
لا يمكن إدراج إستهداف العمق السعودي وقصف مطار الملك خالد في الرياض بالصواريخ البالستية في سياق ضيق ومحدود في إطار الحرب القائمة في اليمن. لا بل أن السؤال الواجب طرحه هو: هل نحن أمام إنتقال إيراني من سياسة الردع والضغط غير المباشر الى سياسة المبادرة الهجومية وفرض وقائع جديدة على المنطقة، حيث تعمل طهران للإستفادة من تردد خصومها وانشغالهم بملفات داخلية وإنتخابية، للإمساك بأوراق قوة إضافية. والسؤال الأهم، هل هذه الإندفاعة الإيرانية بدأت تطال الساحة اللبنانية أيضا؟
بعيدا عن المواقف المتناقضة والمتضاربة التي يعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مدار ساعات النهار، إلا أنه من الواضح أن الإدارة الأميركية والتي تتجه الى انتخابات داخلية صعبة، تعمل على تشديد حصارها على الإقتصاد الإيراني الى الحد الأقصى، والى خنق المداخيل المالية المتاحة، وتراهن على الوقت لإنهاك طهران قبل أن تعود وتتفرغ للملف الإيراني بعد إقفال صناديق الإقتراع. فيكون عامل الوقت قد لعب هذه المرة لصالح واشنطن. ومن هنا إعتبر البعض أن طهران باشرت بتعديل سلوكها العسكري بالإنتقال من حال الدفاع والتلقي الى واقع هجومي، بحيث يجري حرق ورقة “عامل الوقت” والتي يحاول البيت الأبيض توظيفها لصالحه.
لكن البعض يجد في هذه القراءة شيئا من التسرع. ذلك أن المؤشر الحاسم على انتقال إيران إلى وضعية هجومية إقليمية لن يكون بعدد الصواريخ الحوثية وحده، بل بوجود نمط متزامن من العمليات المباشرة وغير المباشرة، واتساع الأهداف، واستمرار الهجمات، وظهور أدلة موثوقة على التنسيق بين الجبهات، وهو ما لا يبدو متوفرا، أقله حتى الساعة. وبالتالي فإن السؤال الآن هو: هل تحاول إيران إجبار خصومها على التفاوض من موقع الضغط، أم أنها تتجه إلى توسيع الحرب لأنها ترى أن الانتظار يضعف موقعها؟ التطورات في هرمز، وحجم الرد السعودي والأمريكي على هجمات المطارات، ستكون من أهم المؤشرات للتمييز بين الاحتمالين، إضافة الى ما ستؤول إليه التطورات اللبنانية. لكن ومن دون أدنى شك فإن السلوك العسكري لإيران والمجموعات المتحالفة معها طرأ عليه بعض التبدل، في ظل التأرجح الواضح في الموقف الأميركي، الى حد وصف مسؤولين إسرائيليين له بالمرتبك.
وخلال الأيام الماضية كشف الإعلام الإسرائيلي عن مداولات مكثفة جرت بين واشنطن وتل أبيب حول احتمال شن هجوم جديد على إيران، وسط تباين في مواقف الطرفين بشأن التوقيت والجهة التي ستتولى التنفيذ. وأوردت صحيفة معاريف أن الإدارة الأميركية طلبت في مرحلة سابقة من إسرائيل تنفيذ الهجوم بنفسها قبل موعد حصول الإنتخابات الأميركية. ونقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي قوله أن الأميركيين مرتبكون ولا يعرفون حقا ماذا يريدون، وأن مواقفهم تتبدل يوما بعد يوم.
وما ضاعف من النقزة الإسرائيلية الإشارات الغامضة الصادرة عن إيران عبر حزب الله، في وقت يصح فيه وصف الواقع الإنتخابي الإسرائيلي بالحساس جدا، وبالتالي إمكانية التأثير عليه من خلال أي حركة عسكرية ممكنة. وبدا الإستنفار الإسرائيلي في أوجه مع رصد “جسم مشبوه” عبر من لبنان الى إسرائيل ومن ثم اختفى ولم يظهر له أي أثر. وحسب موقع “واينت” الإسرائيلي فإن الجيش الإسرائيلي والذي نفذ استنفارا واسعا، يجهل ماهية هذا الجسم الذي عبر ومن ثم اختفى. وتم نشر قوات من الجيش إضافة الى إطلاق مروحيات عسكرية، ولكن من دون أي نتيجة.
وفي الوقت نفسه راقبت إسرائيل كما الأوساط الديبلوماسية الغربية بكثير من التمعن التحركات الغامضة لحزب الله داخل لبنان. ففي البقاع الشمالي وتحديدا في بلدة شليفا قضاء بعلبك سقطت مسيرة في أراضي المنطقة. والكشف الفوري للجيش أظهر أنها مسيرة صغيرة وغير مجهزة بالأسلحة، أي أنها كانت مخصصة للتدريب على ما يبدو. وترجح الأوساط الديبلوماسية في بيروت، والتي تتابع عن كثب وبدقة التطورات المتلاحقة خصوصا عند الحدود مع سوريا، أن هذه المسيرة سقطت نتيجة عطل تقني، وأنها لحزب الله وكان يجري استخدامها في إطار تدريبي. وتعتقد هذه الأوساط أنه صحيح جرى إنهاء كل المواقع التدريبية لحزب الله في المنطقة، لكن تنفيذ دورات تدريبية لكيفية إطلاق مسيرات، يمكن أن يحصل من منزل صغير أو مكان محدود جدا. ولكن الأهم بالنسبة لهذه الأوساط أن حزب الله ما زال مستمرا ببرامجه التدريبية والتسليحية عبر مجموعات صغيرة ولو بشكل سري، ما يعني أنه يتحضر لإبراز قوته من جديد في مرحلة لاحقة، ويمكن أن يشمل ذلك الساحة الداخلية وليس فقط الجبهة المفتوحة مع إسرائيل.
وما رفع من منسوب القلق لدى الأوساط الديبلوماسية إكتشاف دوريات الجيش لشحنتين من المتفجرات كان يجري تهريبهما الى لبنان وتتضمن متفجرات من نوع TNT مع صواعقها وأسلاكها. ففي السابق كانت الشحنات المكتشفة تتضمن صواريخ وقذائف وذخائر وأعتدة عسكرية قتالية، لكن الوضع إختلف الآن. وصحيح أنه لم يجر توقيف أي شخص إلا أن الأوساط الديبلوماسية ترجح أن تكون هذه الشحنات لحزب الله، بسبب المنطقة الجغرافية التي جرى اكتشاف الشحنات فيها وهي القصر في الهرمل، والتي تعتبر منطقة نفوذ مباشرة لحزب الله. ثم جاء لاحقا ما أعلن عن اكتشاف متفجرات من نوع C4 في سيارة في منطقة ضهر البيدر بالصدفة إثر تعرض السيارة لحادث سير والتي كان يقودها شابين أحدهما عنصر في حزب الله والثاني من الطائفة السنية ولكنه ينتمي الى سرايا المقاومة، ليطرح المزيد من الأسئلة لدى الأوساط الديبلوماسية حول المسار الذي تتجه إليه الأمور.
لكن منسوب القلق الذي ارتفع إثر هذه الإكتشافات المتلاحقة قابلته إشارات سياسية مناقضة. فالجلسة النيابية والمخصصة لدرس مشروع الموازنة لم يعمد حزب الله لتعطيلها، ولا حتى للدفع باتجاه إسقاط الحكومة. وحتى زيارة رئيس الحكومة نواف سلام الى الجنوب لم يعمد حزب الله للتشويش عليها. وهو ما يعطي الإنطباع بأن التحرك داخليا غير مطروح أقله في الوقت الراهن، إضافة الى أن الرئيس نبيه بري لا يحمل البرنامج نفسه في المرحلة الحالية على الأقل. أضف الى ذلك أن الحكومة حولت مبلغ 67 مليون دولار لمجلس الجنوب من ضمن تحويلات بلغ مجموعها نحو 90 مليون دولار. ومن المعروف الحاجة الماسة للبيئة الجنوبية للمساعدات المالية.
وقد يكون حزب الله يراقب وينتظر وربما يراهن على الإنفجار الإجتماعي القادم بسبب الضائقة المعيشية والأزمة الإقتصادية المتصاعدة وسط عجز السلطة عن تقديم ولو حلول جزئية أو مرحلية. وهو ما يشبه التراكم الصامت لعناصر الإنفجار الإجتماعي والذي ينتظر شرارة سياسية أو أمنية، وهي اللحظة التي قد ينتظرها حزب الله لإسقاط المعادلة السياسية والدولية القائمة على مستوى السلطة في لبنان. فالتحرك وسط الفوضى الداخلية هو الورقة الأخيرة التي قد يلجأ إليها حزب الله والتي قد يكون يتحضر لها منذ الآن. من هذه الزاوية فعلت واشنطن مساعيها من جديد لتأمين جرعات منشطة للسلطة اللبنانية رغم ملاحظاتها العديدة عليها.
وبخلاف الأجواء التي سادت الأوساط الإعلامية اللبنانية فإن قيادة الجيش كانت قد تلقت منذ أكثر من أسبوعين دعوة رسمية من قيادة السينتكوم لمفاوضات عسكرية مع إسرائيل في 20 الجاري. ومن المقرر أن يسافر الوفد العسكري اللبناني في 18 الجاري، إلا إذا طرأ جديد أدى لإرجاء الجولة التفاوضية، وما حكي عن عدم تلقي لبنان بعد دعوة للمشاركة في مفاوضات تامبا ليس صحيحا. والوفد العسكري اللبناني يحمل معه المطالب نفسها والتي تتمحور حول وقف الإعتداءات الإسرائيلية اليومية، وانسحاب إسرائيل، وتحديد منطقة تجريبية جديدة من مناطق تحتلها إسرائيل، إضافة الى تعيين الجهة الرقابية وآلية عملها. أما الإشارات الصادرة عن إسرائيل فما تزال تتحدث عن فشل المنطقة التجريبية الأولى وعن ضرورة تفتيش كل المنازل السكنية والشروع بنزع سلاح حزب الله، إضافة الى التشكيك بالجيش اللبناني تمهيدا لإنشاء قوة عسكرية خاصة ومدروسة. وكذلك طلب حصول غرفة عمليات مشتركة لبنانية_إسرائيلية. في هذا الوقت يستمر التصعيد العسكري الإسرائيلي على جميع المحاور الجنوبية.
لكن الجانب الأميركي والذي بات يخشى سقوط السلطة اللبنانية، سيعمل على إنجاز آلية المراقبة لتواكب المنطقة التجريبية، وبحيث يجري نزع الذرائع الإسرائلية ووقف استهدافاته وتشكيكه بالجيش اللبناني. وفي المقابل سيضغط على الجانب اللبناني لوضع برنامج تنفيذي يتعلق بسلاح حزب الله على أن تتعهد واشنطن بتأمين انسحاب إسرائيلي من بعده. وكذلك ستعمل واشنطن للدعوة لمؤتمر دولي لدعم لبنان اقتصاديا ومده بمنشطات سريعة، لقطع الطريق أمام أي استثمار لحزب الله في الأزمتين الإقتصادية والمالية التي تعصف بلبنان.
ويتقاطع المسعى الأميركي الجديد مع التحرك الأوروبي القائم، ولكن تحت عناوين ومهام مختلفة. إذ لا بد من التمييز بين الإتفاق على إرسال بعثة أوروبية لدعم الجيش، وبين إرسال قوات عسكرية أوروبية الى جنوب لبنان لتحل مكان اليونيفل أو لمراقبة الحدود. فهذان المشروعان مختلفان ولو أنهما يتحركان في الوقت نفسه.
ففي 8 تشرين الأول أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الإتحاد الأوروبي خلال زيارتها لبيروت ولقائها بوزير الخارجية اللبناني أن التخطيط لبعثة أوروبية جديدة لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي قد اكتمل، وأن السلطات اللبنانية وجهت دعوة رسمية للمضي في المشروع. والبعثة الأوروبية تضم بعثة مدنية وأخرى عسكرية متخصصة في التدريب والإستشارة، وهي ستعمل على دعم الجيش وقوى الأمن لضبط الأراضي اللبنانية والأمن الداخلي والحدود البرية والبحرية. كما ستعمل على تعزيز قدرات المراقبة والإستخبارات، والأهم أن مهمتها لا علاقة لها بالجنوب. وهذا شرط إسرائيلي على ما يبدو.
أما القوة الدولية التي من المفترض أن تتولى المهام مكان اليونيفل فهي لم تتبلور بعد رغم البحث القائم بين فرنسا وإيطاليا ولبنان. كما أن ما يجري طرحه حول الجهة الرقابية والتي تتعلق بمهمة نزع سلاح حزب الله وانتشار الجيش فإنها ما تزال تخضع لمشاورات تجري بين بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وأندونيسيا، وحيث شروط الإتفاق لم تكتمل بعد. والأسئلة المطروحة هنا عديدة، وتتنوع بين من سيحدد مهمة الجنود التي سترسلهم أوروبا، وأين سينتشرون، وأي صلاحيات ستمنح لهم؟
باختصار ثمة سباق محموم بين من يدفع لتسريع انهيار المعادلة الدولية التي تظلل السلطة القائمة في لبنان، وبين سعي أميركي وغربي لسد الفجوات الحاصلة ووقف التعثر الحاصل ومنح جرعات دعم يبدو لبنان بأشد الحاجة إليها. والقاسم المشترك بينهما أن الساحة اللبنانية باقية في قلب الصراع الإقليمي الكبير.


