مقالات صحفية

“توتر لا يخرق قواعد اللعبة” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

ما من شك أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو نموذج مختلف تماما عن كل الذين سكنوا البيت الأبيض قبله. وحتى في كيفية توجيه الرسائل السياسية كانت هنالك أساليب متبعة، ولكن مع ترامب فهو يستهويه الأسلوب المباشر عبر منصة “تروث سوشيال” التي يملكها. وآخر رسائله أظهرته مع نظارة شمسية ويحمل رشاشا، وكتب تحتها قائلا: إنتهى عهد الرجل اللطيف، وعلى إيران استعادة رشدها سريعا. ولا حاجة لجهد كبير لتفسير رسالة ترامب. إنه يوحي بأن ضربة قاسية قد تتلقاها إيران قريبا إذا لم تذهب الى التسوية سريعا.
من يتابع الحركة الأميركية الداخلية يخرج باستنتاج سريع بأن حزب الرئيس الأميركي أي الحزب الجمهوري يتجه بخطى ثابتة الى خسارة الإنتخابات النصفية. ولا شك أن ترامب يدرك ذلك. فوفق آخر الإستطلاعات هبط تأييد ترامب لدى الأميركيين الى نسبة 33% فقط، وهو تدهور كبير لرئيس فاز بموجة شعبية جارفة. أضف الى ذلك ظهور بداية تشققات داخل كتلته الصلبة “ماغا” والتي شكلت الركيزة الأساسية في التسويق له لإعادة انتخابه. وأسباب هذا التفسخ داخل كتلته الصلبة تعود للإعتراض على الحرب التي يخوضها ضد إيران وتداعياتها الإقتصادية والمعيشية على الأميركيين. وفي إختبار أميركي جديد، فاز الحزب الديمقراطي على الحزب الجمهوري في استفتاء جرى في ولاية فرجينيا ويتعلق بإعادة رسم خارطة المناطق والتقسيمات الإنتخابية. وكان من الممكن أن تؤدي هذه المخاوف الإنتخابية لتعديل السلوك السياسي لساكن البيت الأبيض. لكن وبما أن ترامب مختلف عن الذين سبقوه، فإن هذه الإشارات ستدفعه للتحرر من القيود الإنتخابية وتجعله يندفع الى الأمام أكثر. ففي العادة فإن الأغلبية في الكونغرس يكون لونها مختلفا عن لون حزب الرئيس، وهو نفسه اختبر هذه النتيجة خلال ولايته الأولى. كذلك فإن النظام الرئاسي المعمول به في الولايات المتحدة يمنح الرئيس صلاحيات واسعة خصوصا على مستوى السياسة الخارجية. طبعا، تستطيع الأغلبية في الكونغرس إزعاج الرئيس خصوصا على مستوى الإنفاق المالي وسن القوانين، ولكن هذا الإزعاج يبقى محدودا، إلا إذا فاز الحزب الديمقراطي بأغلبية الثلثين. واستطرادا فإن ترامب والذي بات يسلم ضمنا بخسارة حزبه الإنتخابية قرر الإندفاع أكثر في مواجهته مع إيران، وهو ما يجعله أكثر خطورة من السابق.
يعترف العديد من المراقبين بالنتائج المهمة التي حققها الحصار الأميركي المفروض على السواحل الإيرانية، لدرجة أن البعض منهم إعتبر أنه كان من الأفضل الذهاب الى الحصار منذ البداية كبديل عن الحرب. وصحيح أن هنالك تقديرات متفاوتة للمدة الزمنية القصوى التي يمكن أن تتحملها إيران لتخزين إنتاجها النفطي قبل أن تضطر الى إقفال آبارها ما سيخلق لها مشاكل تقنية لإعادة تشغيلها، كما سيجعلها تخسر حصتها في الأسواق. وهو ما يعني أنها أضحت في واقع صعب يجبرها على القبول بالحلول التفاوضية. وظهر موقف طهران الصعب مع العرض الذي قدمته والقاضي بفتح مضيق هرمز مقابل فك الحصار البحري عنها. وكان من البديهي أن يرفض ترامب العرض. فهو بات يراهن على لي الذراع الإيرانية أكثر، لإرغامها على قبول شروطه. لكن المشكلة أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بات يجد أن الظروف عادت لتلعب لصالح مشروعه بالعودة الى الحرب من جديد أكان في إيران أو خصوصا في لبنان.
وخلال الأيام الماضية وصلت معلومات الى بيروت حول قيام الجيش الأميركي بتجهيز البنية التحتية لقاعدتين عسكريتين في قبرص، ما يوحي باحتمال استخدامهما مستقبلا في حال حدوث طارىء حربي يستوجب ذلك. فلقد أثبتت الحرب مع إيران أهمية قبرص كموقع إستراتيجي حيوي للعمليات القتالية. ويجري تجهيز القاعدة القبرصية الأكبر بمهبط جديد ومتقدم للطائرات المروحية، إضافة الى مدرج يسمح باستقبال طائرات النقل الضخمة مثل طائرة شينوك CH_47. مع الإشارة هنا الى استهداف قبرص بصواريخ إيرانية خلال الحرب وحيث شكلت البوارج الحربية في البحر مظلة حماية جوية للصواريخ ما سمح باسقاطها قبل وصولها، والصاروخ الذي انفجر فوق كسروان كان أحدها.
في هذا الوقت فإن لبنان الذي يعيش حربا حماوة عسكرية وسياسية على وقع تأرجح المفاوضات الأميركية_الإيرانية، دخل في واقع معقد ومفتوح على عدة مسارات متداخلة. فالهدنة التي تخرقها إسرائيل بشكل واسع ومتكرر وعنيف، تعزز الإنطباع بأن الحرب قابلة للإشتعال من جديد في أي لحظة.
ولا يبدو المشهد السياسي الداخلي أقل خطورة، لا بل على العكس. فالإشتباك بلغ حده بين رئيس الجمهورية وحزب الله. فلأول مرة منذ التسعينات هنالك مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل. لبنان يطرح شروطا أساسية تتعلق بوقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل وإطلاق الأسرى وإعادة الإعمار، في مقابل ضغوط أميركية لدفع الأمور نحو ترتيبات أمنية طويلة الأمد، وربما لاحقا تفاهمات أوسع.
ووسط هذا الواقع إنفجر الصراع بين رئاسة الجمهورية وقيادة حزب الله. هو ليس خلافا عابرا، بل يعكس صراعا أعمق حول طبيعة الدولة اللبنانية ودورها في المرحلة المقبلة. رغم ذلك فإن السيناريو الأكثر ترجيحا هو مسار الإحتواء لا المواجهة، حيث يعاد ضبط الخلاف عبر الرئيس نبيه بري أغلب الظن. قد يبقى الخطاب الإعلامي متوترا، ولكن دون مستوى الإنفجار وإعادة تنظيم الوضع السياسي. ذلك أن الطرفين لا يريدان فتح جبهة داخلية في ظل التوتر الإقليمي والوضع الإقتصادي الداخلي الهش. فمسار التعطيل سيؤدي الى تعطيل حكومي وشلل مؤسساتي وسط حملات إعلامية متبادلة وشد حبال حول ملفات متفجرة مثل موضوع السلاح مقابل العلاقة مع العواصم الغربية والخليجية.
كما أن الجميع مدرك بأن مسار التصعيد قابل للوصول الى نقطة الإنفجار وانتقال الصدامات الى الشارع وداخل المؤسسات الرسمية، وهو سيناريو تبقى كلفته مرتفعة جدا على الجميع.
وفي أول تعليق لها على السجال الحاصل مع الرئيس عون إعتبرت مصادر حزب الله أن الخلاف مع رئيس الجمهورية هو حول نقطتين وهما: المفاوضات المباشرة والذهاب لتقديم تنازلات من دون الإستفادة من تجميع ما تعتبره أوراق قوة يمكن طرحها في مفاوضات غير مباشرة. وتنفي هذه المصادر بشدة إمكانية الإنزلاق باتجاه صدام داخلي “فهذا لن يحدث” وفق ما شددت عليه. وردا على سؤال حول إمكانية حصول زيارة لموفد من قبل حزب الله الى قص بعبدا أجابت هذه المصادر: اللقاء بحد ذاته ليس الهدف، إنما النتيجة التي يمكن أن تؤول عن اللقاء. وتابعت قولها: إذا رغب الرئيس بوضع الأمور في إطار الإحتواء وإعادة ترتيب الأوراق اللبنانية والإستفادة من عناصر القوة سيحصل اللقاء. ولكن إذا جلسنا مع رئيس الجمهورية واستمرت الأوضاع على ما هو عليه والإكتفاء بالصورة فقط، فالنتيجة ستكون أسوأ من دون شك. وتابعت مصادر حزب الله شرحها بأن أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم يقول بأن أخصام حزب الله في السياسة يمكن أن نجلس معهم شرط أن يخففوا قليلا من هجماتهم علينا. وتعليقا على ما أشارت إليه الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية حول خطر إغتيال الرئيس عون إعتبرت هذه المصادر أن تفسير ذلك بأن إسرائيل تحاول النفاذ عبر ثغرات الإنقسام الداخلي الحاصل بهدف زيادة الشرخ بين اللبنانيين.
يمكن قراءة مواقف حزب الله في إطار تنفيس حدة التراشق الذي حصل، لاسيما الكلمة الأخيرة لقاسم، بعدما كادت الأمور تلامس نقطة اللاعودة. لكن، في الوقت نفسه عدم العودة الى السياق الذي كان قائما قبل الحرب. في الواقع فإن لبنان دخل مرحلة إعادة توازن بين سلطة تحاول تثبيت دور الدولة وحزب الله الذي يحاول المحافظة على معادلته الحالية. من هنا فإن التصادم المفتوح غير مرجح الآن، لكن الإحتكاكات المستمرة ستبقى قائمة وقد تتحول تدريجيا الى صراع سياسي مفتوح في حال اشتدت الحماوة على الجبهة الإيرانية وتغيرت المعادلة الإقليمية.
وفي المحصلة يمكن اختصار المرحلة بأنها تخضع لتوتر مضبوط ولكن من دون كسر قواعد اللعبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى