
يحلو للعديد من المراقبين تشبيه المرحلة الحالية التي يمر بها الشرق الأوسط يالمرحلة التي شهدت وتلت تفكك وسقوط السلطنة العثمانية نهاية الحرب العالمية الأولى. وينطلق هؤلاء من أن ولادة الشرق الأوسط بالحدود التي جرى رسمها إنما جاء على أنقاض وحطام الأمبراطورية العثمانية والتي تولتها فرنسا وبريطانيا. واليوم هنالك ما يشبه تحلل النفوذ الإقليمي لإيران إثر الحروب التي عصفت عقب عملية السابع من أوكتوبر، وهو ما يشكل فرصة لإعادة تشكيل المنطقة من جديد، ووفق حدود جغرافية وسياسية جديدة، بعدما أدى تمدد النفوذ الإيراني خلال العقود الماضية الى سقوط هذه الحدود عمليا ومعنويا، وهو ما كرس الى حد كبير، تواصل ما اصطلح على تسميته بالهلال الشيعي.
في واقع الأمر ومع شيء من التدقيق فإنه يتبين بأن ما يجري اليوم لا يشبه مرحلة تفكك وسقوط الإمبراطورية العثمانية من ناحية الشكل، ولكنه يشبهها لناحية العمل على نقل المنطقة من معادلة نفوذ كانت قائمة الى معادلة جديدة لم تتبلور عناوينها النهائية بعد. ولا شك أن لبنان يقع في قلب هذه المرحلة الإنتقالية، لا بل هو يشكل أحد عناوينها الأساسية.
ففي نهاية الحرب العالمية الأولى لم يكن الأمر مجرد هزيمة عسكرية عثمانية بقدر ما كان انهيار نظام إقليمي كامل استمر زهاء أربعة قرون. وبعد العام 1918 باشرت القوى الكبرى بالتعاون مع القوى المحلية بإعادة توزيع النفوذ. ثم جاء مؤتمر سان ريمو في إيطاليا وبعده معاهدة سيفر عام 1920 ومسار الإنتدابات، لتثبيت الواقع الجديد. وثمة عناوين مشابهة اليوم. فطهران كانت قد بنت طوال العقود الماضية شبكة نفوذ إقليمية تمتد من إيران الى العراق وسوريا ولبنان وفلسطين إضافة الى اليمن. وهذه الشبكة كانت تعتمد بشكل أساسي على ممر بري وبنية عسكرية وسياسية متصلة ومتكاملة وتعمل باستقلالية عن كامل جوارها. لكن سقوط نظام بشار الأسد في سوريا كسر إحدى أهم حلقات تواصل هذا الممر. كذلك أدى سقوط حركة حماس في غزة الى غياب البريق الذي كانت تستند إليه إيديولوجية المحور. وجاء معها تراجع قدرات حزب الله إثر الضربات القاسية التي تعرض لها، ليس فقط على صعيد البنية العسكرية إنما أيضا على مستوى النفوذ،السياسي، وهو ما أدى الى تبدل ميزان القوى داخل لبنان وخارجه، فالضاحية الجنوبية شكلت خلال المراحل الماضية “غرفة عمليات” هذا المحور وصولا الى ساحات اليمن. وفي العام 2026 تعرضت إيران نفسها لضربات طالت قدراتها وأظهرت لها أنها أصبحت مكشوفة إقليميا.
رغم ذلك ثمة فرق مهم جدا بين الحاضر والماضي. فالدولة العثمانية إنهارت فعليا وتفككت أوصالها واختفت عن الوجود. أما الجمهورية الإسلامية في إيران فليست أمام سيناريو مشابه، في الوقت الراهن على الأقل. فهي ما تزال دولة كبيرة ذات مؤسسات وجيش وتركيبة أمنية داخلية قوية واقتصاد وسكان ونفوذ جغرافي، والأهم أن شبكتها الإقليمية لم تختف رغم الضعف الذي أصابها، وما يحدث هو أقرب الى السعي لإعادة تشكيلها.
والمحور الذي كان يعتمد بشدة على سوريا ولبنان بدأ يتحول أكثر باتجاه العراق واليمن. أي أن إيران تسعى لإعادة تنظيم نفسها حول العراق واليمن بعد خسائر سوريا ولبنان وغزة. ولكن هذا لا يعني أبدا أنها بوارد التفريط بموقعها ونفوذها على الساحة اللبنانية، فهي وجهت أكثر من رسالة بأنها مستعدة لكل الإحتمالات كي لا تخرج من لبنان.
لذلك قد لا يكون دقيقا الإعتقاد أننا أمام أفول النفوذ الإيراني بالكامل، وقد يكون من الأصح القول أننا أمام نهاية مرحلة لهذا النفوذ وبداية مرحلة أخرى تشهد معارك بهدف تثبيت الحصص وتحديد الأحجام. وهنا تصبح المقارنة مع العام 1918 أكثر عمقا ودلالة. فبعد سقوط وتحلل السلطنة العثمانية ولد العراق وسوريا ولبنان وفلسطين بالحدود والشكل الذي نعرفه. وشهدت تلك المرحلة حالات فراغ لإعادة توزيع خارطة النفوذ. أما اليوم فهنالك تحالفات ومحاور يجري إنشاؤها بهدف إرساء خارطة النفوذ المستقبلية.
فها هي تركيا تعود، بعد أكثر من قرن على سقوط السلطنة العثمانية وانكفاؤها عن الشرق الأوسط، لتباشر ببناء النفوذ الذي تطمح إليه، إنطلاقا من سوريا نفسها.
في العام 1918 خرج العثمانيون ليدخل البريطانيون والفرنسيون، ثم بدأت القوى المحلية بإعادة بناء نفسها. واليوم ومع تراجع النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان والعراق فإن تركيا وإسرائيل والسعودية وقطر والإمارات تسعى لملء أجزاء من هذا الفراغ ولو بأشكال مختلفة، طبعا تحت المظلة الأميركية.
والملاحظة المهمة أن سوريا الجديدة تحاول ألا تعود الى “الوظيفة” التي كانت تشغلها طوال المراحل الماضية كممر إيراني، والتي تعززت بشكل كبير خلال وجود بشار الأسد على رأس السلطة. كذلك يسعى الرئيس السوري أحمد الشرع كي لا تكون بلاده الممزقة ساحة للصراع الإقليمي، وهي مهمة شاقة وصعبة جدا في ظل واقع فوضوي ومشتت. لذلك يسعى الشرع لضبط الحدود مع لبنان والعراق والحد ما أمكن من إنتقال السلاح والمقاتلين.
أما الساحة الأكثر حساسية فتبقى الساحة اللبنانية. فالمشهد الذي سيرسو عليه لبنان سيكون أحد المؤشرات على ولادة النظام الإقليمي الجديد. وإذا كان لبنان قد شكل خلال السنوات السابقة جزءا من المنظومة الإقليمية للنفوذ الإيراني الواسع، فإن السؤال اليوم ليس فقط ما إذا كان حزب الله سيتراجع نفوذه وتضعف قوته، بل من سيملأ الفراغ الناتج عن إنكفائه؟ خصوصا وأنه احتل الموقع الإقليمي الأول ورأس حربة “محور المقاومة”. وهنا تدخل قوة التأثير الجاري تثبيتها للولايات المتحدة الأميركية والسعودية بدرجة أولى، إضافة الى سعي كل من إسرائيل وفرنسا وتركيا للمشاركة ورسم الحدود الإقليمية في الداخل اللبناني. ومن هنا الصراع الخفي حول الدولة والجيش. وهو ما يصلح بتسميته نزاع الورثة. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحرب المستمرة في الجنوب وسعي إسرائيل لتوسيع منطقتها “الصفراء” وصولا الى ربطها بالحزام السوري، والتوجه لاحقا باتجاه الساحل اللبناني الجنوبي من خلال التمدد باتجاه الزهراني. وبخلاف ما يعتقده بعض اللبنانيين وتأمله فرنسا فإن التوجه الأميركي هو لعدم التمديد لليونيفل وأيضا لعدم ملء الفراغ الناشىء بأي قوات أخرى. ما يعني أن الجدل القائم سيكون بلا نتيجة، وأن هدفه إظهار التشابكات لنسف أي بديل آخر لليونيفل. أما الهدف، فهو دفع الجيش اللبناني لتنسيق مباشر مع الجيش الإسرائيلي بحكم الأمر الواقع والفراغ القائم. وثمة مشكلة يجري درسها منذ الآن وتتعلق بالرقابة البحرية التي تتولاها ألمانيا من ضمن مهامها في قوات اليونيفل، ومخاطر ترك البحر مفتوحا خصوصا أمام حالات اللجوء باتجاه السواحل الأوروبية. وفي وقت تعتبر بعض الدول أن الجيش اللبناني قد لا يستطيع إقفال الساحل بشكل كامل خصوصا في الليل، يجري ترتيب حل آخر يقضي بابتداع حل للتمديد لألمانيا في رقابتها البحرية.
ووفق ما سبق فإن الصراع الحالي في لبنان أعمق من مسألة “سلاح حزب الله” كمدخل لتأمين الإستقرار الداخلي. هو صراع على موقع لبنان ومن سيمسك بهذا الشاطىء المهم والمؤثر في النظام الإقليمي الجاري تركيبه.
خلال الأسابيع الماضية ظهر “تحالف مكة” المؤلف من السعودية وباكستان وتركيا. وفي المقابل جرى تطوير تحالف الدول المعنية بغاز المتوسط وهي إسرائيل وقبرص واليونان من خلال صفقة تسليحية تتجاوز قيمتها 3 مليارات أورو، وهي الأكبر من نوعها بين إسرائيل واليونان، لا بل هي من أكبر صفقات تصدير السلاح في تاريخ إسرائيل. والصفقة ليست مجرد إتفاق تجاري جديد لصالح الصناعات العسكرية، بقدر ما يحمل دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود البلدين لتصل مباشرة الى خريطة التوازنات المعقدة في الشرق الأوسط. صحيح أنه لم يرافق الصفقة أي كلام حول اعتبارها موجهة ضد تركيا، لكن حجمها وطبيعتها وتوقيتها تضع تركيا في خلفية المشهد.
أما “تحالف مكة” فاتفق على إنشاء أمانة عامة في السعودية على أن يرأسها أمين عام باكستاني لمدة ثلاث سنوات، وذلك وفق البيان المشترك الصادر عقب اجتماع في اسطنبول. ما يعني أن “حلف مكة” لم يعد مجرد فكرة أو تفاهم قيد البحث، ولو أنه لم يتحول بعد الى إتفاقية عسكرية كاملة متكاملة.
وهنا لا يمكن إغفال ملاحظة أساسية، وهي أنه في العام 1918 تطلبت عملية إعادة تشكيل المنطقة سنوات عدة، ولم يحصل ذلك خلال أسابيع أو أشهر، بل استغرق الأمر سنوات عدة حتى اتضحت الحدود والدول والأنظمة الجديدة. حتى معاهدة “سيفر” نفسها لم تؤد الى نتائج حاسمة، بل جاءت بعدها ما عرف بحرب الإستقلال التركية ومعاهدة لوزان عام 1923.
وهذا ما يدفع للقول أنه من الخطأ التصرف على أساس أن النفوذ الإيراني إنتهى. وقد يكون من الأدق القول بأن مرحلة إحتكار إيران للنفوذ الإقليمي بشكل مؤثر إلى أفول، في مقابل تصاعد الصراع حول حصص النظام الإقليمي البديل، وهو ما قد يستغرق سنوات وليس أشهر، للوصول الى شرق أوسط جديد وبتوازنات مختلفة. ومن المنطقي طرح التساؤلات حول احتمالات مستقبلية توحي بتغيير الحدود الجغرافية القائمة، ولو أن ذلك لا يبدو قائما في المدى المنظور.
ويبقى السؤال الأخطر بالنسبة للبنان، وهو هل سيكون هذه المرة من الدول التي تنتج موقعها في النظام الجديد، أم سيكون مرة أخرى ساحة يعاد فيها رسم توازناته من خارج الحدود؟
وما يرفع من منسوب القلق هو هذا الخواء السياسي والفراغ القاتل على مستوى ابتداع المشاريع والخطط والرؤى، في مقابل جموح للمصالح الضيقة والخاصة والحسابات البسيطة. فالمنطقة ومعها لبنان عند مفترق حاسم. ألم تبادر إسرائيل بقصف مطار “أبو الظهور” في سوريا في إطار رسم حدود النفوذ والخطوط الحمر؟ كذلك ألا يعني شيئا إفراغ الجنوب اللبناني من أي رقابة دولية مستقبلا؟ ومن هنا ألا يستوجب الواقع اللبناني رؤية أعمق وأبعد قادرة على منحه الدور والوظيفة، لا أن يبقى ساحة لتقاسم النفوذ وبالتالي لاستمرار الصراعات وإنتاج حالات عدم الإستقرار.

