أخبار محلية

الحرب على هيكل بدأت… عقوبات وتهيئة ظروف إقالته؟

بات من الواضح أن هناك من يحفر لقيادة الجيش، ببساطة لأنها ترفض مواكبة “التغييرات السياسية” الجارية وأهمها المفاوضات الجارية مع الإسرائيليين في واشنطن. والحفر هنا يحصل داخلياً وخارجياً، ويهدف إلى إغراق الجيش بسيل من التناقضات والتباينات، سواء السياسية منها أو الإدارية، بين أركانه.

ما يزيد الأمور حدة أن قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، لا يتجاوب مع الضغوط أو الرسائل التي تصله، حتى إنه لا يلتفت إلى كثير من التحذيرات، ومنها ما يلوّح بفرض عقوبات، ليس على قيادة الجيش فحسب، بل على المؤسسة العسكرية ككل. ووصل الأمر مؤخراً إلى حد “التسميع” بأن ثمة ضباطاً باتوا “تحت المجهر الأميركي”، والتذكير بما واجهه بعضهم من عقوبات الشهر الماضي. ويحلو للبعض، ولا سيما اللبنانيين الأميركيين وأولئك الناشطين في لوبيات ضغط أميركية ذات ميول صهيونية، ابتزاز الجيش بفتات المساعدات التي تمنحها الإدارة الأميركية، عبر تسريب معلومات إلى الإعلام اللبناني تفيد بأن تلك المساعدات سيتم تجميدها بسبب السياسات التي تعتمدها القيادة، ولأن الجيش اللبناني لا يمارس قدراً من التعاون بوصفه شريكاً للولايات المتحدة. كما يعمل آخرون على خط الكونغرس الأميركي، مستخدمين علاقاتهم مع بعض أعضاء مجلس الشيوخ، للضغط في اتجاه تجميد المساعدات والغاء أخرى وأيضاً تجميد برامج تدريب وتعاون، بهدف دفع القيادة إلى تعديل مواقفها. ووصل البعض إلى مرتبة إقناع أعضاء في مجلس الشيوخ، بإقرار تشريعات تمنح الإدارة الأميركية الحق في التدقيق بضباط وعناصر الجيش وتحديد معايير الإستفادة من البرامج والمساعدات.كل ذلك يحصل، ببساطة، لأن قيادة الجيش أبلغت السلطة السياسية بأنها تلتزم عقيدة المؤسسة العسكرية وقوانينها، وهذه الأدبيات لا تسمح لها، على سبيل المثال، بالدخول في نقاشات مباشرة مع الإسرائيليين على هامش المفاوضات الجارية في واشنطن، ببساطة لأن إسرائيل مصنفة عدواً. وليس من الوارد أن يتصرف الضباط اللبنانيين مع الإسرائيليين كأنهم أصدقاء، فيما هؤلاء يتناوبون على قتل الضباط والجنود اللبنانيين. كما أن الجيش لا يستطيع، بموجب القوانين النافذة، الدخول في آلية تنسيق مباشرة مع الإسرائيليين، ولا إجراء مفاوضات علنية معهم، لأن ثمة نصوصاً قانونية واضحة تمنع ذلك، وقد تُستخدم لاحقاً لملاحقة القيادة أو الضباط. وإذا كانت السلطة تريد من الجيش الذهاب بعيداً في المفاوضات، فعليها أولًا تعديل القوانين، أو منحه تفويضًا سياسيًا كاملًا يحظى بموافقة جميع الأطراف.

غير أن الوفد العسكري فوجئ، فور وصوله إلى واشنطن، بإلزامه المشاركة في الجلسات تحت إمرة الوفد السياسي، وتلقيه التوجيهات والأوامر منه، وهذا ما زرع بذور خلاف بين الوفدين السياسي والعسكري في الولايات المتحدة، ودفع واشنطن، أمام تصلب موقف الجيش في رفض التعاون المباشر أو التنازل عن بنود، إلى تجاوزه والتواصل مع قصر بعبدا وممارسة ضغوط مباشرة عليه للتأثير على الوفد العسكري

قبل سفرهم إلى واشنطن، تلقى الضباط المشاركون توجيهات تتمحور حول “آداب” التفاوض مع الإسرائيليين. وكان من أبرزها أن يكون النقاش، قدر الإمكان، غير مباشر؛ أي عبر الأميركيين، مع الحد من فتح قنوات الحوار مع الإسرائيليين، وهو ما لم يرق للطرفين معاً. مراجع جغرافية

وخلال وجود الوفد العسكري في واشنطن، حاول الأميركيون والإسرائيليون إحراج الجيش، الرافض للتنسيق المباشر مع الإسرائيليين، عبر تسريب معلومات مدروسة تفيد بأن إسرائيل انسحبت من بعض النقاط تنفيذاً لتفاهمات جرى التوصل إليها في واشنطن خلال المفاوضات مع اللبنانيين. إلا أن قيادة الجيش، بعد تواصلها مع أعضاء الوفد العسكري، تلقت نفياً قاطعاً من الضباط لأي علم بهذا الاتفاق. وعندما طلبت القيادة استطلاعاً ميدانياً لجنوب الليطاني، والحصول على معطيات من الوحدات العسكرية المنتشرة هناك، أكدت التقارير عدم حصول أي تغيير جغرافي يُذكر في تموضعات جيش الإحتلال الإسرائيلي، بل أشارت إلى أن القوات الإسرائيلية تحاول التقدم نحو مناطق جديدة، ولا سيما في قطاع مرجعيون.

وعليه، خلصت القيادة إلى أن الأميركيين والإسرائيليين يحاولون توريط الجيش وإدخاله إلى ما يسمى “المناطق التجريبية” من دون اتفاق مسبق، ثم الادعاء بأن ذلك جرى بالتنسيق مع الإسرائيليين، بهدف إحراجه. إلا أن الجيش تعامل مع الأمر بطريقة مختلفة، فسرب أنه لم يُبلّغ بأي اتفاق، نافياً المزاعم التي تحدثت عن انسحابات إسرائيلية.

في هذا الوقت، جرى تسويق رواية مفادها أن قيادة الجيش ترفض الإذعان للقرار السياسي اللبناني وإلى نتائج المفاوضات، وتمارس نوعاً من الاستقلالية عن القرار السياسي اللبناني، وأن هذا السلوك سيرتب إجراءات بحق المؤسسة العسكرية بسبب مواقف قيادتها. وذهب البعض إلى التلويح بعقوبات، بل وإلى الحديث عن احتمال دخول الولايات المتحدة على خط المطالبة بإقالة قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، بوصفه المسؤول عما يجري.

وأكثر ما أثار قلق هؤلاء، تعمد قائد الجيش تجاهل النصائح التي تصله، وإصراره على زيارة مناطق خطوط التماس في الجنوب، من دون أي تنسيق مع الإسرائيليين، خلافاً لما يرغب الأميركيون.

هذه الضغوط المتصاعدة قد تصل إلى مرحلة ممارسة الضغط على رئيس الجمهورية، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، باعتبار أن العماد هيكل يُحسب عليه، بهدف دفعه إلى إقالته أو الضغط عليه لتقديم استقالته. إلا أن رئيس الجمهورية، حتى الآن، يرفض التعاطي مع قيادة الجيش وقائدها بمنطق الضغط أو الكسر، ويؤكد أنه الأدرى بشؤون المؤسسة العسكرية، وأنه سيعمل على إيجاد الحلول المناسبة، وإن كان ذلك يحتاج إلى بعض الوقت.

عبدالله قمح- المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى