
مرة جديدة تتأكد مقولة أنه يمكن معرفة كيف تبدأ الحروب لكن لا يمكن أبدا التحكم بمسارها ولا بخواتيمها. فهنالك من بات على قناعة بأن الأحداث سبقت الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو بات عاجزا عن إيقاف الحرب التي بدأها. فترامب الذي يجد نفسه مضطرا لرفع مستوى الجاهزية العسكرية بسبب عجز الطرفين الأميركي والإيراني عن التراجع خطوة الى الوراء خشية السقوط من الداخل، يجد نفسه يتزلق أكثر فأكثر باتجاه عمليات قتالية برية، وهو ما لم يكن بحسبان أحد.
حتى الآن تبدو الأمور وكأن كل طرف إستنفد كامل أسلحته من ضمن السقف الحالي المرسوم، ومن دون تحقيق نصر حاسم، وهو ما يفسر اللجوء إلى التفاوض. لكن مع الإنتقال الى مرحلة جديدة وسقف أكثر ارتفاعا فإن الحسابات تتبدل. والمرحلة القتالية الجديدة تحمل نموذجا أكثر تهورا، من خلال اعتماد مبدأ حافة الهاوية ولكن بمفردات حربية. وهذا الأسلوب يعتمد التصعيد المتدرج والتهديدات القوية والإيحاء بالإستعداد لتحمل المخاطر من كلا الجانبين. وفيما دشنت طهران حرب المضائق الخطرة بدءا من مضيق هرمز، رفعت واشنطن مستوى الجاهزية العسكرية، واندفعت في حشد قوات برية. فإذا كان القرار يعود بمعظمه للبيت الأبيض في الموضوع المتعلق بالنظام القائم في طهران، إلا أن السيطرة الأميركية على المضائق البحرية تعود للمؤسسات العسكرية الأميركية والتي لا تتهاون فيها. ومع دخول الحوثي الى ساحة القتال كآخر ورقة بيد طهران، بدا أن حرب المضائق قد تشمل مستقبلا باب المندب، وهو ما يرفع من مستوى الإستنفار الأميركي. فالمسألة باتت تتجاوز صراعا مع نظام سياسي قائم لتصل الى أساس النفوذ الأميركي في العالم، وهو ما لا تتسامح فيه مؤسسات صناعة القرار.
ومن هذه الزاوية شرعت واشنطن على إرسال حوالي عشرة آلاف جندي الى المنطقة للإنضمام الى نحو خمسة آلاف من جنود المارينز وحوالي ألفي مظلي من الفرقة 82 المحمولة جوا. وأرسلت أيضا سفينة “تريبولي” ومعها حوالي 3500 جندي وبحار، إضافة الى حاملة طائرات ثالثة هي “جورج إتش دبليو بوش”. وجرى تعزيز هذه القوات بمقاتلات هجومية وقدرات برمائية. كذلك جرى العمل على تحويل أسلحة كانت مخصصة لأوكرانيا الى المنطقة لتعويض ما تم استنزافه في الحرب حتى الآن.
وهذا الحشد القائم لا يعني أبدا حالة التحضير لغزو شامل لإيران، وإنما عمليات برية محددة ومحدودة في آن معا، لأهداف ذات أهمية استراتيجية مثل مضيق هرمز أو ما يرتبط به. فالمؤسسة العسكرية الأميركية تدرك أن المضائق البحرية ليست مجرد نقاط اختناق بحرية، بل هي مصدر السيطرة والقوة والتي تمنح نفوذا في عالم يتصاعد فيه التنافس. ومضيق هرمز يمسك بالأسواق العالمية وحركتها الإقتصادية.
وثمة جانب آخر لا يقل أهمية. فإيران التي سعت للتعويض عن التفوق الأميركي والإسرائيلي في القدرات التقنية والعسكرية والاقتصادية، عملت على التصويب على نقاط ضعف أعدائها، وأبرزها: إطالة أمد الحرب وخنق أسواق الطاقة النفطية. ومضيق هرمز يشكل ورقة إستراتيجية لرفع مستوى الضغط الإقتصادي الى الحد الأقصى وإنهاك المجتمعات الغربية. لذلك عمدت مراكز صنع القرار الأميركي للقيام بخطة مضادة عبر الإندفاع أكثر في المغامرة العسكرية وإظهار إستعدادها لتجاوز عامل الوقت، لا بل تحويله الى سلاح ضد إيران التي تعاني من شح المساعدات الدولية. ومن هنا يمكن تفسير القرار برفع إنتاج مصانع الأسلحة الأميركية الى أربعة أضعاف. وجاءت الاستعدادات الميدانية للتصويب على مضيق هرمز.
وصحيح أن الإنزلاق باتجاه توسيع دائرة الحرب بات يهدد القدرة على التحكم بمجريات الأمور، إلا أن الرسائل المرنة بقيت موجودة رغم ضيق الهامش السياسي. ففيما يصرح ترامب بأن المحادثات مع إيران تسير بشكل جيد، أرسلت طهران هدية وصفها ترامب بالثمينة جدا، وهي كناية عن السماح بمرور عشر ناقلات نفط عملاقة. هذا في وقت صرح فيه وزير الخارجية التركي بأن الإتصالات الأميركية_الإيرانية وصلت الى مرحلة متقدمة أو على الأقل بدأت فعليا، ومشيرا الى إدراك الأطراف المعنية بمخاطر إستمرار التصعيد، ولافتا الى مشاورات مكثفة تجريها أنقرة مع كل من واشنطن وطهران.
ومن هنا السؤال الأهم: متى نصل الى المساحة التي تفصل بين انتهاء الأعمال العسكرية والشروع في التسويات السياسية؟ وهي المساحة التي يثبت فيها نفسه من يملك قدرة الصمود والإستمرار وامتلاك الكلمة الأخيرة.
في العام 2023 عاش العراق حربا شرسة كان يمكن له أن يتخطى آثارها، لكن الفشل في التخطيط السياسي لمرحلة ما بعد الحرب هو ما أدى الى تدمير العراق. وبالتالي فإن السؤال الأهم يتمحور حول اليوم التالي، في ظل التدمير الواسع الذي يلحق بركائز الدولة الإيرانية. وفي اليوم التالي سيفتح للمرة الأولى ربما ملف حساس يتعلق بالعلاقة الأميركية_الإسرائيلية ووجوب ترسيم حدودها، وهو ما سيعمل عليه الرئيس الذي،سيخلف ترامب. لن تتخلى واشنطن عن تل أبيب حتما، لكن ثمة حاجة أظهرتها ولاية ترامب وتفرض رسم خطوط حمر صارمة وتفصل بين مصالح واشنطن الإستراتيجية في الشرق الأوسط ومصالح إسرائيل، بعد أن أزال ترامب كل حدود بينهما. وقد تبدأ بشائر هذا التوجه مع الإنتخابات النصفية الخريف المقبل.
وفي وقت تبدي فيه واشنطن تأييدها لقرار إسرائيل في حربها على لبنان وتمسكها بالوصول الى الليطاني، بدت الدول الأوروبية أيضا أقرب لوجهة نظر إسرائيل. صحيح بأن التركيز منصب على إيران، إلا أن مشاورات جانبية تدور رحاها لهندسة اليوم التالي في لبنان. وثمة اقتراح يجري التداول به في الكواليس الديبلوماسية ويقضي بتقدم مجلس الأمن الدولي باقتراح يدعو لبنان لإلتزام مبدأ الحياد، وإنجاز مفاوضات سلمية مع إسرائيل. على أن يترافق ذلك مع إصلاحات سياسية واقتصادية تفتح باب المساعدات الخارجية والتي سيكون لبنان بأمس الحاجة إليها. وكذلك أن تحصل أعادة “شدشدة” لمفاصل السلطة في لبنان تسمح بتطبيق جدي ورصين للقرارات المتخذة.
في هذا الوقت تستمر إسرائيل في سعيها العسكري للوصول الى الليطاني وتكريس جنوبه منطقة خالية من السكان. وتركز إسرائيل على السيطرة على منشآت حزب الله في وادي القصير ووادي حامول وصولا الى جبل الريحان شمال الليطاني. وبذريعة وجود مستودعات أسلحة ومداخل أنفاق داخل المنازل، تعمل إسرائيل على هدم البيوت وتدمير القرى. وهي أبلغت واشنطن كما عواصم أوروبية أخرى بأن عملياتها في لبنان ستطول الى شهرين وربما أكثر. ولمس لبنان إنحياز الموقف الأميركي بالكامل الى جانب إسرائيل إن كان عبر الميكانيزم والذي ما يزال قائما، أو حتى عبر التواصل مع القنوات الديبلوماسية الأميركية. فواشنطن باتت مصطفة بالكامل خلف السردية الإسرائيلية، في وقت أضحى تواصلها السياسي والديبلوماسي مع لبنان الرسمي باردا جدا. حتى مع الجيش اللبناني فإن التواصل بات مقتصرا على الجانب التقني الصرف عبر الملحق العسكري الأميركي، فيما غاب التواصل كليا عن المستويات السياسية والعليا.
لكن هذا الواقع “البارد” والذي زادت من برودته ترحيل الجزء الأكبر من كادر السفارة الأميركية، لم يمنع من متابعة المخاطر التي تهدد الساحة اللبنانية الداخلية، بسبب التهجير الواسع الذي طال أبناء الجنوب والضاحية، والذي أدى الى خلل خطير في التوزيع الديمغرافي الداخلي. وإثر الإحتكاكات التي جرت عمدت قيادة الجيش الى وضع خطة طوارىء لتدارك أي انهيار أمني قد يحصل. وعمدت على نقل حوالي ألف عنصر من فوج التدخل من الجنوب الى بيروت ومحيطها. وجاء التجمع الذي حصل في ساحة رياض الصلح والهتافات ضد رئيس الحكومة ليعزز القناعة بضرورة إيلاء الساحة الداخلية رقابة أكبر، خصوصا وأن الديبلوماسيين قرأوا في التجمع رسائل للرئيس سلام، رغم محدودية الأعداد المشاركة.
وفي الإطار نفسه، عمدت باريس على إرسال 39 آلية من نوع VAP سيجري تسليمها خلال الأيام القليلة المقبلة. وهذه الآليات مخصصة للإستخدام الداخلي وتهدف لتعزيز الأمن، ومنع انزلاق لبنان الى الفوضى التي يجري التلويح بها.
وفي إشارة أميركية رمزية حول فصلها بين علاقة واشنطن بالمؤسسة العسكرية والعلاقة مع القرار السياسي، عمدت واشنطن على الموافقة فورا على تعيين ملحق عسكري لبناني جديد في واشنطن هو العميد أوليفر حاكمة، في وقت بقي التواصل الديبلوماسي مع لبنان ضعيفا.
يتحدث البيت الأبيض عن تمديد الحرب على إيران لشهر آخر إضافي، في وقت لا يبدو الأفق واضحا. لكن أيا تكن التطورات على الجبهة الإيرانية فإن الوشوشات الديبلوماسية تشير الى مرحلة حربية أطول في لبنان، والى برنامج يجري إعداده لما بات يعرف باليوم التالي، وهو يطال الجانب الخارجي كما الواقع الداخلي اللبناني.


