مقالات صحفية

“مواجهة مؤجلة لصراع طويل” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

في وقت كانت تتركز فيه الأنظار على مقر السفارة الأميركية في العاصمة الإيطالية حيث كانت تدور مفاوضات اليوم الثاني من الجولة السابعة بين لبنان وإسرائيل تحت الرعاية الأميركية، تدهور الوضع الأمني فجأة في جنوب لبنان إثر إنفجار في مجدل زون أدى لسقوط قتيلين وستة جرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي. وفيما اعتبرت إسرائيل أن ما حصل يندرج في إطار “قيام حزب الله بخرق وقف إطلاق النار”، جاء ردها عنيفا، إذ جرى استعادة لغة “إخلاء المناطق” مع رفع مستوى الإستهدافات. لكن السؤال الأهم هنا يبقى حول تبيان ما إذا كانت هناك ثمة رسائل يجري توجيهها الى المتفاوضين في روما، ومن خلالهم الى عواصمهم؟ أم أن التصعيد العسكري في الجنوب خضع لحادثة غير مقصودة وجاءت في سياق المخاطر الميدانية المعهودة؟
ثمة جوانب كثيرة تحمل طابع الإلتباس، أحاطت بلغم مجدل زون. من جهة هنالك التزامن بينه وبين المفاوضات الدائرة في روما. ومن جهة ثانية هو يأتي بعد 24 ساعة فقط على إطلالة أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم والتي كرر فيها دعوته للسلطات اللبنانية لوقف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وهو أرفق كلامه بهجوم عالي السقف باتجاه رئيس الجمهورية. كما أن هذا الإنفجار يحصل في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث يدور شد حبال قاس وصعب ودقيق بين واشنطن وطهران حول مضيق هرمز، والذي يترافق مع تهديدات قوية من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أوحى بأنه كان على بعد ساعات معدودة من تنفيذها. كذلك فإن الموقع الجغرافي لبلدة مجدل زون يزيد من غموض المشهد. ذلك أن المنطقة لا تخضع لسيطرة كاملة لأي من طرفي المواجهة، إسرائيل وحزب الله. ولذلك لا يمكن الحسم فورا ما إذا كان اللغم هو من مخلفات المعارك أم أنه مزروع حديثا. وبانتظار أن تحسم التحقيقات ظروف ما حصل، فإن أكثر من عملية تحمل عنوان “الطابع الفردي” كانت قد حصلت خلال الأسابيع الماضية، بعضها تمثل بهجوم من خلال إطلاق النار، وبعضها الآخر باستهدافات أخرى. وأعادت هذه الأحداث شريط عمليات حزب الله أواخر تسعينات القرن الماضي. ومن هنا بات هنالك من يرجح أن يكون حزب الله قد باشر باستعادة عملياته التي أدت لاستنزاف الجيش الإسرائيلي ودفعته للإنسحاب من الشريط الحدودي عام 2000.
وإذا نظرنا إلى ما جرى اليوم كحدث منفصل، فقد يبدو مجرد اشتباك ميداني. لكن إذا وضعناه في سياق اليوم الثاني من مفاوضات روما، فتظهر صورة أكثر تعقيداً.هناك عدة قراءات محتملة لهذا التطور:
القراءة الأولى: ضغط تفاوضي إسرائيلي. من المرجح أن إسرائيل أرادت أن تدخل مفاوضات روما وهي تُظهر أن الوضع الأمني لا يزال هشاً، وأنها ستطالب بحرية عمل عسكري أوسع أو بضمانات أمنية إضافية، بدلاً من الاكتفاء بترتيبات الانسحاب أو توسيع “المناطق التجريبية”. فالحوادث الأمنية تمنح الوفد الإسرائيلي ورقة تفاوضية.
القراءة الثانية: احتواء وليس فتح حرب. حتى الآن، رغم شدة الرد، لم تظهر مؤشرات على تعبئة.
القراءة الثالثة: اختبار للمفاوضات. أي حادث كبير خلال التفاوض يختبر قدرة الوسطاء، ولا سيما الولايات المتحدة، على منع انهيار المسار السياسي. فإذا استمرت اجتماعات روما رغم ما حدث، فهذا يعني أن الأطراف لا تزال ترى فائدة في التفاوض، حتى مع استمرار الاحتكاك الميداني.
أما بالنسبة للتحرك الإسرائيلي في المنصوري، فمن المرجح أن هدفه كان أحد الأمور التالية:
تمشيط المنطقة والبحث عن منفذي العملية أو عن عبوات إضافية، وجمع معلومات استخباراتية ميدانية، وتوجيه رسالة بأن الجيش الإسرائيلي مستعد للدخول البري السريع عند الحاجة، وليس الاكتفاء بالقصف.
في المقابل، لو كانت إسرائيل قد قررت فعلاً نسف مفاوضات روما والعودة إلى حرب واسعة، لكنا نتوقع مؤشرات مختلفة، مثل تعبئة واسعة للاحتياط، وضربات متزامنة على نطاق جغرافي كبير، واستهداف مكثف للبنية العسكرية في مختلف مناطق الجنوب، وهو ما لم يظهر حتى الآن. ما نشهده أقرب إلى محاولة فرض معادلة ردع موضعية، مع إبقاء التصعيد تحت سقف لا ينسف المفاوضات بالكامل.
لذلك، يمكن القول إن ما جرى يبدو أقرب إلى رسالة بالنار لتحسين الموقع التفاوضي منه إلى قرار نهائي بإسقاط المفاوضات، مع بقاء خطر الانزلاق قائماً إذا تكررت عمليات مشابهة أو ارتفع مستوى الردود المتبادلة. وفيما يتوقع البعض أن تعمد إسرائيل على استغلال ما حصل للتقدم وتوسيع السيطرة على هذه المنطقة، فإن الفريق الإسرائلي المفاوض والذي أظهر بوضوح رفضه لمسألة المناطق التجريبية، سيعمل على تعزيز أعذاره للتهرب من الذهاب في هذا الإتجاه. لكن، ورغم خطورة ما حصل، إلا أنه لن يدفع لا باتجاه انهيار المفاوضات بالكامل، ولا باتجاه استعادة مسار الحرب المفتوحة. فالظروف تفرض أقله في المرحلة الحالية استهلاك الوقت بالتفاوض، وضبط السياق الميداني تحت سقف محدد، ولو أن مختلف الترجيحات لا تتوقع إستمرار هذا المسار المتأرجح لفترة طويلة.
فالبيت الأبيض يريد تحقيق انفراج إقتصادي عبر تخفيف الأعباء القائمة حول مضيق هرمز، ما سينعكس حتما بشكل إيجابي على الناخب الأميركي. ذلك أن مختلف الإستطلاعات باتت تعطي للعامل الإقتصادي التأثير الأكبر على مزاج الناخب الأميركي، خصوصا على الشريحة المستقلة أو ما يصفه البعض بالفئة المتأرجحة. وهو ما يعني السعي لتأجيل كل الملفات الصعبة والمتفجرة الى ما بعد تشرين الثاني. لكن ظروف الإنتخابات الإسرائيلية تبدو مختلفة، وهو ما قد يدفع نتنياهو لحسابات مختلفة.
خلال الأيام المقبلة ستعلن واشنطن عن الإفراج عن معونة مالية مهمة للجيش اللبناني، حيث جرى تحديدها ب150 مليون دولار. وفي ثنايا هذه الخطوة إشارة أميركية على عودة العلاقات بين المؤسسة العسكرية اللبنانية وواشنطن الى سياقها الطبيعي بعد فترة من التباعد والبرودة والتشكيك، ووسط شكاوى عدة بلغت ذروتها بإدراج أحد كبار الضباط على لائحة العقوبات. لكن هذا الدعم المالي للجيش اللبناني لم يصل الى المستوى المطلوب. فالمهام الكبيرة والواسعة المطلوبة منه خصوصا في الجنوب، تفرض تجهيزات وقدرات تفتقر لها وحدات الجيش اللبناني. وهو ما دفع بالرئيس اللبناني للطلب من المسؤولين الأميركيين خلال وجوده في واشنطن رفع المساعدات الأميركية الى حدود نصف مليار دولار، وهو ما لم يتحقق بعد. وقد تكون الأسباب متعلقة بالمسار التفاوضي المفتوح، إضافة الى التعويل على نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وفي وقت جرى فيه التهليل بالمرونة التي أبدتها إسرائيل حول الإستعداد بالبحث بالحدود البرية، إلا أنه ثمة قطب مخفية لا بد من وضعها في الحسبان، خصوصا وأن إسرائيل إشتهرت بالمراوغة. ففي 14 آذار الماضي خرج وزير الطاقة الإسرائيلي بتصريح مفاجىء كشف فيه أن الحكومة الإسرائيلية تدرس إلغاء إتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، ومعللا ذلك بأنه “غير شرعي”. وثمة ما هو أبعد. ففي ظل الصراع الكبير القائم حول الثروة النفطية شرق المتوسط، قد تكون إسرائيل تسعى للسيطرة على مساحة بحرية أوسع إنطلاقا من ترسيم الحدود البرية وفق نقاط جديدة. وهنا لا بد من إدراج ما يعتقده بعض الخبراء العسكريين بأن سعي إسرائيل للسيطرة على تلة علي الطاهر لا يندرج فقط في إطار تحقيق مكسب عسكري أساسي ومعنوي مهم، بل أيضا لأن ذلك سيفتح الطريق أمام تمدد إسرائيل لاحقا باتجاه ساحل الزهراني. ومن هنا الأهمية التي توليها إسرائيل لتلة علي الطاهر.
كما أن طرح ملف الحدود البرية اللبنانية_الإسرائيلية سيفتح الباب واسعا أمام الحدود البرية اللبنانية_السورية، خصوصا وأن إسرائيل تتحدث عن استمرار تهريب إيران الأسلحة لحزب الله عبر هذه الحدود وبأشكال مختلفة. وهي تدرج في هذا الإطار ما جرى اكتشافه من خلال القوات السورية، والتي كشفت عن شحنات كبيرة كانت مخبأة وكانت في طريقها الى لبنان.
إلا أن الملف الأهم والذي بدأت الأوساط الإعلامية الإسرائيلية التطرق له يتعلق بمصير جثث ليهود لبنانيين كانوا قد قتلوا في عز الحرب اللبنانية وتحديدا في ثمانينات القرن الماضي في الشطر الغربي من بيروت والتي كانت تحت نفوذ بعض الأحزاب ومن بينها حركة أمل. وتطالب إسرائيل باسترجاع جثثهم ومن بينهم رئيس الطائفة في لبنان يومها ويدعى سليم جاموس. ووضعت إسرائيل هذا الملف في موازاة ملف الأسرى والمعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية.
يأمل البعض أن تؤدي الإنفراجات على المستوى الأميركي_الإيراني الى دفع الأمور باتجاه تركيز الإستقرار الهش جنوبا. لكن النظر بشيء من التعمق في المشهد يظهر بوضوح أن لإسرائيل حساباتها البعيدة في جنوب لبنان، كما أن للبيت الأبيض ظروفه الخاصة. وهو ما يحتم علينا ألا ننخدع بظاهر الأمور. ومن أهم دروس الحرب الدائرة بين واشنطن وطهران أن الأولى أثبتت قدرتها على إلحاق الدمار بالثانية، لكن من دون أن تستطيع إخضاعها بسهولة. أما طهران فقد ثبت لها في المقابل أنها قادرة على إلحاق الضرر بالحضور الأميركي في المنطقة ولكن من دون أن تهدد نفوذه. والتجارب التاريخية تقول بأن هذا التوازن الهش غير قادر على إرساء سلام ثابت. فالإستقرار القائم على الردع المؤقت لا ينهي الصراعات جذريا، إنما يؤجل انفجارها فقط ويتركها عرضةللإنهيار عند أي لحظة مختلفة أو إحتكاك سياسي أو عسكري جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى