق مشروعها استمرار المواجهة في المنطقة بين واشنطن وطهران، خصوصا وسط قناعة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الإنجاز التاريخي الذي سيكلل ولايته الرئاسية سيكون عنوانه ما سينتج عن مواجهته مع إيران وليس أي عنوان آخر. وقيل أن ترامب يردد دائما أمام فريق عمله بأنه لن يقع في التجربة الفاشلة التي طبعت ولاية الرئيس السابق جيمي كارتر. وهو ما يعني أن المواجهة الأميركية ضد إيران ستستمر أيا تكن نتائج الإنتخابات النصفية. وهو ما يعني أن الأفق مفتوح أمام إسرائيل لاستكمال مشروعها في جنوب لبنان.
لكن ثمة هدف آخر يتعلق بالوصول الى الشاطىء اللبناني من ناحية الزهراني، لفرض النفوذ الإسرائيلي المباشر على المنطقة البحرية الغنية بالغاز، والتي ستحتضن خطوط الغاز في منطقة شرق المتوسط. والتوسع الإسرائيلي غربا قد لا يواجه المصاعب والعائق العسكرية الموجودة في جبل الريحان. لكن إسرائيل التي تتبنى مفهوما عسكريا يرتكز على الأرض المحروقة والخالية من السكان، قد تذهب باتجاه تهجير المناطق السكنية الفاصلة ما بين “علي الطاهر” وشاطىء الزهراني.
ويترافق كل ذلك مع بدء انسحاب القوات الدولية، ومن دون تأمين بديل دولي آخر. وهذا الفراغ يلعب لمصلحة الأطماع الإسرائيلية.
بات شائعا أن نتنياهو لن يقدم على أي تنازلات أو انسحابات بذريعة دقة وضعه الإنتخابي الداخلي. وهو ما يعني أن واشنطن لن تقوم بالضغط عليه مرة بسبب ظروفه الإنتخابية الصعبة ومرة أخرى لانشغال الإدارة الجمهورية بالإنتخابات النصفية. ولكن هذا الواقع لن يتبدل فورا بعد ظهور النتائج. فعلى المستوى الإسرائيلي هنالك تشكيل الحكومة والإئتلافات الصعبة، وعلى المستوى الأميركي هنالك ورشة من الإقالات والإستقالات والتعيينات الجديدة وفق ما ستطلبه المرحلة. ما يعني أن الأشهر الثلاثة المقبلة ستجعل نتنياهو متفلتا من أي ضغوط جدية تجاه قيامه بأي خطوات في لبنان. واستطرادا، فإن الفترة المتبقية من هذه السنة ستختزن الكثير من المخاطر، وسط تمسك إسرائيل باستكمال مشروعها في لبنان. لكن وفي الوقت نفسه فإن البيت الأبيض لا يريد فقدان ورقة طاولة المفاوضات بين لبنان وإسرائيل. فخسارة هذه الورقة ستعني إعادة إمساك إيران بهذه الورقة، على المستوى السياسي على الأقل، وهو ما تتنبه له إدارة ترامب وتعمل على إحباطه. ومن هنا كانت الدعوة المبدئية لعقد الجولة التفاوضية الثالثة في روما، رغم أن الأجواء لا توحي بأي نتائج فعلية.
في الواقع تتمسك واشنطن بمسألتين أساسيتين على المستوى اللبناني: الأولى، إبقاء طاولة المفاوضات اللبنانية_الإسرائيلية قائمة ولو من دون نتائج ملموسة. والثانية، عدم سقوط التركيبة القائمة على مستوى السلطة الحاكمة في لبنان، لأن البديل سيكون في مصلحة إيران، أو في أفضل الأحوال سيعزز حصة إيران داخل أي سلطة مقبلة وسط الظروف الحالية في لبنان. ولذلك ستعمل واشنطن على إبقاء نبض طاولة التفاوض قائما، وفي الوقت نفسه مد السلطة اللبنانية بجرعات دعم ولو محدودة لإنعاشها داخليا، تماما كما حصل مع دفع نتنياهو لإطلاق خمسة أسرى، لا يشكلون فعليا ثمنا أمنيا إسرائيليا.
وفي الوقت نفسه ستعمل واشنطن للضغط على الجيش اللبناني كي يباشر بتحرك جدي على الأرض في إطار نزع سلاح حزب الله. وجاءت خطوة النبطية وقيام الجيش بتنشيط دورياته فقط من دون قيامه بوضع يده على مواقع ومراكز حزب الله، في إطار التأكيد اللبناني بأن قرار عدم الصدام مع حزب الله ما يزال قائما.
وخلال زيارة السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى الى إسرائيل ولقائه بنتنياهو جرى التطرق الى موضوع انعقاد جلسة تفاوضية جديدة في روما. وجرى الإتفاق على حصول ذلك خلال الأسبوعين المقبلين ولكن من دون التزام نتنياهو بموعد محدد، وهو ما فهم بأنه قد يكون قبل 20 الجاري. لكن تبين لاحقا أن نتنياهو يتذرع بمطالب تتعلق بمهام الجيش اللبناني كي تقابله إسرائيل بخطوات من جانبها. ولأجل ذلك جرى لاحقا ربط انعقاد الجولة التفاوضية بالمسار الذي سيؤول إليه الإجتماع التحضيري لدعم الجيش اللبناني والذي سيعقد في العاصمة الفرنسية باريس. وحتى الآن ما تزال التكهنات في بيروت حول نتائج هذا الإجتماع التحضيري غامضة وضبابية.
فالسعودية لم تعط موافقتها على المشاركة إلا بعد تمن وإلحاح من الرئيس الفرنسي خلال زيارة ولي العهد السعودي الى باريس. ورغم ذلك لم تعط السعودية أي التزام مسبق بمشاركتها في صندوق التمويل، وأبقت قرارها مبهما. كذلك فإن الإشارات الواردة من واشنطن باتت تتحدث عن خطوات عملية يريدها الكونغرس قبل الشروع في منح الجيش المساعدات العسكرية. لكن واشنطن، وطبقا لسياستها بتأمين دعم معنوي للدولة اللبنانية تدرس المشاركة من خلال وفد واسع يترأسه الجنرال جوزف كليرفيلد رئيس مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان. وبالتالي فإن تحديد جولة المفاوضات اللبنانية_الإسرائيلية الثامنة سيكون على ضوء نتائج الإجتماع التحضيري العسكري في باريس. أضف الى ذلك أن الإتجاه بات ثابتا بإعادة فصل الوفد الديبلوماسي عن العسكري، بحيث تحتضن العاصمة الإيطالية الإجتماع الديبلوماسي، فيما يسافر الوفد العسكري الى الولايات المتحدة الأمريكية للمشاركة في المفاوضات العسكرية مع إسرائيل.
يكثر في الأوساط الديبلوماسية الغربية الحديث عن تشجيع أميركي للشركات الكبرى بالذهاب والمشاركة في الإستثمارات في سوريا. وهو ما يحمل الكثير من علامات الإستفهام في وقت ما يزال فيه القطاع الإقتصادي اللبناني يرزح تحت الأزمات الصعبة فيما التركيز الغربي هو على الملف الأمني والتركيبة العسكرية لحزب الله والتطورات المقلقة في الجنوب. هو مشهد لا بد من التوقف عنده والتأمل فيه مليا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى