مقالات صحفية

“قمة واشنطن: آمال وتحديات” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

سرقت القمة اللبنانية_الأميركية بين الرئيسين جوزف عون ودونالد ترامب، الأضواء كافة. فلقد أظهرت بشكل واضح تصميم البيت الأبيض على إدراج الملف اللبناني في أولويات اهتماماته، بعد أن كان التعامل مع لبنان كساحة للمقايضة بين القوى الإقليمية الكبرى طوال العقود والمراحل الماضية. وقد أشار الرئيس الأميركي لهذا الجانب بوضوح حين اعترف بأن لبنان بلد تعرض لسوء المعاملة، وأن الأمور ستتغير، وسيجري التعامل معه بطريقة جيدة ووفق الإحترام الذي يستحق.
وهذا الكلام الصريح، هو الأول من نوعه لرئيس أميركي، والذي يحمل اعترافا ضمنيا بأن النظرة الى لبنان لم تكن قائمة على أساس أنه بلد مستقل وقائم بحد ذاته، بل أنه كان مجرد “سلعة” في سوق التسويات والصفقات السياسية في الشرق الأوسط. وأهمية هذه الإشارة تكمن في توقيتها، وسط الصراع القائم بين واشنطن وطهران، والذي سيفضي في نهاية الأمر الى ترتيب تسوية سياسية عريضة.
وألحق ترامب كلامه بإشارة ثانية خص بها حزب الله عندما قال بأنه قد يتحدث اليه إذا طلب منه عون ذلك. وقرأ البعض في أشارته هذه إقرارا أميركيا بأن التسوية السياسية النهائية ستشمل حزب الله ولكن بعد أن يكون قد خلع ثوبه العسكري، واتبع ذلك بتحية للرئيس نبيه بري. لكن الرئيس الأميركي عاد وكرر تلميحه بأنه قد يطلب مساعدة الرئيس السوري أحمد الشرع. وحمل كلامه هنا عنوانين: الأول للقول بأنه سيستخدم كل الوسائل لإنهاء الدور العسكري لحزب الله، أو بتعبير أدق إزالة النفوذ الإيراني من لبنان. والثاني باتجاه السلطة اللبنانية في حال استمرت في مراوحتها لحسم أمرها في هذا الإتجاه. مع العلم بأن الرئيس اللبناني كان مهد لزيارته بالإشارة بأنه سيبدي في واشنطن معارضته لأي توجه يتضمن الإستعانة بقوات سورية للتدخل في لبنان.
لكن إشارات ترامب لم تحجب التركيز على الملفات الأساسية الثلاث، وهي: ملف الإحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، وملف حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، والملف الإقتصادي والإنمائي. فالرئيس الأميركي لم يتحدث صراحة عن إنسحاب إسرائيلي كامل من لبنان. لا بل هو استخدم تعبير “إعادة الإنتشار”. والفارق كبير ما بين الإثنين. فالإنسحاب هو تعبير حاسم وجازم، أما إعادة الإنتشار فهو تعبير مرن وغير واضح. وقبل ترامب كان وزير الخارجية ماركو روبيو قد أغفل الحديث عن الإنسحاب الإسرائلي خلال لقائه بالرئيس عون، وهو الإجتماع الذي اعتبر تمهيديا لاجتماع البيت الأبيض. ولم يظهر أي تعبير يشير صراحة الى موعد الإنسحاب الإسرائيلي أو حتى الى ممارسة ضغوط على إسرائيل. ولكن هذا لا يعني بالضرورة رفض واشنطن له، خصوصا وأنه يشكل بند أساسي من إتفاق الإطار والذي تتبناه واشنطن وتعلن دعمها له. لكنه ربما يؤشر الى أن الأولوية تبقى لمعالجة سلاح حزب الله واستعادة الدولة اللبنانية لسلطتها بقواها الذاتية على كافة المساحة اللبنانية. وجاءت خطوة “المنطقة التجريبية” لتضع علامات إستفهام كثيرة حول الخطوة الثانية، والنوايا الحقيقية لإسرائيل حيال تطبيق الأتفاق الإطار، خصوصا في ظل ثغرات عدة ظهرت، وارتياب لبناني من الأفخاخ التي تعمل إسرائيل على زرعها. فاسرائيل التي عمدت الى تقليص مساحة المنطقة التجريبية بشكل يخالف المطلب اللبناني والقائل بضرورة توسيعها ضمانا لنجاحها، أجهضت كل الإقتراحات حول تحديد الجهة التي يجب أن تتولى الإشراف وضمان انتشار الجيش في المنطقة. وكان لبنان قد اقترح جهات دولية عدة بدءا من الأمم المتحدة، ومرورا بباكستان وفرنسا وإيطاليا، في ظل إحجام الولايات المتحدة الأمريكية عن القيام بهذا الدور. وأبدت إسرائيل موافقتها الأولية على إيطاليا قبل أن تعود وتتراجع لاحقا. واللغم الذي زرعته إسرائيل هنا بأنها قادرة في أي لحظة على القول بأن حزب الله عاد الى هذه المنطقة، وليستعمله كذريعة لاستئناف إعتداءاته. وإسرائيل كانت قد انتهجت هذا الأسلوب خلال عمل الجيش جنوب الليطاني في إطار إنهاء المرحلة الأولى من خطة الجيش اللبناني. وهو ما يرفع من مستوى الحذر اللبناني إزاء ما تخطط له إسرائيل، خصوصا وأنه بات معروفا على نطاق واسع بأن نتنياهو يريد إستئناف الحرب وفق التوقيت الإنتخابي الذي يلائمه.
والملف الثاني وهو المتعلق بسلاح حزب الله. وهو يرتبط بموضوع الجيش ودعمه وسط الظروف الصعبة التي يمر بها. وتردد أن الرئيس اللبناني حمل معه الى واشنطن خطة مكتوبة ومفصلة ترتكز على الخطة التي كان قدمها الجيش الى مجلس الوزراء وتتضمن خمس مراحل، وحيث جرى تحديثها وإدخال تعديلات عليها تتلاءم والتطورات التي طالت الساحة اللبنانية. في المقابل فإن إدارة ترامب كانت تطالب بخطة مفصلة تتضمن تفاصيل محددة ومهل زمنية واضحة حول تفكيك التركيبة العسكرية لحزب الله، إضافة الى إبعاد بعض الضباط الذين لديهم علاقات مع حزب الله لاسيما داخل الأجهزة الأمنية. وجاءت العقوبات الأميركية على ضباط في الجيش والأمن العام في هذا السياق. وكذلك جاء في هذا الإطار ما كان أشار إليه روبيو في وقت سابق حول إنشاء قوة خاصة داخل الجيش يجري تجهيزها وتدريبها وتسليحها، على غرار قوة “دلتا”، وتتولى مهام محددة. لكن قيادة الجيش رفضت المقترح من أساسه، واعتبرته بمثابة الإهانة، خصوصا وأن الجيش نفذ مهامه بجدارة جنوب الليطاني، رغم افتقاده الى المعدات والتجهيزات اللازمة، ما أدى الى سقوط العديد من أفراده أثناء قيامهم بمهامهم.
ومن هذه الزاوية دعا ترامب لدور سوري لإنهاء ملف سلاح حزب الله، وهو ما كرره خلال الإجتماع بالرئيس اللبناني في البيت الأبيض. وثمة اقتراح جديد يدعو لتعاون لبناني_سوري لمعالجة هذا الملف كبديل عن دعوة الشرع لإرسال قواته الى لبنان. وظهر اقتراح يقضي بقيام الرئيس اللبناني بزيارة دمشق للقاء نظيره السوري والتباحث في هذا الملف، خصوصا وأن السلطات السورية بدت ناشطة خلال الأيام الماضية في الإعلان عن اكتشاف شحنات أسلحة يجري تهريبها الى حزب الله. ولا بد من الإشارة الى أن شيء ما قد تبدل على المستوى السوري بعد إجتماع أنقرة بين الرؤساء الأميركي والسوري والتركي. فبعد ذلك جرى “إكتشاف” تهريب أسلحة لحزب الله مموهة داخل صهريج في منطقة التنف، وتلاها اكتشاف آخر. وقد ترافق ذلك مع بيان سوري رسمي صيغ بعبارات نافرة.
أما الملف الثالث والمتعلق بالمساعدة في إعادة تنشيط الإقتصاد اللبناني والقطاعات الحيوية والخدماتية والتي حمل الرئيس اللبناني ملفاتها الى واشنطن فإن الجانب الأميركي بات يفصل ما بين مساعدة لبنان من خلال دعمه ماليا كما كان يحصل في الماضي والإنتقال الى مرحلة جديدة تعتمد على تنشيط الإقتصاد اللبناني من خلال الإستثمارات والمشاريع الكبرى. وفي وقت أثنى الجانب الأميركي على الخطوات التي قام بها لبنان في مجال الإصلاحات المالية والمؤسساتية إلا أنه اعتبر بأنها غير كافية وأنه يجب إستكمالها بخطوات إضافية لتطال كامل الإصلاحات المطلوبة على المستويات المالية والقانونية والمؤسساتية، إضافة الى ضمان فرض الدولة لكامل سلطتها داخليا، ما سيشكل مدخلا آمنا للإستثمارات والتي ستعمل واشنطن حينها على دعمها وتشجيعها.
ما من شك أن القمة اللبنانية_الأميركية في البيت الأبيض تشكل مفصلا مهما ومحطة تاريخية في المسار اللبناني، لكن العبرة تبقى في التنفيذ، خصوصا وأن لإسرائيل حساباتها المختلفة، ولإيران معركتها الكبرى والتي تشمل لبنان كأحد أبرز ساحات معاركها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى