مقالات صحفية

“التشابك الخارجي يهدد بانفجار جديد” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

التشابك الخارجي يهدد بانفجار جديد

جوني منير

لا يبدو المشهد تفاؤليا بالقدر الذي يوحي به الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إطلالاته الإعلامية الكثيفة والمتلاحقة، ولا أيضا كما تتعمد المصادر الإيرانية الإيحاء به ولو بشيء من التحفظ. ترامب كان حدد عطلة الأسبوع الماضية كموعد محتمل لإعلان الإتفاق مع إيران، ومستشار المرشد الإيراني كان تحدث عن تقدم كبير قد يفضي الى نتيجة قريبة، كما أن حركة الوساطة الباكستانية عززت هذا الجو التفاؤلي. لكن الحقيقة أن الطرفين الأميركي والإيراني لديهما حسابات مخفية ويلعبان على الوقت، ولو أن البعض يصف ما يحصل بأنه رقص على حافة الهاوية، ولبنان عالق وسط المناورات الخطرة.
من المعروف أن ما يحول دون التوصل الى التسوية المنشودة بين واشنطن وطهران عقدتين رئيسيتين: الأولى وتتعلق بمضيق هرمز ومطلب إيران بوضع رسوم على البواخر العابرة، والثانية وتتمحور حول الملف النووي ونسبة التخصيب واليورانيوم المخصب. وحول العقدة الأولى، يبدو أن هنالك حلول يمكن إعتمادها يجري اعتمادها في مضائق بحرية أخرى في العالم. ما يعني أن العقدة الفعلية تتركز حول الملف النووي بكامل تفاصيله. من هنا الإقتراح الذي قضى بفصل الملف النووي عن الملفات التفاوضية الأخرى، وإعطاء مهلة 60 يوما لإنجاز تفاهمات حول الملف النووي، بعد أن يكون قد جرى إعلان تسوية مؤقتة تسمح بإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة. لكن هذا الأمر لم ينجح. العقدة الفعلية أن ترامب يريد إنجاز اتفاق نووي أفضل من الإتفاق الذي أنجزه سلفه باراك أوباما عام 2015 كي يستطيع أن يطل من خلاله على الأميركيين، وهو الذي لطالما هاجم أوباما وعمد لإلغائه الإتفاق في بداية ولايته الأولى. وفي الوقت نفسه تعمد قيادة الحزب الديمقراطي على نسج تفاهمات عبر قنواتها الخاصة مع طهران لإفشال مسعى ترامب، تمهيدا لتوجيه ضربة إنتخابية كبيرة له ولحزبه.
وفي المقابل يسعى ترامب لفك الحصار الداخلي حوله. وأظهرت الزيارة التي قام بها ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر الى منشآت نووية أميركية متخصصة في ولاية تينيسي وجود ترتيبات ما تتعلق بالمفاوضات النووية. فالتقيا بفريق من الخبراء والفنيين وجرى إعدادهم للمشاركة في أي اتفاق محتمل أو ترتيبات تنفيذية مستقبلية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. لكن، ورغم الإيحاءات الإيجابية التي تظهرها إيران، إلا أن حساباتها تبدو مختلفة. فهي ترى أن عامل الوقت بدأ يعمل لصالحها. فمع إغلاق مضيق هرمز، ساد حديث عن أن مخزون النفط العالمي يكفي لثلاثة أشهر. واليوم تكاد هذه المدة تنقضي، وقد تكون المستويات النفطية تكفي العالم لأسابيع معدودة فقط. كذلك هنالك المشتريات والمواد الغذائية والتي تتجه أسعارها الى الإرتفاع إنسياقا مع ارتفاع أسعار النفط. وهو ما يجعل طهران تراهن على الوقت. كذلك فإن “الشغب” الذي يمارسه الحزب الديمقراطي داخل الكونغرس على ترامب وهو ما أدى الى صدور قرار تقييد صلاحيات الحرب للرئيس الأميركي. صحيح أن التأثير الفعلي لهذا القرار محدود جدا، لكنه مؤشر، وسط نجاح الحزب الديمقراطي في اجتذاب أربعة أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ غضبوا من ترامب بعدما فشلوا في الحصول على ترشيح حزبهم لهم في الإنتخابات الداخلية، بسبب دعم ترامب لمنافسيهم. وهذه نقطة تلعب لمصلحة تعزيز الموقع التفاوضي لطهران.
حتى الآن تظهر المؤشرات أن ترامب لا يريد العودة الى الحرب، لأن ذلك سيعني هذه المرة تصعيد كبير، وسط تلويح طهران بإغلاق باب المندب. عندها سيصبح مصير النفط على المستوى العالمي خطيرا. ولذلك ربما ترد طهران على الضربات الأميركية بضربات مماثلة تطال دول الخليج، في إشارة الى أنها باتت تملك أوراقا قوية. لكن الكواليس الديبلوماسية، وإن كانت توافق على هذه الحسابات المعقدة، إلا أنها لا تستبعد أن يكون ترامب الى توجيه ضربة سريعة ولكن قاسية وقوية جدا، تفتح له الطريق أمام إلزام طهران بالإتفاق المطلوب. ووفق هذه الأوساط الديبلوماسية فإن طهران تضع هذا السيناريو من ضمن حساباتها. فالواضح أن الوقت أصبح ضاغطا لدى الطرفين، والمفاجآت الكبيرة قد لا تتأخر بالظهور.
ولأن الظروف أصبحت ضاغطة، كان لا بد أن ينعكس ذلك بسرعة على الساحة اللبنانية أو ما بات يعرف بالجبهة الرديفة. لذلك رفعت إسرائيل من مستوى الحماوة العسكرية، وضغطت واشنطن في قاعات التفاوض، في مقابل رفع مستوى التحدي الإيراني عبر حزب الله. وصحيح أن استهداف الطائرات الإسرائيلية للضاحية الجنوبية أمس جاء في سياق تمسك رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بمبدأ فتح كامل المساحة اللبنانية أمام الأعمال العسكرية، لكنه حمل في طياته رسالة أميركية الى طهران، وسط التعقيدات التفاوضية. فقبل أيام أنب ترامب نتنياهو بعبارات مهينة واصفا إياه بالمجنون، وذلك في معرض ردعه عن أي عمل عسكري يستهدف الضاحية الجنوبية. لكن الهدف الذي قصفته الطائرات الإسرائيلية بالأمس لم يكن “هدفا أمنيا ثمينا” كما اعتاد الجيش الإسرائيلي في وصفه، بل هدفا أقل من عادي. وتعمدت إسرائيل الإعلان بأنه حصل بعد موافقة واشنطن. وفي الوقت نفسه كان ترامب يتحدث ويتبنى الضربة، لا بل كان يهدد باستمرار الضربات الإسرائيلية على حزب الله، وملوحا بإمكانية الإستعانة بسوريا. وتلقفت طهران الرسالة وأعلنت أنها سترد على الضربة. هو تفاوض بالنار عبر الساحة اللبنانية.
وخلافا للأجواء التفاؤلية التي جرى ضخها عبر الأوساط الإعلامية اللبنانية فإن جلستي التفاوض في 2 و3 حزيران لم تحققا أي تقدم ملموس، لا بل على العكس فلقد ظهر من خلالهما بأن المسافة الفاصلة عن وقف النار ما تزال بعيدة، وأن ارتفاع الحماوة العسكرية هي الأكثر ترجيحا. وخلال هاتين الجلستين تركزت المفاوضات حول نقطتتين أساسيتين. الأولى وتتعلق بوقف شامل لإطلاق النار، وهو ما تمسك به الوفد اللبناني. لكن الوفد الإسرائيلي الذي كان يراوغ، استعاد النقاش من بدايته. أي أنه باشر مفاوضاته من نقطة البداية، متجاوزا ما كان جرى التفاهم عليه في الجلسة السابقة. وهو ما أعطى إستنتاجا فوريا بأنه يريد المماطلة وكسب الوقت ليس إلا، والهدف إفساح المجال أمام استكمال عملياته العسكرية لتحقيق الأهداف التي يصبو إليها. فهو عمد بداية الى طرح تحديد مفهوم وقف إطلاق النار. وألحق ذلك بحق إسرائيل بالإحتفاظ بمبدأ الرد عسكريا عند وجود “تهديد مباشر”. وخاض الوفد اللبناني نقاشا مستفيضا حول ما المقصود بالتهديد المباشر. وتمسك الوفد الإسرائيلي بإعتباره بأن التقدير العسكري لمفهوم “التهديد المباشر” يعود للجيش الإسرائيلي ويمنحه حق التدخل الفوري. عند هذه النقطة تواصل رئيس الوفد سيمون كرم مع رئيس الجمهورية مقترحا الإنسحاب من جلسة التفاوض. لكن الرئيس عون تمسك بضرورة البقاء وإنجاز المهمة لتفويت فرصة نسف المفاوضات على إسرائيل. فالبديل عن التفاوض عزلة لبنانية على المستوى الدولي وبالتالي إستفراد إسرائيل بلبنان. وتدخل هنا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الذي حاول طمأنة الوفد اللبناني بأن الإدارة الأميركية ستتدبر الأمر لاحقا.
أما النقطة الثانية فتركزت حول المنطقة التجريبية (pilot zone )، رغم أن الوفد العسكري اللبناني كان قد رفضها خلال مفاوضات الوفود العسكرية في البنتاغون قبل أيام معدودة. الجانب الأميركي طرح مبدأ أن تستند هذه الخطوة على تحديد منطقة يتسلمها الجيش اللبناني بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منها، وهو يتولى الإمساك بأمنها وفق تدابير تمنع عودة عناصر حزب الله إليها. لكن قائد الجيش العماد رودولف هيكل والذي كان حاضرا الى جانب الوفد التفاوضي المساند في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية كرر رفضه لهذه الفكرة. فهو أولا إعتبر أن تحقيقها مستحيل وسط مناطق مشتعلة، ما يعني وجوب إرساء وقف شامل وثابت لإطلاق النار قبل البحث بالمناطق التجريبية. كذلك كانت لديه تحفظات حول كيفية إختيار المنطقة التجريبية وعلى أي أساس ووفق أي معايير. وبعد الكثير من الأخذ والرد جرى تحديد منطقة زوطر الشرقية والغربية وقلعة الشقيف. وهنا أبدى العماد هيكل ملاحظته على أن القوات الإسرائيلية موجودة على أطراف الزوطرين، كما أن إسرائيل تعاني من استهداف عناصرها داخل قلعة الشقيف، وهو ما سيجعل الجيش اللبناني مساعدا لإسرائيل أو شرطي لها، لا قوة تؤمن إنسحابها من الأراضي اللبنانية. وبدا أن قائد الجيش متحفظ على هذه النقطة، رغم أن الوفد المفاوض عاد وأقرها. فماذا لو جرى اختيار جبل الريحان كمنطقة تجريبية، وهي المنطقة التي تعجز إسرائيل عن الوصول إليها. فعندها يصبح الجيش اللبناني كمكمل للمشروع الحربي الإسرائيلي. وقد يكون الجيش اللبناني يفهم المنطقة العازلة كمكان إحتلته إسرائيل وستنسحب منه ليتولى الجيش اللبناني مسؤولية الأمن فيه. وفي أي حال فإن قائد الجيش متمسك بمبدأ أنه لن يقدم على أي خطوة من دون حصول وقف كامل لإطلاق النار. وهو يبدو حذرا جدا ويخشى أن تدفع إسرائيل لبنان الى فتنة داخلية كان سبق وأن نفذتها في الجبل في العام 1985.
وارتفع مستوى التوجس مع إعلان البيان الختامي والذي أخذ الكثير من الأخذ والرد. فعند التحضير لإصدار بيان مشترك عمد الوفد اللبناني عند أكثر من مرة على شطب وتعديل العديد من العبارات الواردة. وكذلك فعل الوفد الإسرائيلي، وهو ما دفع بالوفد الأميركي الى اعتماد إخراج غريب. فهو اقترح جمع مطالب ونقاط كل وفد بشكل منفصل في بيان واحد، كون صدور بيان موحد عن الأطراف الثلاثة صعب الحصول. وخلال هذه المفاوضات الشاقة بقيت أربع عواصم على تواصل دائم مع قصر بعبدا. واشنطن والدوحة ولندن عبر وزراء خارجيتهم، إضافة الى الرياض عبر الأمير يزيد بن فرحان.
ولكن البيان الذي صدر والذي من المفترض أن يكون جامعا لمطالب الوفود، تضمن أفخاخا كثيرة، وأغفل مطالب لبنانية أساسية، وهو ما رسم علامات استفهام عدة. فهو بدأ بالبند المتعلق بالمنطقة التجريبية، ما اعتبر فخا، خصوصا أنه لم يحمل أي تاريخ ولم يحدد أي منطقة، وجاء مبهما. كذلك لم يتضمن إشارة واضحة الى الإنسحاب الإسرائيلي وفق جدول زمني محدد وملزم، ووقف الغارات الجوية، ووقف عمليات النسف والتجريف، والأهم البند المتعلق بإعادة الإعمار وعودة الأهالي الى قراهم. لذلك جاء البيان بمثابة وضع التزامات واضحة على الجانب اللبناني في حين ترك معظم المطالب اللبنانية في إطار العموميات. وهذا ما دفع رئيس المجلس النيابي نبيه بري للإعراب عن استيائه أمام الذين التقوه، مبديا توجسه من إسقاط البند المتعلق بعودة الأهالي. ومن هذه الخلفية عمد الى إصدار بيانه الذي تضمن مفردات لا يستخدمها عادة، ومعربا عن تأييده لسياسة الخطوة مقابل خطوة والتي كانت الحكومة قد طرحتها سابقا.
ولم تتأخر إسرائيل بالرد عبر بريدها الحربي. فبعد رسائل نارية محدودة استهدفت آليات ومواقع للجيش، عمدت هذه المرة الى توجيه رسالة قوية عبر اغتيال ضباطا كبار. وكان واضحا أن الإستهداف كان متعمدا. فهي ليست المرة الأولى التي تسلك فيها السيارة العسكرية هذا الطريق. أضف الى ذلك أن المسيرات الإسرائيلية مزودة بنظام قادر على تبيان ما إذا كانت اللوحة العسكرية للسيارة مزورة أو صحيحة. والرسالة الدموية الإسرائيلية حملت عناوين عدة. أولها، أنها ليست راضية على رفض الجيش للترتيبات الأمنية التي طلبتها. فهي تصر على تنسيق دائم ومباشر بين الجيشين في خطوة أقرب الى التطبيع الأمني، وهو ما رفضه الوفد العسكري خلال مفاوضات البنتاغون. والعنوان الثاني أنها متمسكة بالمنطقة التجريبية وفق المفهوم الإسرائيلي. والعنوان الثالث أنها استبقت زيارة قائد الجيش الى إسلام أباد، والتي تتولى وساطة بين واشنطن وطهران. وزيارة العماد هيكل لا بد أن تؤمن إجابات وشروحات وافية حول وضع الجنوب ونظرة الجيش للمطالب الإسرائيلية والأميركية. لذلك أرادت إسرائيل من خلال اعتداءاتها المتتالية على الجيش القول بأن المؤسسة العسكرية اللبنانية لا تتمتع بحصانة تلقائية، وأن الواقع الجديد في الجنوب بات مختلفا بالكامل عن الماضي. وبالتالي، فإن تحرك أي قوة مسلحة في الجنوب، سيبقى خاضعا لتقدير إسرائيل الأمني حتى ولو كانت تلك القوة تابعة للدولة اللبنانية. وهذا التطور يعتبر حساس جدا. وبذلك تضع إسرائيل السلطة اللبنانية أمام معادلة مفادها: إما أن تثبت قدرتها على فرض ترتيبات أمنية أو أن تستمر الضربات الإسرائيلية بذريعة وجود تهديدات أمنية.
واستطرادا، فإن التعقيدات الحاصلة على المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران إنعكست سخونة وضغوطا على لبنان. لا بل أن الأوساط الدولية باتت تميل الى عودة الحماوة الحربية الى لبنان، مع وجود توجه إسرائيلي للسيطرة على المنطقة الممتدة بين علي الطاهر وجبل الريحان، والإتجاه شرقا للسيطرة على أجزاء واسعة من البقاع الغربي لربطه بالمنطقة الأمنية القائمة في جنوب سوريا. ولفت في هذا المجال استهداف قرى في البقاع الغربي بقصف مدفعي إسرائيلي للمرة الأولى منذ العام ألفين.
وفي ظل هذه الظروف ارتفع منسوب التوتر السياسي الداخلي، وتحديدا بين قصر بعبدا وحزب الله. ومع التمهيد للجولة الرابعة من المفاوضات تواصل مستشار رئيس الجمهورية أندره رحال بأحمد مهنا طالبا جواب قيادة الحزب حول احتمال إقرار وقف النار. وكان الرد بأن الجواب سيجري إرساله عبر الرئيس بري. وبعد انتهاء الجولة التفاوضية وصدور البيان، إتصل رحال بالنائب حسن فضل الله شارحا تفاصيلها وطالبا موقف قيادة الحزب. وجاء الجواب في اليوم التالي في الكلمة التي ألقاها أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم. قبل ذلك، كان الرئيس عون قد أرسل رسالة مرنة الى قيادة حزب الله، وذلك إثر صدور العقوبات الأميركية والتي شملت النائب فضل الله، إذ قال أنه لن يكون هنالك أي تأثير لهذه العقوبات على استقبال فضل الله.
لكن التشابك الكبير الحاصل على الساحة اللبنانية بين الأهداف الإسرائيلية التي تطال الجغرافيا والديمغرافيا، والضغوط الأميركية لانتزاع الورقة اللبنانية من يد إيران وسط حسابات تفاوضية صعبة وشاقة، وتمسك طهران بحضورها ونفوذها واستعدادها للرهان على المزيد من الوقت، كل هذا التشابك يدفع بلبنان نحو المزيد من الحماوة وربما لانفجار جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى