
لم يكن البيان الصادر عن السفارة الأميركية في لبنان مفاجئا بكل ما تعنيه الكلمة. ذلك أن الدعوة للتفاوض مع حزب الله صدرت عبر مستويات ثلاث وبصيغ مختلفة، بدءا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه، ومن ثم عبر موفده الشخصي السفير توم براك، وأخيرا وليس آخرا عبر كلام سفيره في لبنان ميشال عيسى. وهو ما أثار لغطا واسعا وسط ردود من قبل حزب الله. الأول جاء مرنا عبر محمود قماطي، والثاني جاء متشددا عبر الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، والثالث جاء عبر إشارات تؤكد التمسك بالترابط الإيراني مع حزب الله.
جاء بيان السفارة الأميركية في عوكر لإعادة رسم خطوط اللعبة السياسية في لبنان، عبر التأكيد بأن الدولة اللبنانية هي المحاور الشرعي الوحيد، وهو ما يعني إغلاق واشنطن للنافذة التي كانت فتحتها حول التفاوض المباشر مع حزب الله. أو بتعبير أدق أن واشنطن ستتفاوض مع حزب الله فقط عندما يتحول عن التركيبة العسكرية ويفك روابطه عن إيران، ما يعني أن البيان هو بمثابة إعادة تموضع أميركية. ومن البديهي الإستنتاج بأن البيان الذي صدر بعد 24 ساعة فقط على كلام الشيخ نعيم قاسم يحمل بين سطوره جوابا أميركيا على النقاط التي أوردها قاسم. فهذا الأخير جدد رفضه للمفاوضات الثلاثية واتفاق الإطار وأكد تمسكه باتفاق 27 تشرين الثاني 2024 وبوساطة غير أميركية. وكان واضحا أن أمين عام حزب الله والذي يقرأ عادة خطاباته المكتوبة، أعلن الخطوط الأساسية لمفهومه لأي تفاوض ممكن حصوله.
ولكن قبل ذلك حصلت العديد من المؤشرات المعبرة. ففي الوقت الذي وصلت فيه المفاوضات اللبنانية_الإسرائيلية المباشرة والتي ترعاها واشنطن الى طريق شبه مسدود، وتمسك حزب الله بالبقاء خارج طاولة التفاوض وما ينتج عنها، رمى توم براك فكرة التواصل مع حزب الله وذلك بعد دعوات عدة من قبل رئيسه في السياق نفسه. ولاحقا تولى ميشال عيسى وضع الدعوة في إطار وسياق رسميين. والإنطباع الذي ساد كان بأن واشنطن أرادت أن تفتح نافذة لترى ما إذا كانت ستثمر ولكن وفق مفهومها ورؤيتها للأمور. أي أنها كانت تعمل على اختبار الفكرة أكثر منه الشروع في تطبيقها.
وفي الوقت نفسه حركت واشنطن ديبلوماسيتها السرية، أو هذا ما فهم على الأقل. فتطوعت شخصية خليجية معروفة بعلاقتها الوثيقة بإدارة ترامب بإرسال ورقة مكتوبة تتضمن بنودا عدة الى قيادة حزب الله عبر شخصية أمنية لبنانية كانت تولت أدوارا مشابهة سابقا. لكن الرسالة بقيت من دون جواب، مع العلم أن بنودها تندرج في سياق السياسة المعروفة للبيت الأبيض تجاه لبنان والمنطقة.
وكما العادة، ساد الإعلام اللبناني الكثير من المبالغات والمعلومات الخاطئة، والتي عززها كلام نائب رئيس،المجلس السياسي لحزب الله الوزير السابق محمود قماطي حول “باب التفاوض المفتوح” وأن السفير الأميركي عرض لقاء قيادة الحزب. في الواقع كان العرض الأميركي يومها يؤشر الى أنه إذا كان لا بد من التوصل لإنجاز التسوية ببنودها المعروفة، التواصل مع حزب الله لإنجازها فليكن ذلك، ولكن من دون أن يعني ذلك نسف دعائم الدولة القائمة. فالمعروف عن شخصية دونالد ترامب أنه لا يتمسك بالوسائل والأساليب القائمة والجامدة إذا كان يعتقد أن النتيجة تستحق التجربة. فهو كان قد سبق له وأن فتح قنوات تواصل مع أطراف كان يجري تصنيفها أميركيا بأنها غير مرغوب فيها، خصوصا إذا كان الإتصال المباشر قد يوفر إنجاز صفقة. والأوساط الديبلوماسية الأميركية كانت قد أرفقت الإشارات الأميركية بالتأكيد بأن واشنطن لن تتراجع عن هدفها والقاضي بإنهاء الدور العسكري لحزب الله. وهي ربما أرادت جس نبضي حزب الله حول الصيغة المعقولة التي يراها لتنفيذ الترتيبات في الجنوب، والشروع في المسار السلمي، وما إذا كان يمكن ربط سلاحه بمسار سياسي لبناني كامل وليس بالقرار الإيراني. لذلك من المنطقي الإعتقاد أن ترامب من الممكن أن يعتمد رسالة أو حتى لقاء على مستوى أمني غير مباشر للتأكد من سؤال واحد: هل أنتم مستعدون فعلا لتسوية واقعية، أم أنكم ستستخدمون “شماعة” التفاوض لمجرد كسب الوقت؟ وثمة سؤال أكثر أهمية: ما هو الموقع الذي يسعى إليه حزب الله وإيران داخل النظام اللبناني الجديد، وما المقصود منه؟
وجاءت لاحقا الإشارات الصادرة عن قماطي وأيضا عن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. كلام قماطي أوحى بأن التفاوض مع الأميركيين ليس مقفلا من حيث المبدأ، لكن التوضيح المقصود لاحقا حسم المسار بأنه عبر قناة إتفاق إسلام أباد المتصل بالمفاوضات الأميركية_الإيرانية، أي عبر إلزامية المرجعية الأيرانية. وجاء كلام قاليباف ليؤكد المؤكد: نحن من “يمون” على حزب الله وقراراته. ووفق هذه الإشارات المتبادلة بدا المشهد وكأن هنالك “تفاوض على التفاوض”، وهو التوصيف الحقيقي للأمور، ولكن تحت الضغط العسكري الإسرائيلي والتهديد باقتحام تلة “علي الطاهر”، والضغط المالي مع تشديد خناق العقوبات عبر استهداف الممرات المالية القائمة عبر مؤسسات مالية تركية.
ولكن يجب الإقرار بأن رسائل “التفاوض على التفاوض” كانت تتجاوز الدولة اللبنانية وتركيبتها التي نشأت منذ دخول جوزف عون الى قصر بعبدا. لكن واشنطن والتي تحمل بعض المآخذ على عدم نجاح السلطة اللبنانية على إنجاز مهمتها، لا تبدو أبدا في وارد إضعاف التركيبة القائمة. لكن المشكلة أن حزب الله يتمسك برفضه لأي تواصل مع السلطة اللبنانية. لا بل أن أوساط ديبلوماسية تكشف بأن إيران كانت أبلغت واشنطن في وقت سابق عبر خطوط التفاوض القائمة بينهما بأنها لا “تثق” أبدا بالتركيبة القائمة على مستوى السلطة في لبنان، أي أنها كانت تؤشر ضمنا الى ضرورة قيام سلطة أخرى وبوجوه وتوازنات أخرى، وبالتفاهم مع واشنطن. لكن البيت الأبيض رفض هذه الفكرة من أساسها عبر تمسكه بفصل المسار التفاوضي اللبناني عن مسار إسلام أباد. كما أن بيان السفارة الأميركية حرص على إبراز الفكرة القائلة بأنه إذا أراد حزب الله الإنتقال من المرحلة العسكرية الى الموقع السياسي فالطريق يمر عبر الدولة.
وكان الجواب الأوضح لحزب الله على كل الإشارات المبهمة والداعية للتفاوض، قد جاء عبر كلام أمينه العام الشيخ نعيم قاسم. فهو رفض البنود التي تتمسك بها واشنطن كركيزة لأي حوار معه: رفض المفاوضات اللبنانية_الإسرائيلية تحت الرعاية الأميركية، ورفض الأتفاق الإطار، وتمسك باتفاق 2024. ومن هنا يمكن وضع بيان عوكر في إطار تصويب المشهد السياسي أكثر منه مجرد رد إعلامي. كما أن البيان موجه الى الدولة اللبنانية بقدر ما هو موجه الى حزب الله.
واستطرادا فإن البيان الأميركي موجه ضد حزب الله بأن واشنطن لن تقبل بأعادة إنتاج صيغة توافقية مستقلة معه، وفي الوقت نفسه لحث الدولة على الأمساك فعليا وجديا بالملف وعدم السماح بوجود مسارين: واحد رسمي وآخر واقعي عبر حزب الله. كذلك لإبلاغ إيران بشكل حاسم أن قرار فصل لبنان عنها هو قرار نهائي ولا مساومة عليه وهو غير قابل للنقاش. وقد يكون كإشارة تطمين لبعض القوى اللبنانية التي خشيت من أن تؤدي الإشارات التي جرى توجيهها باتجاه حزب الله الى مفاوضات تؤدي الى صفقة أميركية مباشرة مع حزب الله على حساب الدولة ومعادلتها العريضة القائمة. وقد يكون هو التفسير للعبارة الشديدة السلبية التي وردت في البيان حول أن “حزب الله يتلقى أوامره من إيران”.
والسؤال الواجب طرحه الآن، ماذا يعني كل ذلك على أرض الواقع؟ من البديهي الإعتقاد بأنه إذا لمست واشنطن أن الحزب لا يريد تسوية وفق الإطار الذي ترسمه واشنطن فقد تنتقل الأمور لإعطاء إسرائيل هامشا حربيا أكبر. هنالك “علي الطاهر” في الوقت الراهن، لكن هذه التلة المهمة لا تختصر كامل المشهد العسكري الجنوبي.
منذ أيام جددت إسرائيل حملتها الإعلامية على الجيش اللبناني. وبالفعل كانت قد أرسلت الى اليرزة عبر القناة الأميركية إحداثيات في النبطية وصور لمداهمتها. ورفضت قيادة الجيش تلبية الطلب من دون وجود ضمانات ثابتة وصلبة بأن إسرائيل لن تعمد بعدها الى التقدم باتجاه هذه المواقع، وهو ما سيجعل الجيش بمثابة “فرقة إستطلاع إسرائيلية”، خصوصا وأن القصف مستمر على مدار الساعة. لم يتدخل الجانب الأميركي للضغط هنا أو هناك. لكن المساعدة العسكرية الأميركية والتي قيل أنها باتت جاهزة قبل زيارة الرئيس اللبناني الى واشنطن لم يفرج عنها بعد. لا بل أن مساعدة ال35 مليون دولار جرى تحديد أماكن صرفها. وكل ذلك يحصل في ظل رفض أي تجديد لقوات اليونيفل وعدم الإتفاق على تأمين القوة البديلة أو حتى تحديد مهامها وطرق تمويلها. باختصار تبدو الأشهر المقبلة غامضة كي لا نقول غير مطمئنة.

