مقالات صحفية

“أفول حقبة “جبهة” الجنوب؟” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

إختلطت الأمور دفعة واحدة بالنسبة للبنان ما بين مفاوضات بورغنشتوك ومفاوضات واشنطن، ما بين خلية سويسرا وخطط التنفيذ الجاري طرحها على طاولة التفاوض في وزارة الخارجية الأميركية، وما بين تهليل إيران بعودتها الى الساحة اللبنانية وبين تأكيد الرئيس الأميركي ونائبه بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار والمبادرة. البعض ذهب للحديث عن “صفقة تلزيم” جديدة للبنان لصالح إيران، والبعض الآخر إعتبر أن كل ما حصل لا يعدو كونه فقاعات إعلامية. ومعه يصح طرح السؤال: ماذا حصل بالفعل؟ وإذا كانت “الصفقة” تمت حقا في بورغنشتوك فما الجدوى من مفاوضات واشنطن إذا؟
تجمع الأوساط المراقبة على اختلافها بأن ما حصل في سويسرا كان بمثابة إطار جرى وضعه للإنطلاق في مفاوضات الشهرين المقبلين وهي مهلة قابلة للتمديد. وهذا الإطار تضمن 14 بندا شكلوا البنية الأساسية للمفاوضات التي سينتج عنها الإتفاق النهائي. صحيح أن احتمالات الخلاف موجودة، لكن التفاهم على ورقة البنود ال14 يؤسس لطريق العودة من الحرب، وفي الوقت نفسه يظهر وجود قناعة ذاتية لدى كل من واشنطن وطهران للشروع في تسوية عريضة تؤسس لمسار سياسي جديد بين البلدين، وترسم ملامح خارطة جديدة للنفوذ السياسي في المنطقة وقيام معادلة جديدة على أنقاض معادلة الصراع السابقة والتي عرفت بمحور المقاومة والمحور المواجه له.
وباكرا باشرت عواصم المنطقة قراءة خلفيات هذه الإنعطافة الكبيرة والصادمة التي نفذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب والتي لاقاه فيها النظام الديني في إيران. ووفق القراءة الأولية فإن الرئيس الأميركي وجد نفسه أمام جملة معطيات دفعته لتبني خيار التسوية على الإستمرار في الحرب. وهو بذلك تبنى موقف الفريق الذي كان يدفع في هذا الإتجاه وعلى رأسه نائبه جيه دي فانس والفريق المفاوض ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، على حساب الفريق الذي كان يتمسك بوجوب إتمام المهمة الحربية لتحقيق الأهداف المرسومة، وعلى رأس هذا الفريق وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيت والفريق المؤيد لإسرائيل. والنقاط التي ارتكز عليها الجناح المؤيد لإبرام الصفقة أن سير العمليات العسكرية أظهر أن الحرب ستطول كثيرا قبل تحقيق الأهداف بخلاف ما كان متوقعا مع إطلاق الحملة العسكرية. ففكرة إسقاط النظام جرى استبعادها خلال الأيام الأولى للحرب مع صرف النظر عن فكرة الإستعانة بالأكراد، وجرى استبدالها بفكرة ترويض أو تطويع النظام من خلال إزالة الطبقة الطبقة الحاكمة عبر إغتيال أفرادها. لكن تبين مع تقدم الوقت أنه كلما أزيلت طبقة من قيادات النظام ظهرت طبقة جديدة تكون في بعض الأحيان أكثر تشددا من سابقتها. كما أن الرهان على انتفاضة شعبية سقط بدوره بعدما تجاوز الشعب إنقساماته الداخلية واضعا ولاءه القومي في المرتبة الأولى. وبالتالي ظهر أن فكرة تفكيك النظام من الداخل هي فكرة عبثية. وعندها انتقل البيت الأبيض الى خيار الذهاب الى الحسم العسكري الساحق. وبالفعل أدت الهجمات الجوية الأميركية والإسرائيلية الى تدمير معظم المصانع والمنشآت العسكرية الإيرانية. لكن طهران كانت تنجح في إعادة إنتاج وتجديد مسيراتها وقدراتها الصاروخية. والأهم أن مخازن صواريخ الدفاعات الجوية بدأت تصل الى حدودها الدنيا وهو ما يعرض الأمن الدفاعي الأميركي للخطر، إضافة الى تراجع مستويات الإحتياطي النفطي العالمي وهو ما يضع العالم كله أمام أزمة طاقة خطيرة. لأجل كل ذلك “سئم” ترامب الإستمرار في حربه، ومفضلا الذهاب الى تسوية عريضة تسمح بالرهان على اجتذاب طهران لإعادتها مستقبلا الى المدار الأميركي بعد حوالي 48 سنة من العداء، وفي الوقت نفسه فتح أبواب التفاهمات الإقتصادية والتي بات النظام الإيراني يحتاجها بشدة استباقا لأي احتجاجات قد تحصل بسبب الشلل الذي أصاب الدورة الإقتصادية والحياتية. وترامب هو رجل أعمال وصفقات، وهو في الوقت نفسه لا بد أنه يراهن على إعادة شبك الإقتصاد الإيراني بالإستثمارات الأميركية ما سيشكل قاطرة متينة لإعادة تثبيت إيران في المدار الأميركي. لذلك اتهم الفريق المعارض لورقة سويسرا ترامب بأنه يفاوض إيران بعقلية التاجر وليس أكثر. أي أنه يقايض الأصول المجمدة بالصويا، وتحويل التهدئة وإنهاء المواجهات مع إيران الى مكاسب مالية واقتصادية مباشرة. وهو ما يترجم رؤيا ترامب للسياسة الخارجية من زاوية الصفقات لا من زاوية الإيديولوجيات والمبادىء العقائدية.
كما أن ترامب وقبل حسم قراره، كان أجرى إتصالا مشتركا جمع العديد من قادة المنطقة المعنيين بالحرب القائمة، وجاءت أغلب الأصوات لصالح الذهاب باتجاه خيار التسوية. وحتى الدولتين اللتين كانتا مترددتان باتجاه هذا الخيار، عادتا وأيدتا هذا الخيار. لكن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بقي لوحده معارضا، وهو ما دفع بترامب لإجراء مكالمة ساخنة معه مستخدما خلالها عبارات غير مألوفة في التخاطب بين زعماء الدول. ولاحقا عمد نتنياهو الى تسريب المحادثة لأهداف إسرائيلية داخلية.
في بورغنشتوك تمحورت المفاوضات حول نقاط خمس أساسية: _البرنامج النووي وضرورة حسمه نهائيا. وهذا الملف كان محط إصرار كبير من جانب ترامب، وهو الساعي لأن يعمل على تسويقه داخليا بأنه حقق اتفاقا أفضل من ذاك الذي وقعه سلفه باراك أوباما وعمد ترامب الى تمزيقه في مطلع ولايته الأولى.
_مضيق هرمز، وهي الورقة التفاوضية الجديدة بيد طهران بعد أن ظهر مدى أهميتها ليس على مستوى المنطقة بل على المستوى العالمي.
_المسائل المالية الإيرانية والمتعلقة بالعقوبات والأرصدة المجمدة، وهو البند الذي يشكل الأولوية القصوى والملحة لإيران.
_الملف المتعلق بالأمن الخليجي والمخاوف التي تشكلها إيران على أمن الدول الخليجية التي استهدفت بالصواريخ والمسيرات الإيرانية.
_الملف اللبناني، وهو الذي أصرت عليه إيران بشدة، ولو أنه جاء في المرتبة الخامسة.
وفي الشق اللبناني والذي حاول الفريق التفاوضي الأميركي التملص منه وتركه للمسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل في واشنطن عملا بمبدأ فصل المسارين، تم التفاهم في نهاية الأمر على جملة عناوين، وفق أوساط ديبلوماسية عربية معنية. وجاء في مقدمتها إعلان وقف إطلاق نار شامل. وترافق ذلك مع تفاهم أميركي_إيراني على إقفال ملف السلاح الثقيل لحزب الله في لبنان، والمقصود هنا الصواريخ البالستية والدقيقة وتلك التي تطال الداخل الإسرائيلي، وهو ما سيمنح إسرائيل الضمانة الأمنية لانسحابها من الجنوب. إضافة الى شروع الجيش اللبناني في تأمين كامل منطقة جنوب الليطاني من السلاح، وبضمانة إيرانية. ولهذه الغاية جرى تشكيل ما بات يعرف بخلية سويسرا للإشراف على تطبيق هذه البنود. أما شمال الليطاني فسيكون المحطة التالية بعد إتمام مرحلة جنوب الليطاني. ولهذه الغاية سيجري تعزيز قدرات الجيش اللبناني من خلال مؤتمر دعم سيعقد في باريس، إضافة الى تشكيل قوة متعددة الجنسيات ستواكب عمل الجيش في الجنوب. كما أن واشنطن ما تزال متمسكة بتدريب وتجهيز قوة الجيش التي ستتولى الإنتشار في الجنوب منعا لأي ثغرات يمكن أن تحصل. واللافت أن المسيرات التي بحوزة حزب الله لم يجر تصنيفها كسلاح ثقيل يستوجب تسلسمه في المرحلة الأولى. وجرى اعتباره كسلاح دفاعي إزاء ما جرى اعتباره كمخاطر وجودية ممكن أن تتعرض لها البيئة الشيعية، أكان من جانب إسرائيل أو من جانب سوريا. وأن هذا التسليم سيحصل في الفترة اللاحقة بعد أن تكتمل قوة الجيش اللبناني. وخلال هذه الفترة سيجري رعاية حوار لبناني داخلي يشمل التفاهمات المطلوبة ولكن من دون المس بأي حرف من إتفاق الطائف وتوازناته. ربما تذهب الأمور الى ولادة حكومة جديدة، ولكن بعد الإتفاق مسبقا على البرنامج الذي ستتولى تطبيقه تجنبا لأي مفاجآت غير سارة قد تظهر لاحقا. وجرى اعتبار الإقرار بمبدأ تسليم السلاح الثقيل تطور كبير، وإشارة بإخراج لبنان من المرحلة العسكرية السابقة وإدخاله مرحلة جديدة سياسية بالكامل.
وبذلك تكون مفاوضات سويسرا قد رسمت السقف، أما مفاوضات واشنطن فستتولى السبل التطبيقية.
لكن هذا يعني أن منطق التفاهمات والتسويات سلك دربه؟ بالتأكيد لا. فالمخاطر ما تزال ماثلة، وأبرزها إثنين: مخاطر إيرانية داخلية، ومخاطر إسرائيلية.
فعلى المستوى الإيراني كانت برزت مواقف مناهضة لورقة التفاهم عبر مجموعات متشددة وتيارات سياسية مختلفة. ومن هنا تحذير الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من الخطابات التي “تثير الإنقسام” في أول موقف له بعد انطلاق مفاوضات بورغنشتوك. وما لفت أيضا تولي رجالات الحكومة مهمة التفاوض والدفاع عن الإتفاق، بينما احتفظ المرشد والحرس الثوري بموقع المراقب والداعم المشروط، وهو ما يسمح أيضا بهامش واسع للمناورة. فالمرشد أعطى موافقته وغطاءه للمسار التفاوضي، ولكنه حرص على التأكيد أن الحكومة والمجلس الأعلى للأمن القومي يتحملان المسؤولية الكاملة عن نتائج المفاوضات مع إدارة ترامب. وهو ما يعني الفصل بين السماح بالمفاوضات وبين تحمل تبعاتها.
أما على المستوى الإسرائيلي فيبدو المشهد أكثر تعقيدا وصعوبة وخطورة. ففي آخر أستطلاع أجرته الجامعة العبرية في القدس وشمل 3644 مشاركا، ما يعني مشاركة واسعة نسبيا، تبين أن 92,1% يعتبرون أن إيران خرجت رابحة من الحرب أو التسوية التي تلتها. و82,9% إعتبروا أن الحرب أضعفت الأمن الإسرائيلي على المدى البعيد. و72,5% لا يصدقون نتنياهو بأن إسرائيل حققت أهدافها الإستراتيجية. و87,2% يعتقدون أن أهداف الحرب لم تتحقق بالكامل أو تحققت جزئيا فقط. و48,2% يؤيدون استئناف عمل عسكري واسع ضد حزب الله، حتى ولو أدى ذلك الى صدام سياسي مع ترامب.
ماذا تعني هذه النتائج بالنسبة للبنان؟ هي تعني أن هامش المناورة أمام نتنياهو أصبح ضيقا، ما يجعله أكثر ميلا للتشدد في لبنان، لإظهار أنه لم يتراجع أمام الضغوط الأميركية والإيرانية. صحيح أنه ليس هنالك رغبة عالية بالعودة الى الحرب المفتوحة، لكن نتنياهو قد يكون يميل لاستمرار الضربات والضغوط الأمنية في جنوب لبنان. ذلك كلما شعر نتنياهو أنه خسر سياسيا أمام ناخبيه كلما ارتفع احتمال استخدام الساحة اللبنانية لإثبات استمرار حرية العمل العسكري. من هنا استمرار الإستهدافات الجوية الإسرائيلية مع التشدد في شروط حرية الحركة العسكرية في مفاوضاته مع الوفد اللبناني في واشنطن.
وهذا المزاج الإسرائيلي لا يشير الى قبول سهل بالتسوية، بل الى شعور بالإحباط من نتائج الحرب، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة في لبنان أكثر حساسية، كون نتنياهو سيسعى للتعويض سياسيا عبر التشدد الميداني والتفاوضي، حتى ولو بقي ملتزما بعدم الإنزلاق الى حرب شاملة. ومن هنا كلامه بالأمس حول تمسكه بالشريط الأمني طالما بقي في رئاسة الوزراء. وهو كلام إنتخابي ولكنه ملزم بتطبيقه أقله من الآن وحتى موعد الإنتخابات. والأهم إعتباره أن مهمة إسرائيل العسكرية لم تنته بعد في لبنان وأنه ما يزال هنالك ما يجب فعله.
لذلك يتشدد الوفد الإسرائيلي المفاوض في واشنطن، في وقت تتمسك فيه إسرائيل أمام واشنطن بأن المرحلة الأولى يجب أن تشمل جنوب الأولي وليس جنوب الليطاني فقط.
كان لافتا ذلك الإجتماع الذي ضم وزراء خارجية أربع دول سنية كبيرة ووازنة في المنطقة بالتزامن مع ورقة التفاهمات الأميركية_الإيرانية. وشكل هذا الإجتماع إشارة مبكرة لتقاطع مصالح بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان والتفاهم على نقاط مشتركة. وهذا الإصطفاف الجديد يشكل توازنا بهدف فرملة نتنياهو، والحد من الإنفلاش الإيراني القائم. وهو ما يصفه ديبلوماسي عريق بالقول: هو تلاقي قابل لأن يتطور ويهدف لمواجهة فكرة جعل المنطقة أسيرة الصراع الإيراني_الإسرائيلي. في الواقع المنطقة تعيش إرهاصات إعادة رسم خارطة النفوذ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى