مقالات صحفية

“الخارج يضغط والداخل يتخبط” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

هل تعمد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاهل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام متجنبا مصافحته، بينما صافح جميع الذين كانوا يجلسون بقربه؟ أم أن ما حصل كان غير مقصود، وبالتالي لا يحمل دلالات سياسية؟ المصافحة وحدها لا تكفي لبناء إستنتاج سياسي، إلا أن تزامن ما حصل مع تجاهل ترامب لذكر لبنان في خطابه يوحي بأنه أراد إرسال إشارة برودة سياسية تجاه الوفد الرسمي اللبناني، بخلاف تلك الحرارة التي أحاطت بوم زيارة الرئيس جوزف عون الى البيت الأبيض. وقد تكون الرسالة بأن لبنان لم يعد على رأس أولويات الرئيس الأميركي. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن واشنطن تخلت عن لبنان.
توالت الرسائل الأميركية خلال الأسابيع الماضية حول عدم وجود رضى أميركي حيال الطريقة التي تتحرك وفقها السلطة اللبنانية. وبات شائعا وجود شكوى أميركية بأن المواقف والقرارات الرسمية اللبنانية شيء والواقع على الأرض شيء آخر. أو بمعنى آخر بأن الخطاب الرسمي اللبناني حول بسط سلطة الدولة ونشر الجيش وحصر السلاح يفتقر الى الترجمة وبالتالي يفتقد الى التطبيق الجدي، وفق برنامج واضح وكامل ومحدد زمنيا.
وينقل زوار واشنطن عن مصادر في الإدارة الأميركية بأن البيت الأبيض لم يلمس حتى الآن حصول أي خطوة باتجاه تطبيق قرار حصر السلاح رغم الإلتزامات المعلنة، وهو ما رسم علامات إستفهام عدة حول جدية الموقف اللبناني. ويضيف هؤلاء أن السلطة اللبنانية تتذرع دائما بالحفاظ على الإستقرار الأمني كأولوية فيما المطلوب التمسك بالسيادة كأولوية. فالمحافظة بهذه الطريقة على الإستقرار الأمني هو خاطىء وسيؤدي لاحقا الى تدهور أمني كبير وبالتالي خسارة الإستقرار والسيادة معا. أما الذهاب لتأمين وفرض سيادة الدولة حتى ولو أدى ذلك الى احتكاكات متفرقة فهو سينتج لاحقا إستقرارا أمنيا حقيقيا ودائما وسيادة كاملة للدولة على كامل أراضيها. وينقل هؤلاء الزوار عن مصادر أميركية معنية بأن السلوك الذي تنتهجه السلطة اللبنانية يؤدي الى استهلاك الوقت، وهو ما يلعب لمصلحة حزب الله الذي يعمل على دفع الأمور باتجاه تجاوز المرحلة من خلال مفاوضات لن تؤدي الى أي نتيجة عملية على أرض الواقع.
ووفق زوار العاصمة الأميركية فإن إسرائيل أبلغت البيت الأبيض بأن نتائج المنطقة التجريبية الأولى لم تكن مشجعة، وأن العديد من عناصر وكوادر حزب الله تمكن من العودة الى هذه المنطقة. لكن لبنان يرفض ادعاءات إسرائيل ويعتبر أنها غير صحيحة وتهدف لنسف المسار التفاوضي تمهيدا لترسيخ الإحتلال والعودة الى الحرب. ولذلك أصدر الجيش اللبناني بيانه المفصل في هذا الصدد.
وفي المقابل يسمع زوار واشنطن تساؤلات حول أسباب عدم تحرك الجيش باتجاه مخازن ومواقع حزب الله العسكرية في الجنوب. لا بل فهي تطرح أسئلة جديدة تتعلق بالسبب بعدم تأمين منطقة العاصمة بيروت أمنيا. ووفق ما تنقله بأن السلاح في منطقة بيروت لا يحمل طابع مواجهة إسرائيل بقدر ما يحمل طابعا داخليا. وتتابع قائلة بأنه بات هنالك سياسة نهائية لواشنطن ترتكز على عدم الأستعداد للقيام بأي مساعدة للسلطة اللبنانية إلا بعد تحقيق خطوات عملية على أرض الواقع، وبأن الإنسحاب الإسرائيلي مرتبط بشكل كامل ببسط الدولة لسلطتها بشكل جدي.
وتروي المصادر الأميركية بأن الإعتقاد السائد لدى البعض بأن واشنطن ستضغط على إسرائيل للإنسحاب من لبنان من دون أن يكون قد سبق ذلك خطوات عملية وحاسمة من جانب الجيش اللبناني هو وهم. فالقراءة الأميركية لأمن إسرائيل والمنطقة إختلفت بعد عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أوكتوبر. وبالتالي لم تعد الحسابات القائمة في غزة هي نفسها، وهو ما ينطبق أيضا على جنوب لبنان. ما يعني أن ثمة حسابات جديدة يجب الأخذ بها في جنوب لبنان خصوصا وعلى كامل الأراضي اللبنانية عموما.
وفي الإجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني والذي عقد في باريس بدا واضحا أن هذا الحضور الواسع يؤشر الى أن الإهتمام الدولي بلبنان ما يزال قائما، لكن عدم صدور نتائج فورية يؤشر أيضا الى أنه بات للمساعدات الدولية شروطها ولم تعد “مجانية”. وبالتالي على السلطة اللبنانية أن تتحرك لكي تلاقيها مساعدات المجتمع الدولي.
وخلال الأيام الماضية جرى طرح فكرة تقضي بعقد الجلسة التفاوضية الثامنه، أو روما 3، خلال الأسبوع الأول من الشهر المقبل، كي لا يبدو وكأن اتفاق الإطار بات في وضع الغيبوبة. لكننا ما نزال في مرحلة المزايدات الإسرائيلية الداخلية بسبب الإنتخابات، ما يعني أن نتنياهو لن يقدم على أي خطوة، في حال وجدت، خشية تأثيرها سلبا على حملته. لا بل أن الموقف الإسرائيلي بات أكثر تشددا، وهو ما ظهر في الإجتماع الذي عقد في وزارة الخارجية الأميركية بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية. فلقد استفاض الجانب الإسرائيلي في تعداده لما اعتبره “خروقات” لبنانية. وبالتالي تبدو الأمور أكثر صعوبة وتعقيدا. وبالتالي فإن الطرح بعقد جولة ثامنة مطلع تشرين الأول، لم يحسم بعد، وتعتريه عراقيل جمة.
وحتى الموقف الفرنسي والذي كان يراهن عليه لبنان تبدل وأصبح أكثر اقتناعا بالطرح الأميركي. ففيما كان موقفها يرتكز على الدعوة لمؤتمرين منفصلين لدعم لبنان، واحد عسكري وآخر إقتصادي، عادت باريس وبدت مؤيدة لدمج المؤتمرين معا. وبالتالي، لن تكون هنالك أي مساعدات إقتصادية إذا لم يحقق لبنان أي خطوات عملية على الأرص في إطار بسط سيادة الدولة بقواها الذاتية. أضف الى ذلك إحجام السلطات اللبنانية عن القيام بأي خطوات حاسمة في إطار الإصلاحات المطلوبة. وكان لافتا الكلام الذي أطلقه الديبلوماسي الفرنسي بيار دوكان خلال وجوده في بيروت الأسبوع الماضي. صحيح أنه بات في وضع التقاعد، لكنه كان قد شغل منصب المنسق الفرنسي للمساعدات الدولية من أجل لبنان كما أنه لعب دورا أساسيا في متابعة وتطبيق مؤتمر “سيدر” عام 2018 لدعم اقتصاد لبنان، وتولى متابعة ملف الإصلاحات المطلوبة. دوكان وخلال لقائه ديبلوماسيين أوروبيين ولبنانيي في جلسة خاصة قال بأنه متشائم حول إمكانية قبول المنظومة اللبنانية بالإصلاحات لأنها لا تناسب مصالحهم. وتابع قائلا: هنالك تكاتف كامل بين جميع مكونات هذه المنظومة لمنع حصول هذه الإصلاحات.
لكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والذي يسعى لمنع إقصاء فرنسا عن المعادلة الدولية التي تظلل لبنان يعمل لتوظيف جميع أوراقه لدى نظيره الأميركي في هذا الصدد ومتكئا على تفاهم مع السلطات اللبنانية. ومن هنا كان إصراره على انعقاد الإجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش وعدم إهدار الوقت، وفي الوقت نفسه على تواصل وثيق مع إيطاليا لتأمين مقومات نجاح تشكيل قوة أوروبية للحلول مكان قوات اليونيفل في جنوب لبنان. وأبلغ الإتحاد الأوروبي جميع المعنيين برغبة عشر دول أوروبية بالمشاركة في القوة المتعددة. لكن الظروف التي تحيط بماكرون تبدو صعبة. فعدا أن إسرائيل ترفض بالمطلق أي قوة في الجنوب وخصوصا فرنسية فإن ترامب نفسه والذي لا تجمعه الكيمياء بنظيره الفرنسي لا يبدو متحمسا بدوره لتشكيل هذه القوة. والمشكلة أنه لم يعد أمام رئاسة ماكرون سوى أشهر معدودة وسط حماوة إنتخابية داخل فرنسا.
في المقابل تشتد وطأة الأزمة الحياتية وارتفاع أسعار النفط ومعها أسعار السلع والتضخم، على كاهل المواطن اللبناني. وبات الشارع اللبناني مهيئا لتحركات في الشارع. في العادة فإن الشارع هو لعبة القوى الحزبية. ومن هنا تركزت الأنظار على حزب الله. فهل حان الوقت ليطلق “هجومه” عبر التحركات المطلبية بوجه الحكومة بهدف تعديل توازناتها؟ لا تبدو المسألة بهذه السهولة، فالواقع اللبناني يخضع لمقاييس اللعبة الإقليمية، وتاليا لمآل الصراع الأميركي_الإيراني والذي لم يتضح بعد حتى الآن مساره الفعلي. لكن قد يشجع حزب الله التحركات الشعبية بهدف خلق واقع ضاغط على السلطة ولو من دون الذهاب في المواجهة الى النهاية. صحيح أن المطالب المرفوعة مطلبية وحياتية وسط واقع إقتصادي مزر وصعب، لكن ثمة نكهة سياسية واضحة. فعلى سبيل المثال ستتحرك بعض وكالات السفر التي كانت تتولى تنظيم الرحلات الدينية الى إيران، وستطالب بإعادة تسيير خط الطيران المباشر مع طهران والسماح للشركات الإيرانية بالعودة الى مطار بيروت. وبغض النظر عن عناوين هذا التحرك إلا أن النكهة السياسية واضحة.
ما من شك أن السلطة اللبنانية في وضع لا تحسد عليه. فهي تقف في المربع الصعب كي لا نقول الخطر. فعلى المستوى الخارجي تبدو وكأنها باتت مطوقة، وعلى المستوى الداخلي بدت وكأنها محشورة. هو المربع الصعب من دون شك، وما زاد من خطورته أنها غفلت عن إنشاء أحزمة دفاع وحماية جدية لها، فبدت وحيدة وسط عواصف المنطقة. لقد اقترب فصل الشتاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى