مقالات صحفية

“لبنان على إيقاع جبهة تعز” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

تصاعد الاحتقان الإقليمي يعكس دخول الشرق الأوسط مرحلة بالغة التعقيد، حيث تتداخل المواجهات العسكرية مع فشل المسارات الدبلوماسية، ما يرفع سقف التهديدات ويزيد احتمالات الانزلاق نحو صراع واسع يصعب ضبط حدوده. الوضع الحالي يتسم بتعدد الجبهات، من الخليج إلى لبنان وغزة، مع تصعيد أمريكي–إسرائيلي مقابل ردود إيرانية مباشرة وغير مباشرة عبر وكلائها.
كان من المنطقي أن يؤدي فشل المفاوضات الدبلوماسية وانهيار محاولات الوساطة في مسقط وجنيف خصوصًا حول ملف مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني، الى ارفاع منسوب الحماوة وتعدد الجبهات. فالمواجهات وصلت الى العمق السعودي مع تطور حرب الممرات المائية وهو ما أدى الى حرب الممرات الجوية عبر استهداف المطارات أيضا.كما عمدت إسرائيل الى رفع مستوى الضغط في الجنوب اللبناني بالتوازي مع تحركات دبلوماسية في ملف غزة، ما يعكس استخدام الجبهات كورقة تفاوضية بالنار، وهنا باب الخطورة كون هذا التصعيد يحصل قبل انتخابات حاسمة في الولايات المتحدة الأمريكية، ومصيرية في إسرائيل. ولا شك أن العقيدة القتالية الإيرانية تحولت العقيدة من “الصبر الاستراتيجي” إلى “العمل الاستباقي”، مع استعداد لمواجهة متعددة الجبهات.
التطورات تشير إلى أن الاحتقان لم يعد محصوراً بجبهة واحدة، بل بات يتوزع على ثلاث ساحات مترابطة. فهنالك الساحة الأم أي المواجهة الأميركية ـ الإيرانية.
فطهران تستخدم التهديد باستهداف القوات الأميركية والمصالح الإقليمية، إلى جانب الضغط على الملاحة والطاقة، لردع استئناف عمليات عسكرية أميركية واسعة. ويشير تقييم معهد دراسات الحرب الصادر في 13 تشرين الأول إلى أن إيران تجمع بين التهديدات والاستعدادات العسكرية، وهو مزيج خطير.
والتطور الجديد والأبرز هو بانتقال المواجهة إلى العمق السعودي. فالضربات الحوثية التي طالت مطار الرياض ومنشآت أرامكو، والضربات السعودية على مواقع حوثية في اليمن، تعني أن الصراع لم يعد محصوراً بالحدود اليمنية. بل أصبح يمس أمن الطاقة في إطاره الأوسع، إضافة الى الطيران والاقتصاد السعودي مباشرة.
بالتوازي، يستمر الضغط الإسرائيلي على لبنان، فيما تتجه الأنظار إلى جولة المحادثات العسكرية المرتقبة في تامبا يومي 20 و22 تشرين الأول. وتُظهر التصريحات الإسرائيلية أن ملف نزع البنية العسكرية لحزب الله سيبقى في صلب الضغط على الدولة اللبنانية. ولغاية أمس كانت الدعوة الأميركية للجيش اللبناني ما تزال قائمة، ولو أن منسوب التشكيك سجل ارتفعا حول إمكانية تأجيل الجولة الى موعد آخر الشهر المقبل أي بعد انتهاء الإنتخابات الإسرائيلية بسبب اعتقاد البعض بأن نتنياهو المحشور إنتخابيا يريد اكتساب أوراقا جديدة كنتيجة لهذه الجولة وإلا فلا فائدة له بحضورها، في وقت ما يزال الموقف اللبناني متمسكا بضرورة تنفيذ انسحاب إسرائيلي جدي ليشكل انتقالا الى مرحلة تجريبية جديدة.
لكن هذه الساحات ليست بالضرورة جزءاً من خطة عملياتية واحدة، ولو أن ترابطها يجعل أي تطور في واحدة منها قادراً على التأثير في حسابات الساحات الأخرى. وترفع الأطراف مستوى الضربات والتهديدات، وتستهدف مواقع أو مصالح ذات قيمة استراتيجية، لكنها تحاول إبقاء المواجهة دون حرب شاملة. فالهدف هو تعديل شروط التفاوض وإجبار الخصم على تقديم تنازلات. وهو ما يعني استمرار الضربات مع إبقاء قنوات الوساطة مفتوحة. ألم يحصل تواصل هاتفي مباشر بين وزيري خارجية السعودية وإيران في عز استهداف الحوثيين للعمق السعودي ومطاراته؟ صحيح أن السعودية رفضت “الوساطة” الإيرانية وهو ما عكس قرارا سعوديا بالمواجهة وليس بالتراجع والذهاب الى تسوية، لكن مجرد حصول الإتصال أظهر حرصا على إبقاء خطوط التواصل قائمة. لكن ثمة من يقرأ بأنه حال إقفال صناديق الإقتراع فإن الأمور ستتبدل، وهو ما لوح به بوضوح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ملمحا الى دخول الولايات المتحدة مباشرة في جولة عسكرية جديدة ضد إيران.
لكن أين يقع لبنان وسط هذا التصاعد في الحماوة؟ هنا تكمن النقطة الأكثر حساسية بالنسبة إلى لبنان. فالتصعيد الإقليمي يضع الدولة اللبنانية أمام ضغط مزدوج. إسرائيليا عبر زيادة الضغط العسكري وربط أي انسحاب أو تخفيف للضربات بمدى التقدم في معالجة الوجود العسكري لحزب الله. وأميركياً عبر دفع الدولة والجيش إلى إثبات قدرتهما على ضبط السلاح والحدود، بما يجعل أداء المؤسسات اللبنانية عاملاً مؤثراً في المفاوضات. وثمة عامل داخلي من خلال تزايد المخاطر الأمنية والسياسية كلما اتسعت الفجوة بين التزامات الدولة والواقع الميداني، ولا سيما في ظل استمرار ملف تهريب المتفجرات الذي تعالجه السلطات اللبنانية.
فالتطورات المتلاحقة خلال الأيام الماضية أظهرت إشارات تعكس تمسك طهران الكامل بعدم “إخلاء” الساحة اللبنانية أيا تكن الأثمان أو الظروف. وكان أبرز تلك الإشارات الإعلان عن حزمة مساعدات مالية تطال العائلات المتضررة بسبب الحرب. وبمعزل عن الجدل حول مصدر هذه الأموال، وما إذا جرى تهريبه من إيران أم أنه جرى إخراجه من مستودعات حزب الله، والذي دخلت واشنطن بشكل مباشر على خطه وعبر بيانات رسمية من وزارة الخارجية، إلا أن الرسالة التي أرادتها طهران واضحة: الساحة اللبنانية أولوية إيرانية، ولن نخرج من لبنان.
لكن لهذه الخطوة جانب آخر لا يقل أهمية. فخلال الأسابيع لا بل الأشهر الماضية تصاعدت النقمة داخل البيئة الشيعية على الحرب التي حصلت والنتائج التي رست عليها. فالظروف الصعبة جعلت العديد من هؤلاء دون مأوى، في وقت بات فيه البعض يخشى من أن يؤدي استمرار الوضع القائم وعودة الحرب بشكلها الواسع لاحقا الى خسارة ما تبقى من منازل وممتلكات. وهذا الواقع سيضعف نفوذ حزب الله ويضعف حركته.
وبموازاة هذا الواقع نشطت حركة تهريب المتفجرات من سوريا الى البقاع عبر منطقة القصير، وكذلك جاءت حادثة ضهر البيدر. ووفق التحقيقات الأولية فإن نوعية متفجرات ضهر البيد مشابهة الى حد بعيد مع نوعية المتفجرات التي ضبطها الجيش عند معابر التهريب. وتشير هذه التحقيقات الى أن هذه المواد قد تكون موجودة لدى مهربين سوريين أقدموا على الإستيلاء عليها وتخزينها لاحقا بهدف المتاجرة بها، وأن جهات لبنانية (حزب الله على الأرجح) قامت بشراء هذه المتفجرات ونقلها الى مستودعات في الداخل اللبناني، وأن سيارة ضهر البيدر تدخل في هذا السياق.
وبدت الأوساط الديبلوماسية مهتمة وبدرجة عالية بمواكبة التحقيقات الحاصلة ساعة بساعة. وهي طرحت تساؤلات عدة تراوحت بين الخلفية الحقيقية لهذا التركيز الحاصل في هذه الفترة بالذات على تهريب هذا النوع من المتفجرات بدل الصواريخ والأسلحة والذخائر المعتادة، والوجهة الفعلية لاستخدامها. وكذلك بدت هذه الأوساط حذرة إزاء تأخر السلطات اللبنانية في الإعلان عما حصل. فالكشف عن حادثة ضهر البيدر حصل عبر قناة الحدث ومن خلال مصادر غير لبنانية وذلك بعد أربعة أيام على اكتشاف الشحنة. وسجلت هذه الأوساط حركة لبنانية رسمية باردة قبل أن تأخذ الأمور مداها المطلوب بعد مرور أسبوع على الحادثة ووسط حركة إعلامية ضاغطة.
وفي معرض مراقبتها للسلوك الإيراني عبر الساحة اللبنانية سجلت الأوساط الديبلوماسية وجود تدريبات على طائرات مسيرة يملكها حزب الله وهو ما أدى لتعطل إحداها وسقوطها في شليفا. وجاء اكتشاف عبوة كفرزبد لتطرح الأسئلة حول ما إذا كانت تحمل في طياتها رسالة ما وسط هذه الضغوط الحاصلة. فالعبوة المعدة للتفجير كانت محضرة كي يجري اكتشافها وليس لتفجيرها، وهذه رسالة بحد ذاتها. والأهم أنها عبوة مموهة على شكل صخرة، أي أن من وضعها هو خبير على مستوى عال وليس خبيرا عاديا. وبالنسبة للمكان فإنه يحمل بعض التأويل. ذلك أنه في مكان غير بعيد من موقع اكتشاف القنبلة تقع قوسايا حيث كان يوجد مخيمات للجبهة الشعبية_القيادة العامة. لكن هذه المخيمات جرى تفكيكها منذ أكثر من سنتين وجرى تسليمها للجيش. واستطرادا فإنه من المستحيل أن تكون هذه القنبلة من مخلفات تلك المرحلة ولو أنها من الصنف القديم، بسبب ظروف الطقس على الأقل. ووفق تحليلات بعض الأوساط الديبلوماسية فإنه من الممكن أن تكون الرسالة المرادة من قنبلة كفرزبد: لعدم الإندفاع الى الأمام أكثر. ولو أن الأوساط الديبلوماسية ما تزال غير متأكدة من قراءتها.
ومن هذه الزاوية تربط العديد من العواصم الغربية بين الإشارات الإيرانية المتلاحقة عبر الساحة اللبنانية وبين التصعيد المقلق القائم في المنطقة. لكن ثمة نقطة لا بد من أخذها في عين الإعتبار وهي: ليس كل تصعيد مقدمة لحرب شاملة، وليس كل حديث عن التفاوض دليلاً على قرب التسوية. فالفارق بين المسارين ستكشفه طبيعة الأهداف العسكرية، ومدى اتساع الردود، وما إذا كانت الاتصالات السياسية تنتج التزامات فعلية.
والسؤال الأهم يبقى: هل نحن أمام محاولة أميركية وإسرائيلية لتطويق النفوذ الإيراني عبر الضغط المتزامن على أكثر من جبهة، أم أن تعدد الجبهات بدأ يخلق دينامية تصعيد يصعب التحكم بها حتى بالنسبة إلى الأطراف التي تستخدمها للضغط؟ هذا هو الفارق الذي ينبغي أن تُقرأ على أساسه التطورات المقبلة.
وعلى سبيل المثال تروي مصادر مطلعة أن الدخول الإيراني على خط “الوساطة” بين السعودية والحوثيين كان يهدف لأخذ السعودية الى تسوية تحت ضغط القصف الحاصل، وأن هذه التسوية كانت ترتكز على نقاط عدة من بينها لبنان. ففي لبنان يعاني حزب الله أو الحليف الإيراني الأبرز منذ أكثر من سنتين في مقابل تركيبة حكم جديدة حليفة بشكل كامل ومباشر للسعودية. ومن هنا المتابعة الكاملة للحركة الناشطة لحزب الله. فالإشارات الإيرانية تؤشر بالتمسك بنفوذها في لبنان ولو عبر شراكة بحصة متواضعة مع السعودية في حكومة لبنانية جديدة، في وقت بدا فيه الرفض السعودي للوساطة الإيرانية رفض لأي تسوية لاسيما في لبنان، وهو ما يتقاطع أيضا مع الموقف الأميركي والذي يتجلى باستمرار ضغطه على السلطة اللبنانية للتحرك وترجمة مقررات الحكومة حول سلاح حزب الله على أرض الواقع والتطبيق.
ولا حاجة للإشارة بأن تعثر المفاوضات والتسويات تنتج زيادة في الضغط العسكري على الأرض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى