مقالات صحفية

تحت عنوان “أكبر من محلٍقة” كتب الدكتور أنطون حداد

إنه الاعلام يضرب من جديد، فيوجه الحرب بالإتجاه الذي يريد ، وبقدر ما تمتلك من هذه الألة العظيمة بقدر ما تتمكن من توجيه الاحداث كما تشاء.
كان اليهود أول من عرفوا قيمته وأعطوه الاهتمام الذي يستحق،حتى قبل من اخترعوا المذياع وصولا” الى الأقمار الاصطناعية .
كان اليهود وما زالوا السباقون في استغلال كل تكنولوجيا أو ابتكار في هذا المجال أو في سواه، من هنا جاءت توصياتهم في مندرجات بروتوكولات حكماء صهيون وهو المؤتمر التأطيري والتوجيهي الأهم للتخطيط والعمل اليهودي الممنهج، إن في السياسة اليهودية العامة في السيطرة على العالم أو في مشروعهم المصطنع في إقامة ما أسموه وطن قومي لليهود في فلسطين ( القابل للتوسع). هذا المؤتمر إهتم بشكل أساسي بالاعلام وأوصى بالعمل على السيطرة على أدواته ومنابره وتسخيرها في الاتجاه الذي تتوخاه لا في إيصال الحقيقة كما هي.
استطاع اليهود بالفعل بعد فترة لا تتجاوز النصف قرن من السيطرة على الأعلام ،سبق ذلك السيطرة على البنوك المركزية في العالم الغربي الصناعي ،بما فيها حق طبع الدولار بعد السيطرة على الفيدرالي الاميركي بعد اغتيال الرئيس الأميركي ومع تفجير أقطاب المال اليهود سفينة التايتنيك الشهيرة بمن فيها من معارضي سياستهم.
إذن السيطرة اليهودية على الاعلام من أقطاب المال اليهود سمح لهم السيطرة على الخبر وتوجيهه من خلال محطاتهم الاذاعية المنتشرة على مساحة العالم وخاص على أضخمها في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا… ما أتاح لها السيطرة على الرأي العام وتوجيهه في الاتجاه الذي يدعم رؤيتهم. وبالتالي حرف اهتمامه ونظره عن أحداث، أو تحوير الخبر عن حقيقته ، أو تحوير تركيز المشاهد أو المتلقي عن أساس الخبر.
وهذا الأسلوب تستعمله الولايات المتحدة في إيران بتحويل هزيمة الانزال الفاشل على الأراضي الايرانية بغض النظر عن الهدف اذا ما كان محاولة للوصول الى مخازن النووي المخصب كإحدى الروايات، أعطاها تضخيم الرئيس ترامب صدقية أكثر من روايته :”نجاح أعظم عملية تحرير الطيار الذي أُسقطت طائرته خلف خطوط العدو الإيراني” كما قال وأضاف أن أكثر من مئة مظلي بتغطية من مئة وخمسين طائرة شاركت في عملية التغطية الجوية . فهل يعقل أن يشترك في عملية إنقاذ طيار هذا الكم الهائل من الطائرات؟؟!! بل أكثر من ذلك فقد استطاع تمرير خبر الانتصار في ظل اعترافه بإسقاط خمسة طائرات، تلقفها الملايين وربما عموم الرأي العام الموجه إعلاميا” وكأنها مجرد تفاصيل عابرة على هامش الانتصار الكبير والنصر الترامبي ” الرائع” الذي نفذه جنود “رائعون” بتخطيط ” رائع”، وتكثيف الظهورات والخطابات والتغطيات الاعلامية استرقت الحدث من سياقه، ومجرد السؤال عن عدد الطيارين الذين قتلوا في الحدث في طائرات النقل أو مروحيات البلاك هوك وطائرة آي 10 وعددهم يتجاوز العشر طيارين!! فهل يعقل أن ينجحوا جميعا” من القفز بالمظلات وطياري الطائرات التي قصفت على أرض الميدان( لم تستطع الاقلاع لأنها علقت بالرمال حسب الرواية الاميركية) كيف قفزوا؟؟
ليس القصد من هذا المقال التحقق من طبيعة الانزال إن كان بقصد قرصنة النووي أو محاولة إنقاذ الطيار ، إنما إبراز أهمية ال إعلام في إخفاء أو حرف النظر عن الحدث أو عن التفاصيل الأساسية أو حقيقة الحدث الذي لا يمكن إنكاره تلافيا” للأعتراف بالحقيقة كما هي.
نعم، لقد طغى الحدث الجنوبي على ما عداه من أحداث بما فيها ما يحصل على ساحة الصراع الكبرى بين أميركا وإيران بعد اتضاح “قزمية” الكيان العبري كلاعب أساسي في هذا الصراع. هذا الموقف ليس نابعا” من خلفية أيديولوجية أو موقفا” شخصيا” بعيدا” عن الموضوعية، بقدر ما هو تقييم للدور العبري الذي اقتصر على القصف سواء في اغتيال القادة الايرانيين أو في ضرب البنى التحتية والعسكرية الذي يحتاج الى جهد استخباري كبير ،لا يستطيع المتابع والعارف إنكار الجهد الأميركي والغربي البريطاني والالماني بشكل خاص في هذا العمل الاستخباري سواء في تحديد الأهداف الإيرانية أو في مواجهة صواريخها الموجهة نحو الكيان الذي لا يملك الكثير من اللامكانيات طبقا” للواقع، ولم تكن لتصمد أو تؤمن لوجستيات الدفاع ضد الصواريخ كما ضد جماعة حماس والمقاومة الفلسطينية العزلاء، لو لم تتداركها الألة الأطلسية بشكل مباشر كما قال الرئيس الروسي بوتين، ثم تنحية ” دبلوماسية نتنياهو خارج إطار التفاوض الجاري بين اميركا وإيران ، بل فرضت أميركا على الألة الحربية العبرية الحد من غلوها في التدمير على الأقل خارج مناطق المواجهة رغم ما سببه ذلك من إحراج لنتنياهو وحكومته أمام المعارضة والشارع المستميت لاستئناف الحرب، نظرا” للروح الدينية العدوانية التوسعية لديهم، ولما روجته الألة الاعلامية المضللة(كسلاح يقلب معادلات حربية ويطيح أنظمة ) من أن المواجهة هي مجرد استكمال إنهاء قوة المقاومة وأستكمال إزالة عقبة أساسية عرقلت مشروع ” إسرائيل الكبرى” .
بالعودة الى الإعلام ودوره في إدارة الصراع والمواجهة مع العدوان حيث قلبت المقاومة التوقعات وألغت في غضون أيام مفاعيل أكثر من عامين على “هزيمة” حرب الاسناد، هزيمة جولة صورت انتصارا” ساحقا”.
سطّر المقاومون خلال أيام ملاحم بطولية قلبت كل الحسابات وأعادت للمقاومة بريقها ومعنوياتها معلنة بداية مرحلة جديدة لا مكان فيها للغطرسة والاعلام الضاغط .
استعملت المقاومة أساليب قتالية مغايرة لتلك التي أستعملتها في حرب الستة وستين يوما” ترتكز على مشاغلة العدو دون الاستقرار والدفاع الثابت أو المستميت عن المناطق أو المواقع، رغم ذلك لم يستطع العدو المتقدم من التثبيت أو التطهير ( شروط الاحتلال الفعلي) كما دون الوصول الى حلمه بكسر راية السيد نصرالله باحتلال ملعب بنت جبيل حيث وصف فيه كيانهم بأنه “أوهن من بيت العنكبوت”.
إن دل ذلك على شيء فإنما يدلل على قوة المقاومة التي لم ينكرها العدو بل اعترف بهول المفاجأة وعجز آلته الحربية المدمرة وإرادته بحرق الأرض والمقاومين والابرياء على حد سواء أمام هؤلاء وإرادتهم الصلبة.
لم يبخل الاعلام العبري أو العالمي أو عجز عن إخفاء بطولة المقاومة (باستثناء بعد الاعلام اللبناني المأجور والمرتهن لمشغليه) الذي أطنب إعلامه في انتقاد اداء قيادته وجيشه، وامتداح المقاومة ، لكن ركّز هذا الإعلام قادته ومحللوه باستثناء المحلل طانيوس شحاده ومن خلفهم سائر المحللين بالتركيز على أثر المحلقة العاملة بالألياف الضوئية كنقطة قوة وتحول عندما سئل عن سر هذه المحلقة التي قلبت المعادلة واربكت حسابات العدو فجاء الرد :” أن المقاومة كانت تسطر الملاحم قبلا” وقبل استعمالها، وهي، أي المقاومة، التي انتجت الكورنيت والماس … وسجلت الانتصارات الباهرة قبل هذه المحلقة، وهذه ليست سوى واحدة من أدوات القتال” التي ربما ابتكرتها أو اشترتها أو زودتها بها إيران أو أحد الحلفاء. ثم أن العمل على هذه المحلقات ، رغم أمانها من الملاحقة والتشويش، إلاّ أن ظروف تشغيلها وتوجيهها يحتاج الى رجال وقلوب وعقول راجحة في بيئة قتالية ضاغطة، كما وأن وجود ألة أو ابتكار فعّال دون سواعد وقلوب مفعمة بالعلم والإيمان بقضية تساوي الوجود لا يؤتي المأمول . مثال واضح على ذلك العبوات الفتاكة في غزة التي قضًت مضاجع المحتل ، ما قيمتها دون مقاوم يزرعها في بطن مدرعات العدو بعد الصعود عليها وهو “القاتل أكثر من العبوة ” لطالما قالها جنوده وصحافته.
قد يكون لسلاح أو ابتكار جديد( تزخر به ترسانة العدو) تأثير عظيم بهذا القدر أو ذاك على مصير معركة ، ولكنه لا يغير مصيرا” خاصة” وأنه سلاح دروع وليس سلاحا” نوويا” أو استراتيجيا” تستخدمه المقاومة في وجه ترسانة نووية مدعوم من أعتى ألة حرب أميركية أطلسية بتكنوولوجية متفوقة إلاّ على شعوب مقاومة تدافع عن أرض ترفض أن يكون القبر مكانا” لها تحت الشمس.
غدا” ستشرق شمس جديدة، ومعركة جديدة وينتهي مفعول المحلقة أو يضعف، وقد تنعدم فيها سبل تطوير أسلحة جديدة، لكن المقاومة ستبقى وتنتصر وإن عادت الى أساليبها السابقة( عادت الى أسلوب حرب 2006 بعد فشل أو صعوبة استعمال أسلوب قتال حرب ال 66 يوما”)، وقد يكون العمل الاستشهادي أي القتال باللحم الحي والإرادة وستكتب الانتصار بأجسادها.
مهما حاول الإعلام تحريف أو حرف الوقائع تبقى المقاومة تكتب التاريخ والحقائق ، وتحقق الانتصارات بغض النظر عن الادوات التي تبقى من اللزوميات أو الضروريات وليس الأساسيات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى