مقالات صحفية

“حرب استنزاف تشمل لبنان” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

ليس من المبالغة القول بأن العالم وليس فقط الشرق الأوسط يتابع ما ستؤول إليه الأمور بين واشنطن وطهران. فالتحرك الأيراني باتجاه باب المندب والتلويح بإقفاله إضافة الى مضيق هرمز سيقود الإقتصاد العالمي الى أزمة حادة خصوصا على مستوى الطاقة. وفي ظل الرهان على عامل الوقت لدى كلا الطرفين تزداد التعقيدات ومعها يرتفع منسوب الخطورة. وكأن الأمور باتت عالقة بين استعصائين: استعصاء الذهاب الى جولة حربية حاسمة، واستعصاء العودة الى اتفاق يلبي شروط الجانبين.
تتفق الأوساط المراقبة بأن السيناريو الأكثر ترجيحا للمدى القريب ليس حربا شاملة ولا سلاما نهائيا، بل فترة من التفاوض المتزامن مع ضغوط عسكرية محدودة. أي مفاوضات تتخللها اشتباكات موضعية مع محاولة كل طرف تحسين أوراقه وموقعه التفاوضي. في الواقع فإن إدارة ترامب لا تملك سوى خيارين: الأول وهو الإندفاع باتجاه تصعيد الحرب بشكل كبير، والذهاب الى خيار بري محدود، من خلال الدفع بأكثر من مئة ألف جندي من القوات البرية بهدف السيطرة على مساحة كافية من الأراضي الأيرانية للسيطرة على مضيق هرمز ومناطق لحمايته والتي تمتد لأكثر من 600 كلم، مع ضرورة التوغل بعمق 50 كلم لتجنب خطر الصواريخ النضادة للسفن، كما تقول الأوساط العسكرية الأميركية. لكن هذا الخيار لا يبدو قابلا للتنفيذ. والثاني، بالتوصل الى حل سياسي واتفاق مع إيران، لكنه سيكون بالتأكيد أسوأ بكثير من الإتفاق النووي أيام باراك أوباما، والذي لطالما هاجمه ترامب.
عدا ذلك لا تبدو طهران في وارد ترك مضيق هرمز أيا تكن الأثمان. لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والذي يسافر اليوم الى واشنطن للقاء ترامب، يدفع باتجاه إما التركيز على تفجير النظام الإيراني من الداخل، أو الذهاب الى جولة جديدة من الغارات الجوية، لكن هذه المرة لاستهداف البنى التحتية الحياتية، أي الكهرباء والمياه والجسور والطرق.
في المقابل أرادت طهران من خلال استهداف الملاحة السعودية في باب المندب من خلال الحوثيين رفع كلفة الحرب عليها، وإبراز قدراتها العسكرية، وتحميل العالم أعباء النتائج التي سيؤول إليها الإقتصاد العالمي. وتأمل طهران عبر التلويح بإغلاف مضيق هرمز كما باب المندب إضافة الى توسيع دائرة إستهدافاتها الصاروخية، بخلق ظروف مختلفة تؤدي الى صياغة اتفاق “على قياسها”. لكن السعي لخنق ممر باب المندب يحمل تداعياته السلبية أيضا، كونه سيجعل دول الخليج موحدة ضد محاولة خنقها، وسيعتبر بمثابة إعلان حرب مفتوحة عليها، وهو ما قد ينعكس على مواقف باكستان ومصر وربما تركيا، ويؤدي لخارطة اصطفافات جديدة. تكفي الإشارة هنا الى البيان الصادر عن وزارة الخارجية الباكستانية والذي دان الحصار البحري الذي أعلنته جماعة الحوثي على السعودية، كون هذه الأفعال تهدد الأمن الإقليمي وتضعف حرية الملاحة. وأن أي اعتداء،على السفن التي تحمل العلم الباكستاني أو مصالح الملاحة البحرية الباكستانية سينظر اليه كتهديد على الأمن القومي الباكستاني ومصالحها السيادية. البيان تضمن تهديد باستخدام القوة العسكرية.
صحيفة “نيويورك تايمز” كانت قد كشفت بأن قرار البيت الأبيض بتجميد الهجمات العسكرية يعود للخشية من استنزاف المخزون الأميركي من صواريخ الباتريوت ومنظومات الدفاع الجوي، وهو ما يعكس الخشية من استنزاف عسكري طويل الأمد تسعى له طهران وسيؤدي لحشر الإدارة الجمهورية دون شك. قهذا الكباش الصعب القائم يحصل في موازاة معركة إنتخابية أميركية داخلية لا تقل صعوبة.
ففي آخر استطلاع أجرته صحيفة “واشنطن بوست” بالتعاون مع إيبسوس، ظهرت أرقام فاجأت الحزب الديمقراطي. فلقد سجلت بدء تقلص الفارق الذي كان قائما بين الحزبين، لا العكس كما كانت تأمل القيادة الديمقراطية. فنال الحزب الديمقراطي 48% من الناخبين المسجلين مقابل 45% للحزب الجمهوري. وكان الإستطلاع السابق والذي جرى في شهر أيار قد أعطى الحزب الديمقراطي 49% مقابل 44% للحزب الجمهوري. ووفق هذا الإستطلاع فإن الشعور الذي كان سائدا حول اكتساح ديمقراطي وموجة زرقاء لم يعد واقعيا. وفي العادة يخسر الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض أغلبية الكونغرس، وهو ما حدث في جميع الدورات منذ عام 1938 باستثناء دورتين فقط. أضف الى ذلك أن الحزب الديمقراطي يشهد هذه المرة اقسامات حادة بين التيار التقليدي والجناح اليساري وظهور وجوه نافرة. والحزب الجمهوري لديه مشاكله الإنتخابية أيضا خصوصا لناحية إنخفاض،نسبة الإقبال على التصويت، خصوصا من جانب أنصار MAGA. ووفق صحيفة بوليتيكو فإن استطلاعا جرى الأسبوع الفائت أظهر أن 37% فقط من أنصار ترامب يؤيدون استمرار الحرب مع إيران بعدما كانت النسبة في أيار 50%.
ربما لأجل ذلك باشر الحزب الديمقراطي حملة إعلامية ضد السياسة التي ينتهجها ترامب. وعلى سبيل المثال وزير الدفاع السابق ليون بانيتا تحدث عن “المأزق الأميركي” بسبب الحرب مع إيران، وقارنها بحرب فيتنام. وتابع شاكيا بأن الحرب تفتقر الى هدف واضح. وذهب أبعد من ذلك ليقول بأن ترامب في وضع لا يحسد عليه الآن، ويحاول تلمس أي مخرج. ويترافق ذلك مع بدء ظهور مخاوف لدى العديد من الجمهوريين.
ويوم الأربعاء الماضي، وخلال جلسة الإستماع في مجلس الشيوخ قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين والذي عمل سابقا في وكالة المخابرات المركزية ردا على سؤال من السيناتور الديمقراطي جاك ريد أن للقوة الجوية حدود، وأنه “علينا أن نضع ذلك دائما في عين الإعتبار”. أما مولروي وهو عمل كمساعد لوزير السابق لشؤون الشرق الأوسط فأشار الى أن خيارات واشنطن ليست جيدة. وأضاف: إذا سمحنا للإيرانيين ببيع نفطهم وإذا رفعنا قرار تجميد الأصول فسوف يستخدمونها لإعادة بناء قدراتهم العسكرية بشكل أسرع مما “نعيد إنتاج ذخائرنا الدقيقة والصواريخ الإعتراضية التي نستخدمها”.
ووفق ما تقدم يبدو المشهد مقفلا أمام الحلول، ليبدو وكأن الحرب قد دخلت مرحلة جديدة إنتقلت وفقها من محاولة فرض صدمة عسكرية أميركية سريعة، الى إدارة حرب استنزاف مفتوحة تتوسع جغرافيا كما تسعى طهران، ولكن مع كلفة سياسية واقتصادية مرتفعة، والسعي لإنهاك الخصم تدريجيا وإضعاف قدراته القتالية وتحمل التبعات الداخلية.
وهذا التأرجح الإقليمي ينعكس بدوره تأرجحا على مستوى الوضع جنوبا. فلا الحلول المطروحة تبدو واعدة، ولا العودة الى الحرب تبدو متاحة حاليا. لكن ثمة عوامل تلعب لمصلحة الحرب أكثر منه للتسويات الديبلوماسية. وفي طليعة هذه العوامل الإنتخابات الإسرائيلية. فالشارع الإسرائيلي يميل بغالبية واضحة للحلول الحربية في جنوب لبنان، وخصوصا سكان المستوطنات شمال إسرائيل والذين يشكلون القاعدة الإنتخابية لنتنياهو. وثمة نظرية تقول بأن نتنياهو قد يكون يفضل عودة الحرب الواسعة(مع لبنان وإيران) في أيلول المقبل، ما سيسمح له بتأجيل إنتخاباته الى ما بعد ظهور نتائج الإنتخابات الأميركية وبالتالي إعادة هندسة المشهد الحكومي الإسرائيلي وفق المعطى الأميركي الجديد.
حتى الآن لا يبدو التعاطي الإسرائيلي جديا مع موضوع المنطقة التجريبية. وبخلاف ما كان يحصل مع تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الجيش جنوب الليطاني، فليس هنالك من جهة ثالثة للتحقق، ولا وجود لانسحاب إسرائيلي جدي. لا بل فأن الحركة العسكرية الإسرائيلية تركز على عمليات الهدم وهو ما يشبه تأمين ممر للآليات باتجاه تلة علي الطاهر، ما يوحي بتحضير لاستكمال المعركة، والتي يأمل نتنياهو أن تؤدي السيطرة عليها، إمساكه بورقة إنتخابية مهمة في يده.
وثمة هدفا أبعد يريد نتنياهو إجهاضه قبل الوصول إليه، والمقصود هنا القوة الأوروبية المتعددة والتي تريد أن تحل مكان قوات اليونيفيل.
فالإتصالات الأوروبية أنتجت تفاهما بين فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا لإنشاء قوة أوروبية تحل مكان اليونيفيل. وحرصت هذه الدول الأوروبية على عدم “إثارة” واشنطن وذلك من خلال عدم التعاطي مع مسائل تتعلق بوقف النار أو بسلاح حزب الله. وهي عملت على وضع برنامج يمتد لثلاث سنوات يبدأ مطلع العام المقبل، وجرى توفير مئة مليون يورو سنويا حيث سيجري تخصيصها للقدرات العملانية للجيش اللبناني لملء فراغ الإنسحاب الإسرائلي، أضافة الى برنامج لمكافحة تهريب الأسلحة عبر الحدود مع سوريا. إضافة الى ذلك المساعدة في الحماية الفعالة والآمنة لكافة الساحل اللبناني. وجرى توزيع المهام بحيث تتولى ألمانيا موضوع الساحل اللبناني وهي التي كسبت خبرة طويلة من خلال وجودها الفاعل في اليونيفيل، وحيث تعمل منذ العام 2006 من ضمن تطبيق القرار 1701، وحيث ستنسحب آخر فرقاطة ألمانية تعمل تحت علم اليونيفيل في حزيران المقبل. أما فرنسا فستساهم عبر حضورها التاريخي في إعادة بناء المؤسسات الرسمية والمرافق العامة والبنى التحتية، وحيث تبدي ألمانيا اهتماما ببعضها كمثل الكهرباء. والحضور الأوروبي في لبنان بالغ الأهمية لأوروبا إن على المستوى الأمني أو الجيوسياسي. لكن إسرائيل لا تبدو مستعدة للإنسحاب من مواقعها التي أحتلتها وخصوصا ما بات يعرف بالخط الأصفر، ولا للقبول بالواقع الميداني الحالي والذي يتمسك به حزب الله ومن خلفه إيران. وهو ما يجعل الترجيحات تميل ناحية عودة العنف في الجنوب أكثر منه تثبيت التسويات المطروحة.
إيران تدرك أن ميزان القوى العسكري في المنطقة لا يميل لصالحها، لكنها تراهن على نقاط ضعف أعدائها. فالنظام الديني القائم يخوض حرب وجود لا حرب تسجيل نقاط، وهو متمسك بما تبقى له من حضور إقليمي وخصوصا من حضور عسكري على الساحة اللبنانية. لذلك يبدو الأفق مقفلا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى