
ما كاد إجتماع البيت الأبيض بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ينتهي حتى أعلنت إيران عن رفضها واعتراضها عن النتائج التي أسفرت عنه. وأتبعت طهران موقفها برسالتين حربيتين: الأولى عبر إطلاق صواريخ بالستية وبشكل مباغت باتجاه قاعدة جوية عسكرية أميركية في الأردن، والثانية عبر ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية عن استهداف مسيرة انتحارية لحزب الله لآلية هندسية إسرائيلية كانت تعمل في محيط تلة علي الطاهر. وعدا السلوك الهجومي التي باتت تعتمده طهران تجاه واشنطن خلال الأسابيع الماضية، فإن الرسائل الإعلامية والحربية تحمل مضمونا واحدا: إما تسوية بشروطنا وإما العودة الى التصعيد والذي سيطال هذه المرة الممرات البحرية للتجارة العالمية.
المناخ التفاؤلي الذي جرى ضخه في الأوساط الإعلامية اللبنانية إثر القمة اللبنانية_الأميركية والتي عقدت في البيت الأبيض، سرعان ما اصطدم بالواقع الصعب والمعقد في المنطقة والذي يتمحور حول إيران وصراعها مع الولايات المتحدة الأمريكية. وفي وقت يعول فيه لبنان الرسمي على إيجابيات ملموسة من الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية_الإسرائيلية تحت الرعاية الأميركية والتي ستعقد للمرة الثانية في روما، بدا إن الآمال ليست على قياس الواقع. صحيح أن التوقعات تبشر بتحقيق شيئا من التقدم، لكن الواقعية تحتم القول بأن هذا التقدم سيكون محدودا ومن دون اختراقات حقيقية.
خلال المفاوضات التي حصلت في واشنطن والتي شارك فيها الجيش اللبناني من خلال وفد كامل، مرة بشكل مستقل في البنتاغون ومرة أخرى الى جانب الوفد الديبلوماسي اللبناني في وزارة الخارجية الأميركية، بدا الوفد الإسرائيلي منزعجا بشكل كبير منه. يومها التزم الوفد العسكري باللاءات الثلاث التي عممتها قيادة الجيش: لا سلام، لا كلام إلا من خلال الوسيط الأميركي، ولا صورة. وخلال جلسة التفاوض الطويلة في البنتاغون حصل صدام أكثر من مرة، وفي وزارة الخارجية أبدى الوفد العسكري تحفظاته على العديد من البنود ولو لم يؤخذ بمعظمها. لأجل ذلك ربما، آثرت واشنطن (بناء على طلب إسرائيلي أغلب الظن) على إلحاق موفد عسكري بالوفد اللبناني في مفاوضات روما من خارج قيادة الجيش. لكن مسار التفاوض بدا صعبا وغير منتج وسط تفاصيل عسكرية لها علاقة بجغرافية المنطقة، وهو ما حتم دعوة الوفد العسكري “المزعج” للمشاركة من جديد. لكن هذه العودة ستكون “مزعجة” هذه المرة أيضا، ولو أن القرار النهائي يعود للوفد الديبلوماسي.
ووفق التمهيد الجاري، فإن الجولة التفاوضية السابعة في روما لن تكون حاسمة، بل جولة تقنية وسياسية في آن معا. إذ أن الهدف الفعلي لها تقييم المرحلة الأولى وعلى ضوء ذلك الإنتقال الى منطقة تجريبية جديدة تكون موسعة أكثر. لكن المآخذ التي يحملها الوفد العسكري اللبناني كثيرة، تبدأ مع المساحة الضئيلة التي شملها الإنسحاب الإسرائيلي ولا تنتهي مع التزام الجانب اللبناني بكافة المتطلبات ولكن من دون أي التزام إسرائيلي بدءا من مسألة وقف إطلاق النار.
وكان لافتا أن يبدأ بنيامين نتنياهو إطلاق النار السياسي قبل الذهاب الى لقائه بترامب في واشنطن. ففي موقف غريب أعلن بشيء من الوقاحة أن إسرائيل لم تنسحب من أي منطقة فعلية، وأن إحدى هاتين المنطقتين (فرون وزوطر الغربية) لم يتواجد فيهما أي جندي إسرائيلي من الأساس لكي يتم الإنسحاب منها. واعتبر بأن الترتيبات تشكل اختبارا لأداء الجيش اللبناني وليس تنازلا عسكريا. وخلال الأيام الماضية عمد الجيش الإسرائيلي على رفع مستوى الخروقات اليومية، والهدف واضح، وهو التأكيد على التمسك بحرية العمل العسكري بوجه ما يعتبره “تهديدات مباشرة”. وفي الوقت نفسه أعلن عن تمسكه بعدم الإنسحاب من أي نقطة داخل الخط الأصفر.
وبعد انتهاء اجتماع البيت الأبيض أعرب نتنياهو وكذلك ترامب عن حصول تفاهم كامل، لدرجة أن رئيس الحكومة الإسرائيلية إعتبره أحد أفضل الإجتماعات بينهما. وتردد في الأروقة الديبلوماسية أن ترامب طلب من نتنياهو عدم إفشال المسار الديبلوماسي القائم مع لبنان، مع الإبقاء على الضغط العسكري أو “حرية الحركة” ولكن عند مستوى لا يؤدي الى انهيار المفاوضات. وهو ما يعني أن الجانب الأميركي “متفهم” لحرية الحركة الإسرائيلية في جنوب لبنان ولكن على مستوى منخفض في المرحلة الراهنة.
ووفق هذه الأوساط، فإن التوقعات بأن يقدم الوفد الأميركي على الضغط على الوفد الإسرائيلي في روما لتقديم خطوات ميدانية ولو محدودة ما سيعتبر إنجازا بعد تصريحات نتنياهو الرافضة، وتخفيف بعض الإجراءات العسكرية، ولكن في مقابل الضغط على الوفد اللبناني للقيام بخطوات عملية على الأرض تثبت بسط سلطة الدولة في الجنوب. والمقصود هنا التحرك باتجاه مواقع محددة لحزب الله. ومن المنطقي الإعتقاد بأن أحد هذه المواقع سيكون تلة علي الطاهر حيث تركز القصف الإسرائيلي خلال الأيام الماضية.
ووفق هذه الصورة فإن نتنياهو يكون قد خرج بأوراق رابحة من اجتماع البيت الأبيض. فهو من جهة يريد تخفيض مستوى الحماوة في جنوب لبنان في هذه الفترة كي يستطيع التفرغ للضفة الغربية، على أن يعود الى جبهة جنوب لبنان بعد أسابيع معدودة وقبل دنو موعد الإنتخابات الإسرائيلية. وخلال هذه الفترة سيكون الجدل اللبناني الداخلي في أوجه حول ملف السلاح، ما سيسمح لإسرائيل بالتحرك باتجاه علي الطاهر.
ولاحظت أوساط عسكرية بأن التفجيرات الإسرائيلية القائمة بشكل مكثف تظهر وكأن إسرائيل تعمد الى فتح ممر للمجنزرات الإسرائيلية باتجاه تلة علي الطاهر. وجاء استهداف آلية لفريق الهندسة في الجيش الإسرائيلي كانت تعمل قرب تلة علي الطاهر من خلال مسيرة انتحارية لحزب الله، لتعزز هذا الإحتمال.
من هنا تبدو التوقعات حول مفاوضات روما مشوبة بالكثير من الحذر. أي تحقيق تقدم محدود وربما الإتفاق على خطوات تنفيذية جديدة أو جدول زمني إضافي لكن من دون اختراق حقيقي أو في العمق.
لكن الجانب التشاؤمي الأهم يبقى حول الصورة الملبدة في المنطقة. فالهدنة الهشة القائمة بين واشنطن وطهران تبدو وكأنها تترنح. لا بل فإن إيران باتت تعتمد سلوكا هجوميا، ما يوحي بأن حساباتها باتت تميل باتجاه الدخول في جولة جديدة ستنعكس نتائجها من دون أدنى شك على الإستحقاقين الإنتخابيين الأميركي والإسرائيلي. وبدا واضحا إثر فشل المقترح العماني، أن طهران لن تتخلى عن مضيق هرمز، وفي الوقت نفسه لا يستطيع ترامب خسارة معركته البحرية وسط التعقيدات الإنتخابية الداخلية التي بدأ يعانيها حزبه. لا بل أن طهران باتت تجاهر بحضورها المباشر في اليمن وتلويحها بإغلاق باب المندب، بخلاف أسلوبها السابق والذي كان قائما على التلطي خلف الحوثيين وقراراتهم المستقلة. ومع انسداد أفق الحلول التسووية فإن العد العكسي يكون قد بدأ باتجاه تفجير جديد مترافق مع أزمة إقتصادية عالمية أكثر حدة هذه المرة.
ولبنان يبقى الجبهة الأساسية في هذا الصراع العريض. فإذا اشتعلت في الإقليم فإن التجارب السابقة أظهرت أن الجبهة اللبنانية سرعان ما تعود الى الحرب. ولم تكن زلة لسان حين قال أحد مسؤولي حزب الله بأن قيادة الحزب لن تبقى مكتوفة الأيدي في حال تعرض إيران للإستهداف. ووسط كل ذلك، هل يمكن الرهان على نتائج إيجابية لحرب تحمل عناوين كبيرة ويعتبرها حزب الله وجودية من خلال خطوات محدودة وصغيرة كالتي يجري البحث بها؟
خلال الحرب التي عصفت بلبنان بدءا من العام 1975 واستمرت 15 عاما، حصلت عدة محطات تفاوضية شاركت فيها في كثير من الأحيان أطراف عربية وأخرى دولية، وتخللتها أوراق وصيغ عدة. وفي بعضها اقتراحات بمنطقة منزوعة السلاح تبدأ من وسط العاصمة ومن ثم تتمدد كبقعة الزيت لتشمل كل لبنان. وترافق ذلك مع هدن مؤقتة، ولكن سرعان ما تسقط لتندلع بعدها معارك أعنف. والتجربة اللبنانية المريرة أظهرت بوضوح أن حروبا تحمل عناوين كبرى لا يمكن وقفها بترقيعات تسووية لا تلامس الجوهر. والمقصود هنا، الى صياغة معادلة ثابتة وواضحة تقوم على أساس منتصر وخاسر، وتكرس واقع جديد وراسخ. ووفق الخبرة اللبنانية فإن “ترقيعة” وقف إطلاق النار القائمة الآن في المنطقة ولبنان لا تستند الى أسس صلبة، وهو ما يرجح احتمال خرقها للعودة الى جولة جديدة في توقيت معين وقد لا يبدو بعيدا، إلا إذا حصل تطور كبير على مستوى الأحداث، وقادر على إعادة خلط الأوراق من جديد. وبانتظار ذلك، لا بد من التحسب للأسوأ مع الأسف.


