مقالات صحفية

“الجولة الخامسة: صعوبات وأمل” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

كان من المتوقع والمفهوم أن يرتفع سقف المواقف السياسية لتصل الى مستوى التهديدات المباشرة مع بدء مفاوضات مرحلة الستين يوما في سويسرا بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. عادة تبدأ المفاوضات إنطلاقا من أعلى السقوف بين المتحاربين بهدف جس النبض والتمهيد لتحقيق أفضل النتائج المطلوبة. وهذا ما شهدته سويسرا بالأمس، خصوصا وأن هذه المفاوضات تأتي إثر حرب كبيرة سادت طوال الأشهر الماضية، وأصابت بنتائجها ليس فقط الأطراف المنخرطة مباشرة بالقتال بل العالم بأسره، بسبب مضيق هرمز الذي كاد أن يخنق أسواق النفط والطاقة واستتباعا الدورة الإقتصادية العالمية.
وجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب سببا إضافيا لتصعيد مواقفه. فهو واجه حملة داخلية قوية بسبب البنود ال14 لورقة التفاهم مع إيران والتي أدت لوقف إطلاق النار بخلاف ما كان يأمل، لدرجة أن جزءا من الجمهوريين وقف في صف المنتقدين لورقة التفاهم، وهو ما يعني زيادة في الخسائر الإنتخابية. وبدا واضحا إنخراط المجموعات المؤيدة لإسرائيل في الحملة ضد البيت الأبيض، والمعروف عنها قدرتها الكبيرة على التأثير في توجهات الشارع الأميركي. وهذه المفاوضات التي طالت ملفات ثلاث، مضيق هرمز والنووي وحزب الله، دفعت بإسرائيل لمواكبتها بتوجيه رسائلها من جنوب لبنان، من خلال مواقف أطلقها رئيس الأركان إيال زامير خلال زيارته لمواقع إسرائيلية في جنوب لبنان. فهو وصف وقف إطلاق النار بالهش، ومعلنا إستعداد إسرائيل لاستئناف العمليات القتالية بذريعة “إحباط التهديدات، والتحرك بسرعة للهجوم إذا لزم الأمر”. وأضاف بأن جميع موارد الجيش مخصصة لهذا الهدف. وجاء ذلك بعد تهديد ترامب لإيران بالعودة لقصفها بقوة إذا لم “توقف حزب الله عن إثارة المشاكل”.
وعاصفة الإنتقادات التي واجهها ترامب بلغت درجة متقدمة في إسرائيل. فللمرة الأولى منذ وصوله الى البيت الأبيض وصلت نسبة المعارضين له حوالي ثلثي الإسرائيليين، وفق ما أظهرته أرقام إستطلاعات الرأي. وترافق ذلك مع إنتقادات لاذعة على مستوى مراكز الدراسات والتي اعتبرت أن الفريق الأميركي المفاوض يجد صعوبة في فهم الخلفيات الإيديولوجية للفريق الإيراني الذي يواجهه في المفاوضات، والدوافع التي ينطلق منها. ويتابع هؤلاء انتقاداتهم باتهام الفريق الأميركي بالخلط بين الواقعية والإيديولوجيا.
ولبنان الذي يستعد للمشاركة في الجولة التفاوضية الخامسة مع إسرائيل وتحت الرعاية الأميركية، راقب بدقة وتمعن مسار المفاوضات الدائرة في سويسرا. فالملف اللبناني بند أساسي على طاولة أطراف الصراع الحقيقيين في جنوب لبنان. ولذلك جرى التمهيد للإنطلاق المتزامن لمفاوضات سويسرا وواشنطن عبر رسالتين قويتين، واحدة إسرائيلية وأخرى أميركية. الرسالة الإسرائيلية كان طابعها حربي وعنيف وبما يفوق بقساوتها أيام الحرب المفتوحة، ومفادها أن لا تراجع عن مطلب تفكيك القدرة العسكرية لحزب الله. أما الرسالة الأميركية فجاءت سياسية وصادمة مع إدراج الوزير السابق سليمان فرنجية على لائحة العقوبات، وهو أحد الزعماء القلة الذي جاهر بالمحافظة على علاقته التحالفية بحزب الله. ومغزى الرسالة الأميركية يتمثل بتوقيتها والتي جاءت بعد إقرار ورقة التفاهم بين واشنطن وطهران، والمقصود أن هذا التفاهم لن يؤدي الى تغيير في لبنان، وأن “فك الحصار” عن حزب الله ممنوع. وفي المقابل وجه حزب الله رسائله أيضا عبر تجديد اتهامه للسلطة اللبنانية بأن حضورها لجلسات التفاوض المباشر هو تنفيذ للأوامر التي تصدرها الإدارة الأميركية لها. كما أن أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم إعتبر أن وقف النار مع إعطاء حرية الحركة لإسرائيل هو استمرار للعدوان الإسرائيلي “ولن نقبل به”. ذلك أن ما رشح من معلومات الى بيروت بأن واشنطن تحضر لإعلان وقف النار مع منح إسرائيل حرية الحركة.
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة وصل الوفدين التفاوضيين اللبنانيين الديبلوماسي والعسكري الى واشنطن. وفيما حافظ الوفد العسكري على كامل أعضائه، فإن الوفد الديبلوماسي بقي على حاله بسبب غياب الممثل الشيعي، ما دفع بالممثلين السني عبد الستار عيسى والدرزي شوقي بو نصار الى البقاء في بيروت والمواكبة عن بعد من خلال القصر الجمهوري.
ويدرك الوفد اللبناني جيدا أن الجولة الخامسة والتي يريد البيت الأبيض أن ينتج عنها قرارات تنفيذية، تبدو صعبة ودقيقة وشائكة، والآمال المعلقة عليها قد لا تكون مرتفعة.
والبرنامج الذي وضعته الإدارة الأميركية لهذه الجولة يوحي بأن المطلوب صدور ورقة نوايا تنفيذية. فمفاوضات الأيام الثلاث ستحصل كلها في وزارة الخارجية الأميركية، بعد أن كان الوفد العسكري قد شارك في جولته التفاوضية السابقة في مبنى البنتاغون، ولهذا معناه. فهو يؤشر الى تدخل أميركي أفعل، والى صدور قرارات سياسية في ختام الجولة. ووفق البرنامج، فإن اليوم الأول سيشهد مفاوضات مشتركة للوفدين الديبلوماسي والعسكري. أما يوم الأربعاء فسيخصص للمفاوضات العسكرية، واليوم الأخير سيكون للوفد الديبلوماسي وحده. وهذا البرنامج يعزز الإنطباع بأن ختام المفاوضات سيترافق مع إعلان ورقة نوايا، خصوصا وأن هذه المفاوضات ستلي مباشرة مفاوضات سويسرا.
التوجيهات المعطاة للوفدين اللبنانيين تقضي بالتمسك بضرورة تحقيق وقف شامل وثابت لإطلاق النار. ووسط خطوط التواصل المفتوحة بشكل دائم بين لبنان والسعودية وقطر وواشنطن بدا أن الطرف الأميركي يبدو أكثر تأكيدا هذه المرة على إعلان وقف النار ولكن مع إعطاء إسرائيل حرية الحركة تجاه ما تعتبره “تهديدا مباشرا” لقواتها. ومن هنا يمكن تفسير موقف أمين عام حزب الله حول رفضه المسبق لهذه الخطوة واتهامه السلطة اللبنانية بالخضوع “لأوامر” واشنطن. لكن واشنطن تعتبر أن قرار وقف إطلاق النار ولو بهذه الصيغة سيفتح الطريق أمام تكريس الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني، ويمنح السلطة اللبنانية ورقة لطالما طالبت بها للذهاب الى الشروع في تطبيق المنطقة التجريبية. ذلك أن قيادة الجيش كانت اعترضت خلال المفاوضات العسكرية في البنتاغون على الدخول في تنفيذ المنطقة التجريبية في حال لم يترافق ذلك مع وقف شامل لإطلاق النار. إذ أنه من الصعوبة بمكان إنجاح هذه الخطوة عبر المحافظة على هدوء هذه البقعة وسط اشتعال النار حولها. ومع إعلان وقف النار فإن الظروف ستصبح أكثر واقعية لإنجاح هذه الخطوة، بعد دفع إسرائيل للإنسحاب ولو من منطقة محدودة، وهو ما سيمنح السلطة اللبنانية ورقة قوية ويعزز موقفها السياسي داخليا، ما سينعكس إيجابا على كامل الوضع. لكن قيادة الجيش ستبقى متمسكة برفضها إنشاء قوة خاصة يرعاها ويدربها ويسلحها الجيش الأميركي لتتولى مهام خاصة لها علاقة بتطبيق مبدأ حصر السلاح بيد الدولة. وما عزز موقفها الرافض لواقعية وصوابية هذه الخطوة ما كان صدر من باريس على لسان الموفد الرئاسي جان إيف لودريان في هذا الشأن. وواشنطن المصرة على هذه الفكرة قد تعمد لتأجيل طرحها لمرحلة لاحقة. أما التهديد المتكرر لترامب بتكليف قوات أحمد الشرع بالتدخل عسكريا في لبنان، فهو يبقى حتى الآن في سياق الضغط الأميركي على حزب الله بوجود بدائل ميدانية، وضمنا ضغط على السلطة اللبنانية للإندفاع الى الأمام والقيام بخطوات تنفيذية في هذا الإطار.
في هذا الوقت بقيت علاقة حزب الله بقصر بعبدا سلبية رغم التواصل الحاصل عن بعد. وقد تشكل زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي الى بيروت والمطوح حصولها مبدئيا خلال الأيام القادمة مناسبة لإعادة تحريكها ووصل ما انقطع. وهذه الزيارة التي ستحمل عنوان إعادة ترتيب الحل المتعلق بسفيرها في بيروت، ستشكل مناسبة لطرح نقاط التشابك على اختلافها.
ولكن وعلى الرغم من هذه المشاريع والأفكار التي ترافق الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية_الإسرائيلية إلا أن المشهد الإسرائيلي لا يسمح برفع منسوب التفاؤل. فالتقديرات العسكرية تشير الى أن الإنتشار العسكري الإسرائيلي في الجنوب ما يزال طابعه هجومي. وهو ما يعني بأن العودة الى العنف قد لا تتأخر. فالأهداف العسكرية الإسرائيلية تطمح للسيطرة على كامل الخط الممتد من علي الطاهر الى جبل الريحان، حيث تعتقد إسرائيل أن هذه المنطقة تختزن آخر وأقوى المخازن والأنفاق العسكرية لحزب الله في باطن الأرض وداخل التلال. وبالتالي فهي أبلغت واشنطن أنها متمسكة بالسيطرة عليها كي لا تترك أي إمكانية للسماح لحزب الله بإعادة بناء قوته العسكرية لاحقا. في الواقع تطمح إسرائيل لما هو أبعد من ذلك. فهي تريد السيطرة أيضا على الجزء الجنوبي من البقاع الغربي لوصل جنوب الزهراني بالمنطقة الأمنية في جنوب سوريا. فإسرائيل تبحث عن تثبيت خارطة جديدة بالكامل. ومن هنا فإن إصرار إسرائيل على السيطرة على تلة علي الطاهر، في مقابل استماتة حزب الله بالدفاع عنها، يوحي بأن الإتجاه هو لعودة المعارك العنيفة هو الأكثر ترجيحا، إلا إذا حصلت ضغوط أميركية قوية وجدية، وهو ما لا يبدو متوفرا حتى الساعة. أضف الى ذلك أن نتنياهو بات يعاني من تراجع في شعبيته ما يهدد وضعه الإنتخابي.
ووفق ما تقدم، يمكن الإستنتاج أن لبنان الرسمي يأمل من الجولة التفاوضية الخامسة الحصول على مواعيد وآليات واضحة لإنسحاب إسرائيلي ولو محدود من جنوب لبنان. أما واشنطن فتدفع باتجاه ربط أي إنسحاب بخطوات أمنية ميدانية متدرجة من خلال تطبيق المنطقة الأمنية والتي تعتقد الإدارة الأميركية أنها الأكثر نضجا لتحقيق التقدم المطلوب. كما أنها ستركز على آليات تثبيت الهدنة ومنع العودة الى المواجهات الواسعة. ولذلك ستعمل على إصدار إعلان مبادىء أو تفاهم سياسي أولي، وتفاهم على مرحلة تنفيذية جديدة للمناطق التجريبية، مع جدول تفاوضي أكثر وضوحا للإنسحاب والترتيبات الأمنية.
لكن الجميع يدرك بأن العامل الحاسم لإخراج لبنان من جعله ساحة ضغط متبادل، يبقى في نتائج مفاوضات سويسرا.
وخلال الإتصال الذي أجراه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بالرئيس اللبناني جوزف عون جرى التركيز على مسألتين أساسيتين: الأولى وتتعلق بالبحث بمحاور الجولة التفاوضية الخامسة، ومجالات الدعم الأميركي للبنان خصوصا لناحية وقف إطلاق نار شامل وحقيقي وثابت، والثانية وتتعلق بالزيارة التي سيقوم بها عون الى البيت الأبيض في تموز المقبل. ولا بد أن يكون روبيو قد لمس تمسك لبنان الرسمي باستمرار مشاركته في المفاوضات رغم المعارضة القوية لحزب الله، فيما موقف رئيس المجلس النيابي نبيه بري متمايز بشكل واضح عن موقف قيادة حزب الله.
ووفق ما تقدم فإنه من الواضح أن لبنان يئن تحت وزر التحولات الكبرى الحاصلة في المنطقة. فالمفاوضات الأميركية_الإيرانية في مهلة الستين يوما، تحمل أبعادا تتجاوز إنهاء حرب وترتيب ظروف تسوية سلمية. لا بل فهي ستؤدي الى إعادة رسم كامل المشهد في الشرق الأوسط وحدود الدور الإيراني فيه. وليس من باب الصدفة حصول إجتماع وزراء خارجية باكستان ومصر والسعودية وتركيا بما يشبه التمهيد لولادة محور سني قوي وجديد. وهو محور إذا قدر له الإنطلاق يتوزع ما بين الشمال والجنوب والغرب والشرق، أي أنه لا يمتاز فقط بالقوة العسكرية والبشرية والمالية، بل أيضا بالتوزع الجغرافي المهم، هذا إذا ما أضفنا إليه الدول التي تدور في فلك كل دولة من هذا الحلف. وهذا الحلف يلفح لبنان بقوة، ومن الطبيعي ألا تنظر إليه إسرائيل بارتياح على المدى الطويل. مع الإشارة هنا الى التنسيق الدائم الحاصل بين بيروت وكل من الرياض والدوحة والقاهرة. أضف الى ذلك ما يحكى عن زيارة قريبة لرئيس الجمهورية الى تركيا.
ثمة مثل أميركي شائع يقول: يجب توقع الأسوأ ووضع الخطط على هذا الأساس، وفي الوقت نفسه عقد الآمال على غد أفضل. وترجمته لبنانيا هو بأن الوضع الصعب الذي نعيشه لا يجب أن يفقدنا الأمل بالمستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى