
حين تراق دماء الشعوب لتغطية ورقة خضراء!
لم تكن الحروب الغربية الحديثة يوماً من أجل “نشر الديمقراطية”، ولا لحماية “حقوق الإنسان”، ولا حتى لملاحقة وهم “أسلحة الدمار الشامل”. كل تلك السرديات البراقة لم تكن سوى مساحيق تجميل رخيصة وُضعت على وجه إمبريالية مالية بشعة، جوهرها وحارسها الأكبر: *البترودولار* .
منذ سبعينيات القرن الماضي، حين وقعت واشنطن اتفاقها التاريخي لربط النفط بالدولار الأمريكي حصراً، تحوّل الاقتصاد العالمي إلى رهينة. فرض الغرب، بقيادة الولايات المتحدة، معادلة إجرامية بسيطة: “إما أن تبيع نفطك بالدولار وتضع الفائض في سندات خزانة واشنطن، أو سنعيدك إلى العصر الحجري”.
*مقبرة الدولار* : قائمة الضحايا
تاريخ العقود الأخيرة ليس سوى سجل دموي من الغزوات والتدخلات التي صُمّمت خصيصاً لتصفية أي زعيم يخطر بباله التشكيك في هيمنة هذه الورقة الخضراء:
*العراق (2003)* : الخطيئة الكبرى التي ارتكبها صدام حسين لم تكن امتلاك أسلحة وهمية، بل قراره عام 2000 ببيع النفط العراقي باليورو. كانت العقوبة الغربية سريعة وحاسمة: غزو غاشم، تدمير دولة كاملة، ومقتل مئات الآلاف، لتكون أولى قرارات الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر هي إعادة تسعير النفط العراقي بالدولار.
*ليبيا (2011)* : عندما طرح معمر القذافي فكرة “الدينار الذهبي الأفريقي” ليكون العملة البديلة لبيع النفط والغاز في أفريقيا، تحرك حلف “الناتو” .وتم تحويل ليبيا من أغنى دولة في أفريقيا إلى ساحة فوضى وميليشيات، لمجرد أن فكرة الفكاك من عبودية الدولار جالت في خاطر رئيسها.
*إيران وسوريا* : حصار اقتصادي واختناق دائم لم يأتِ لمجرد خلافات سياسية، بل لأن هذه الدول تجرأت على محاولة التداول بالعملات المحلية واقتراح ممرات طاقة بعيدة عن الوصاية الغربية.
*المعركة الأخيرة* : حرب المضائق وخنق شرايين العالم
اليوم، ونحن نشهد أفول عصر القطب الواحد وصعود تكتلات مثل “بريكس” التي بدأت بالفعل بالتداول بالعملات الوطنية في تجارة الطاقة، انتقل الغرب إلى المرحلة الأكثر خطورة وجنوناً: حرب السيطرة على المضائق والممرات البحرية.
لم يعد بإمكان واشنطن وحلفائها فرض “البترودولار” عبر القوة الاقتصادية المباشرة أو الديون، فلجأوا إلى القرصنة العسكرية الشاملة:
*باب المندب والبحر الأحمر* : تحت شعار “حماية الملاحة”، يحشد الغرب أساطيله في باب المندب. الحقيقة هي أن الغرب يرعبه أن تفقد واشنطن قدرتها على خنق تجارة النفط المتجهة إلى الشرق، أو أن تسيطر قوى إقليمية غير خاضعة لها على هذا الشريان النابض.
*مضيق هرمز* : النقطة الأكثر التهاباً، حيث تسعى واشنطن دوماً لإبقائها تحت التهديد العسكري الدائم، ليس لحماية التدفقات كما تدّعي، بل لضمان ألا تخرج قطرة نفط واحدة خارج منطق النظام المالي الغربي.
*ممر بنما ومضيق ملاقة* : المحاولات المستمرة لعسكرة هذه النظاقات الاستراتيجية كجزء من عملية تطويق صينية-روسية، الهدف منها منع قيام أي نظام تجاري دولي لا يمر عبر المصافي والأنظمة المصرفية التابعة لـ “وال ستريت” و”الخزانة الأمريكية”.
إن حرب السيطرة على المضائق اليوم هي الرقصة الأخيرة لإمبراطورية تحتضر. إنهم يرسلون حاملات الطائرات والبارجات الحربية إلى كل مضيق وخط ملاحة، ليس لأنهم أقوياء، بل لأنهم يدركون أن “البترودولار” لم يعد يستند إلى اقتصاد حقيقي، بل إلى القوة الغاشمة فقط.
لكن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات التي تسعى للسيطرة على العالم عبر خنق شرايين التجارة ودماء الشعوب لحماية عملة ورقية، تتهاوى دائماً عند أول اصطدام جداري بالحقيقة.


