
على عادته ووفق أسلوبه المشحون بالإثارة، دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أزمته مع إيران الى شفير الحرب قبل أن ينعطف فجأة معلنا منح المفاوضات فرصة أخيرة وغير مفتوحة. وهو ما يؤشر الى وجود قناة تفاوض جدية قائمة، ليس بالضرورة أن تؤدي الى إتفاق شامل، بل أغلب الظن الى تفاهم مؤقت يمنح الطرفين مزيدا من الوقت لإنجاز الصفقة الموعودة، رغم أنها ما تزال تبدو مستحيلة وفق المعطيات والتوازنات القائمة حاليا.
وبات معروفا أن الملفات الأساسية التي تتمحور حولها المفاوضات الأميركية_الإيرانية الصعبة تتركز حول البرنامج النووي وحرية الملاحة عبر مضيق هرمز وأذرع إيران في الشرق الأوسط. وقد يكون منطقيا الإعتقاد أن ترامب يريد إستنفاد ورقة “التهديد العسكري” حتى آخر رمق، تماشيا مع أسلوبه المعهود. فهو غالبا ما يرفع سقف التهديد الى مستويات شاهقة ليعود ويترك باب التسوية مفتوحا إذا شعر أن الطرف الآخر قد قدم على تنازلات. وهنا يصبح التأجيل جزءا من إستراتيجية تفاوضية عنوانها “الضغط كسبيل للتفاوض”، وليس تراجعا نهائيا.
ولكن لا بد من الإقرار في الوقت عينه أن إدارة ترامب باتت تواجه حسابات عسكرية أكثر تعقيدا، وتتعلق خصوصا بالكلفة السياسية والإقتصادية، وهنا باب القصيد. فالحسابات القائمة ضمن الدائرة المحيطة بالرئيس الأميركي باتت تنقسم حول السلوك الواجب إتباعه مع إيران. الجميع متفق على وجوب الإستمرار في المواجهة، ولكن هنالك من يفضل الضغوط ورفع كلفة المواجهة على قيادة الحرس الثوري كسبيل آمن ولو أنه سيحتاج لاستهلاك بعض الوقت، وهنالك فريق ثان يرى في عامل استنفاد الوقت مخاطر داخلية على الإدارة الجمهورية أيضا خصوصا في حال خسارة الحزب الجمهوري للإنتخابات النصفية ما سيعني نقل الصراع من الساحة الخارجية مع إيران الى الدائرة الداخلية مع كونغرس مشاغب، وبالتالي التآكل داخليا وخسارة كل شيء، وهو ما يقود هؤلاء الى ضرورة استباق التطورات والدخول في حرب أقوى، ما يؤدي الى فرض وقائع جديدة أمام الكونغرس القادم.
وكان لا بد من استشراف هذا التردد لإدارة ترامب إثر نتائج الزيارة السابعة “للحليف” بنيامين نتنياهو الى البيت الأبيض منذ بداية الولاية الثانية لترامب. فإذا جمعنا زيارة نتنياهو مع زيارة رئيس جهاز الإستخبارات الإسرائيلي والتي كانت سبقتها بأيام معدودة، يمكن قراءة المشهد أنه جاء على مرحلتين: المرحلة الأولى كانت استخباراتية لنقل آخر التقييمات حول إيران، وقدراتها العسكرية، وردود فعلها، وما إذا كانت مستعدة لتقديم تنازلات، إضافة إلى تقييم الوضع في لبنان وغزة. هذا النوع من الزيارات يكون عادةً لتوحيد “الصورة الاستخبارية” قبل اتخاذ قرارات سياسية كبرى. والمرحلة الثانية وكانت سياسية عبر لقاء نتنياهو مع ترامب والذي كان مخصصاً لترجمة هذه التقديرات إلى خيارات سياسية وعسكرية. ووفق ما نقلته مصادر مطلعة، نوقشت جميع الخيارات، من مواصلة الضغط، إلى المسار الدبلوماسي، وحتى الخيار العسكري، لكن لم يصدر قرار بالذهاب إلى ضربة فورية ضد إيران.
في ضوء ذلك، يمكن استخلاص عدة مؤشرات: لا يبدو أن هناك قراراً أميركياً بحرب شاملة الآن. بل إن إدارة ترامب تميل إلى استخدام التهديد العسكري كورقة ضغط من أجل دفع إيران إلى اتفاق سريع، وهو ما ينسجم مع إعلانه لاحقاً تأجيل الضربة وإعطاء فرصة للدبلوماسية.
فإسرائيل لم تتخلَّ عن الخيار العسكري. لكنها تدرك أن أي مواجهة واسعة مع إيران تحتاج إلى غطاء ودعم أميركي كامل، ولذلك يحرص نتنياهو على التنسيق الوثيق مع واشنطن.
وبالتالي فإن التباين في الأولويات، ليس بالضرورة خلافاً استراتيجياً. فترامب يبدو أكثر اهتماماً بإنهاء الأزمة إذا حصل على مكاسب يمكن تسويقها سياسياً، بينما يركز نتنياهو على ضمان ألا يخرج أي اتفاق يمنح إيران فرصة لإعادة بناء قدراتها.
لذلك، فإن القراءة الأكثر ترجيحاً حالياً هي أن زيارة نتنياهو لم تكن لإطلاق حرب جديدة، بل لتنسيق سقف الضغط على إيران وتحديد الشروط التي يمكن لإسرائيل أن تقبل عندها بأي تسوية، مع إبقاء الخيار العسكري قائماً إذا فشل المسار الدبلوماسي. وهو ما يشير الى أن ميول ترامب ماتزال لصالح الفريق الموجود داخل إدارته والذي يدعو لتشديد الضغوط على إيران والتلويح بالحرب ولكن ليس بالذهاب باتجاهها. ويضع أصحاب هذا التوجه الإستحقاقات الداخلية في طليعة حساباتهم.
فحسب شبكة الCNN المتناغمة مع الحزب الديمقراطي فإن تأييد الشارع الأميركي لترامب تراجع الى 34%، وأن 72% من الشريحة المعارضة له تبدي تذمرها من الوضع الإقتصادي. كذلك تشير الأرقام الى فارق بحدود العشر نقاط ما بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري (47% مقابل 37%). أضف الى ذلك أن إمساك ترامب بكامل مفاصل الحزب الجمهوري لم يعد قائما كما كان في ظل ارتفاع أصوات معارضة لسياسته، وهو ما أدى الى فشل ترامب في تمرير مرشحه لمنصب وزير العدل في لجنة العدل في مجلس الشيوخ بعد تصويت إثنين من الجمهوريين ضده.
ويتابع أصحاب هذا التوجه بأن 60% من الأميركيين باتوا يعارضون الحرب على إيران، خصوصا وأن ترامب كان قد وعدهم بحرب قصيرة لن تتجاوز الشهر الواحد. لذلك يوصي هذا الجناح بتشديد العقوبات على إيران كبديل عن الحرب المفتوحة، وفرض حصار بحري كامل ومتواصل لزيادة الضغط الداخلي على قيادة الحرس الثوري. ويدعم هذا التوجه مسؤولون سابقون وحاليون في المخابرات المركزية الأميركية والبنتاغون ووزارة الخارجية. فهم يعتبرون أن سياسة “الخنق الإقتصادي” هي الأكثر جدوى والأقل كلفة في المرحلة الحالية، وكبديل عن خيار تسليح المجموعات المعارضة لأنها منقسمة على بعضها وغير موحدة، وبالتالي فهي لا تستطيع أن تشكل تهديدا فعليا لسلطة الحرس الثوري. ولكن، يوصي هذا الفريق بأن يترافق الضغط الإقتصادي والحصار البحري الكامل مع غارات متقطعة تستهدف الجسور وشبكات النقل وحتى محطات تحويل الكهرباء خارج العاصمة طهران.
لكن للفريق المؤيد لتوجيه ضربة عسكرية قاصمة، وحهة نظر أخرى. فهو يعتقد أن قيادة الحرس الثوري تحمل مشروعا كبيرا يهدف للسيطرة على كامل مقدرات الطاقة في المنطقة، وهو ما سيجعلها تتحكم بنفوذ إقتصادي وسياسي واسع على المستوى العالمي في حال قدر لها النجاح بذلك، خصوصا بعد تمكنها من الحصول على السلاح النووي. ويعتقد أصحاب هذا التوجه، وهم من المعروفين بتأييدهم للوبي الصهيوني، أن إيران كانت تستعد لفرض نفوذها على منابع نفط المنطقة بالقوة العسكرية قبل أن تفاجئها أحداث السابع من أوكتوبر وما تلاه من هجوم على نفوذها الإقليمي ومن ثم عليها.
ويتذرع أصحاب هذا التوجه بنقتطتين أساسيتين لتأكيد وجهة نظرهم وهما: القصف العنيف الذي طال الكويت دون سواها خلال الأسابيع الماضية، والهجوم الذي نفذته مسيرات “مجهولة” على ميناء دمياط المصري.
فإيران كانت ارتكزت على سردية تفيد بأن استهدافها لبلدان خليجية يخضع لسببين: الأول هو وجود قواعد أميركية على أراضيها، والثاني تأييدها للإنخراط في مسار التطبيع مع إسرائيل. وقد يصح ذلك على العديد من الدول، لكن الكويت كانت عارضت وبشدة الإتفاقات الإبراهيمية. ولذلك يعتبر أنصار التيار الأميركي الداعي للحرب على إيران أن السبب الفعلي لاستهداف الكويت وبعنف دون غيرها يعود لأن إنتاجها النفطي لا سبيل لها لتصريفه سوى عبر مضيق هرمز، وهو ما يعني أن استهدافها هو بمثابة دعوة “نارية” لتنفيذ إتفاقات تمنح إيران موارد مالية أو ضمنا “شراكة” في الأرباح النفطية تحت عنوان “رسوم” للمرور عبر مضيق هرمز.
أما الهجوم على ميناء دمياط المصري، فهو حمل رسالة بأن إيران تستطيع إغلاق البحر الأحمر أمام محاولات استخدامه كممر رديف لتصدير النفط الخليجي. ذلك أنه من بين العوامل التي أدت الى التخفيف من أزمة النفط العالمية عند إعلان طهران إغلاق مضيق هرمز، تفعيل السعودية لخط أنابيبها من الشرق الى الغرب وصولا الى البحر الأحمر، متجاوزة ليس فقط مضيق هرمز بل أيضا باب المندب. وينقل هذا الخط حاليا حوالي سبعة ملايين برميل نفط يوميا عبر قناة السويس الى الأسواق الأوروبية. ومع هجوم ميناء دمياط أظهرت طهران أن عدد قليل من الطائرات المسيرة الرخيصة الكلفة، قادرة على إخضاع الإقتصاد العالمي، ما يؤدي لاستنتاج أصحاب هذا التوجه، أن الحرس الثوري سيبادر قريبا لخنق أسواق الطاقة تمهيدا لتوجيه ضربة إنتخابية قوية للحزب الجمهوري، ولتثبيت واقع جديد يقضي بالإعتراف بشراكة إيرانية غير منظورة لكافة منابع النفط الخليجية. ويوصي هؤلاء بضرورة عدم منح الحرس الثوري عامل الوقت، لا بل بالإندفاع باتجاه توجيه ضربات حربية للبنية التحتية الحيوية الإيرانية، وفرض واقع جديد يلزم الجميع بالتعاطي معه من المنطلق الحربي، لا كما هو الواقع الآن.
وسط هذا المشهد الإقليمي المعقد يبحث لبنان عن طريق للخروج من هذا المسنقع الذي قد يطول، من خلال إزالة خط التماس الحربي القائم في الجنوب بين إيران وإسرائيل، وخط التماس السياسي القائم في بيروت بين إيران عبر حزب الله والولايات المتحدة والسعودية عبر السلطة القائمة.
وغدا من المفترض أن تبدأ جولة التفاوض السابعة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في العاصمة الإيطالية روما. وتأتي هذه الجولة بعد القمة اللبنانية_الأميركية ووسط عض الأصابع القائم في الإقليم. وقد يحقق الوفد اللبناني الموسع مكاسب محدودة، ولكن ليس بالضرورة وفق ما يجري الترويج له وضخه في بعض الأوساط الإعلامية، وهي السياسة الإعلامية التي دأبت بعض الدوائر على اعتمادها رغم أنه سرعان ما يثبت عدم دقتها أو جديتها.
وإذا بقي التوتر الإقليمي تحت السيطرة، فقد تنجح واشنطن ومن خلال ضغطها على إسرائيل بتحقيق إنسحاب إسرائيلي من بعض النقاط التي لا تعتبرها تل أبيب ذات قيمة إستراتيجية مهمة. كذلك من المحتمل أن يجري توسيع وتفعيل الآلية الأمنية المشتركة، إضافة الى تسهيل بعض الملفات التي لديها جوانب إنسانية ووعوظ بإعادة إعمار مناطق محددة. لكن إذا تصاعدت حماوة المواجهة مع إيران فمن المرجح أن تعمد إسرائيل على تأجيل قيامها بأي تنازلات ولو كانت محدودة، لقناعتها بأن الخيار العسكري قابل للعودة سريعا. وباختصار فإن احتمال تحقيق تقدم محدود في روما أمر وارد، ولكن ليس التوصل الى اختراق كبير. كما أنه لا يجب وضع جانبا إحتمال فشل الجولة بالكامل، وذلك تبعا للتطورات الإقليمية.
لذلك تبدو الجولة السابعة في روما أقرب الى مرحلة اختبار نوايا أكثر منها الى تثبيت منعطف حاسم. والتقدم المحدود المتوقع سيمهد لجولات لاحقة تطال الملفات الأكثر حساسية، رغم أن القراءة الإقليمية والتي أسلفنا، لا توحي بمساحة تفاؤلية واسعة.
ثمة مقولة مفادها أن الثورة والثروة لا يتعايشان أبدا. فالثروة عامل جذب وإغراء للحالات الثورية على أنواعها. هكذا تصادمت باستمرار الثورة الفلسطينية في عزها أيام ياسر عرفات مع الثروات العربية على اختلافها وتنوعها، ووفق أساليب مختلفة معتمدة الساحة اللبنانية كساحة انطلاق وجهاد في هذا السبيل. وهنالك من يعتقد أن التاريخ يتكرر ولو بأوجه وعناوين مختلفة.


