مقالات صحفية

“هل بدأت مرحلة التحولات الكبرى؟” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

استعجال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو زيارته لواشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب أظهر بأن قنوات التفاوض الخلفية المفتوحة بين الإدارة الأميركية وطهران شهدت تقدما حقيقيا، وأن احتمالات التوصل الى تسوية شاملة أصبحت مرتفعة، وهو ما يعارضه نتنياهو واليمين الإسرائيلي بشدة. لذلك طار نتنياهو على وجه السرعة، على أمل التأثير على توجهات ترامب وفريق عمله. مع التذكير هنا بالعلاقة الخاصة التي تربط الرئيس الأميركي برئيس الحكومة الإسرائيلية، وحيث كان نتنياهو أول مسؤول أجنبي كبير يستقبله ترامب بعد أسبوعين من دخوله البيت الأبيض.
من المنطقي الإستنتاج بأن نتنياهو سيعمل في واشنطن على إجهاض ما يجري صياغته من مشاريع وتفاهمات بين واشنطن وطهران. فقبل أسبوعين كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية المحسوبة على اليمين الإسرائيلي تتحدث عن أن ترامب إتخذ قراره بضرب إيران، وأن تحديد التوقيت سيقرره البيت الأبيض وفق ظروف واعتبارات مختلفة. لكن ومع وصول بلوغ الحشد العسكري الأميركي ذروته إنطلقت الديبلوماسية الإيرانية باتجاه تركيا وروسيا، وعادت الحركة الناشطة الى قنوات التفاوض الخلفية عبر سلطنة عمان، ما أدى وبشكل مفاجىء الى فرملة المسار التصعيدي واستبداله بجولة تفاوضية أولى. ويبدو أن ثمة معلومات دقيقة حول المفاوضات وصلت الى تل أبيب، ما دفع بنتنياهو لطلب موعد لقاء سريع مع الرئيس الأميركي ومع وفده المفاوض بهدف فرملة الإندفاعة التفاوضية الأميركية. وقد يكون نتنياهو يراهن على قدرة تأثيره على الرئيس الأميركي الذي كان الأكثر “سخاء” في عطاءاته منذ دخوله لأول مرة البيت الأبيض عام 2017. فخلال ولايته الأولى جرى نقل السفارة الأميركية الى القدس وهو الذي كان يمثل وعودا إنتخابية لجميع أسلافه ولكن من دون أي تنفيذ. كذلك إعترف ترامب بضم إسرائيل للجولان، وكذلك البدء بصياغة إتفاقيات إبراهيم. أما في ولايته الثانية فإن ترامب فتح أبواب الدعم العسكري الهائل للجيش الإسرائيلي في حربه على غزة ولبنان، وضغط بقوة لإنجاح حل في غزة يؤمن إطلاق الرهائن الإسرائيليين وينص على نزع سلاح حركة حماس، إضافة الى منح إسرائيل الضو الأخضر لضرب إيران والذي لاقاه بقصف الطائرات الأميركية للمنشآت النووية الإيرانية في فوردو وأصفهان ونطنز.
ولكن وعلى الرغم من كل هذا التاريخ الحافل بالتعاون والتفاهم بينهما إلا أن تأثير نتنياهو على ترامب قد لا يكون مضمونا هذه المرة. فمن جهة هنالك فرصة جدية للتوصل الى تفاهم مع النظام الإيراني الديني يؤمن لترامب مكتسبات إقتصادية ضخمة إضافة الى المطالب النووية المطروحة، ومن جهة ثانية هنالك أزمات ومشاكل ترامب الداخلية والتي تتفاقم أكثر فأكثر، ما يدفعه للذهاب الى حلول ديبلوماسية منخفضة المخاطر، شرط أن تسمح له بالحصول على مكاسب كبيرة. ويعتقد أحد الديبلوماسيين الأميركيين أنه لو حصلت زيارة نتنياهو وفق الظروف الداخلية الأميركية والتي كانت قائمة قبل شهر، لكان تأثيرها أقوى على البيت الأبيض.
وبعيدا عن المواقف المعلنة والتي تهدف لمخاطبة الشارع أكثر منه لرسم خطوط السياسة الفعلية، فإن التقديرات لدى الأوساط الديبلوماسية الأميركية ترجح بأن طهران ربما تريد التعاون مع واشنطن، ولكن بصيغ وطرق لا يبدو معها التوافق إستسلاما. ففي الذكرى السابعة والأربعين لقيام الجمهورية الإسلامية في إيران، جرى تنظيم إحتفالات ردد خلالها المشاركون شعارات مناهضة وحرق أعلام لإسرائيل والولايات المتحدة على السواء. كما جرى استعراض صواريخ مجنحة وأخرى بالستية. لكن كلمة مرشد الثورة خامنئي حملت جملة ملتبسة “وحمالة أوجه”. فهو قال: مصدر القوة لا يقتصر على القدرات الصاروخية، بل يقوم أساسا على إرادة الشعب وصموده ووحدته.
ولكن ثمة أجواء مختلفة بدأت بالظهور في المنطقة، وهو ما يمكن ملاحظته بكل وضوح في الجلسات الجانبية على هامش إنعقاد منتدى الدوحة السنوي والذي تنظمه “الجزيرة”. فهذه اللقاءات تشهد عادة نقاشات مفتوحة وصريحة بين توجهات سياسية مختلفة، ما يكسب المرء نظرة أكثر شمولية. وما لفتني أنه في المنتدى الحالي بدا الحضور أقل تعبئة مما كان عليه في العام الماضي، تحديدا لناحية الحساسية المفرطة التي كانت لدى هذا الحضور من مختلف نخب العالم العربي تجاه إيران والقوى المحسوبة عليها. ففي العام السابق كان انتصار أحمد الشرع في سوريا ما يزال “طازجا”، إضافة الى الحرب على حزب الله. أما منتدى هذا العام فهو جاء بعد الحرب الجوية التي طالت إيران، وبعد تسوية غزة، وبعد الغارة الإسرائيلية على قيادات حماس في الدوحة. وعدا أنه كانت كلمة لوزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي في جلسة الإفتتاح، إلا أن الأجواء إختلفت بعض الشيء عن العام الماضي. وكانت لي ملاحظات ثلاث:
الملاحظة الأولى، دعوة أحد الباحثين، وهو عراقي الجنسية، الى عدم الربط بين تسليم سلاح حماس وانتهاء عمل المقاومة، بما يمكن تفسيره بأن العمل المقاوم ليس فقط عسكريا ومحصورا بالعمل المسلح. وفي العام الماضي كان للباحث نفسه موقف أكثر تعبئة، مع الحرص على الفصل بين الحماسة “للملحمة التي تخطها فصائل حركة حماس في غزة”، وبين الإنتقاد لدور إيران في المنطقة. وهذا الإنتقاد يصبح أكثر حدة في الجلسات الجانبية. أما في المنتدى الحالي فإن المناخ بدا أقل تعبئة مما كان عليه في العام الماضي.
أما الملاحظة الثانية،فتتعلق بالنقاش الذي حصل مع أستاذ جامعي إيراني متعاقد مع جامعة عريقة في إحدى العواصم الأوروبية الغربية واختصاصه يتركز على إيران والشرق الأوسط. وهذا الأكاديمي يزور طهران دوريا حيث يعيش أهله، والذين شهدوا الحرب الجوية التي حصلت في حزيران الماضي. وفي ملخص لما قاله بأن السلطة الإيرانية أجرت مراجعة شاملة لاستراتيجيتها السياسية، وأنها اتخذت قرارا بصياغة سلوك جديد قد يتضمن إلتزاما بعدم تهديد إسرائيل. وإذ يعترف بأن القرار أولا وأخيرا هو بيد خامنئي، فهو أضاف بأن رسم سياسة جديدة يعود للنظرة الواقعية التي يتمتع بها. والباحث الإيراني يفصل بين البراغماتية والواقعية (réaliste). ويشرح بأن الظروف باتت تقتضي الذهاب في مسار جديد، ولكن مع التمسك بحفظ الشكل والصورة، وهذه مسألة أساسية. وخلافا للإنطباع السائد فهو يعتبر أن الحرس الثوري بالإجمال هو واقعي في تعاطيه مع الأمور. ولذلك فهو يتحدث عن وجود مرونة إيرانية في موضوع التفاوض مع واشنطن، مع نية لإنجاح هذه المفاوضات، ولكن مع الإصرار على احترام الشكل، وأيضا حفظ بعض المصالح الإيرانية الأساسية. ويضع ذلك في إطار الحسابات الواقعية. “يمكن إيجاد حلول معقولة للنووي والصواريخ، وهذه تخضع للشطارة في التفاوض، لكن الخلفية هي لحصول الإتفاق”. أما بالنسبة لملف “تصدير الثورة” فإن الأكاديمي الإيراني ينقل وجود إقرار داخلي في طهران حول فشل الأهداف التي كانت مرجوة منه. وبالتالي، فإن القناعة باتت أكبر بالتخلي عن هذا المشروع، ولكن من دون التخلي أخلاقيا أو معنويا عن المجموعات التي شكلت ركائز له. أي بمنع حصول أي “تصفية حساب” معهم لاحقا. لا بل فهو يذهب أبعد من ذلك، حين يعتقد بأن هذا التحول البطيء الحاصل لإيران سيواكبه في مرحلة ما خروج خامنئي من موقعه، ولكن بعد أن يشرف بنفسه على وصول من سيخلفه في هذا الموقع. فهو يفضل وسط هذه الظروف الصعبة، إنتقال هادىء ومضمون على حياته، وليس الإندفاع باتجاه المجهول في حال غيابه، خصوصا وأن إيران ذاهبة في اتجاه جديد، ولكن من ضمن أطر النظام الديني القائم. لكن احتمالات نجاح المفاوضات لا تتجاوز ال50% وفق تقديراته. فهنالك “جشع” ترامب الذي يمكن أن ينسف المهمة بأكملها، وهنالك أيضا المصاعب الداخلية الأميركية، وهنالك خصوصا نتنياهو وسعيه لنسف أي اتفاق تفاوضي كونه يريد ضربة عسكرية، وهي النقطة المتعلقة بالملاحظة الثالثة.
أما الملاحظة الثالثة والأخيرة، فتحدث عنها أحد الباحثين المتخصصين بالشأن الإسرائيلي، وهو بالمناسبة من فلسطينيي ال48، وهو يحمل جواز سفر إسرائيلي. فهو يعتقد أنه عندما سيحديد نتنياهو موعد انتخاباته فإن الخطر سيلوح بقوة، وتحديدا قبل حوالي ثلاثة أشهر من موعد حصول الإنتخابات، والمرجحة بين موعدي حزيران أو تشرين الأول. وينقل هذا الأكاديمي الفلسطيني عن مصادره بأن العقل الإسرائيلي يعتقد بأن الظروف تبتسم لإسرائيل، وهو ما لا يمكن حصوله إلا مرة كل مئة عام. فإيران التي باتت ضعيفة ومنهكة بدليل استخدامها العنف المفرط لقمعها الإحتجاجات، بات يمكن إسقاط تركيبتها الحاكمة بعملية عسكرية مترافقة مع تشديد الخناق حول اقتصادها المتهالك. وفي حال حصول ذلك، فإن ضربة واحدة يمكن أن تدفع بكامل المنطقة المحيطة بإيران الى حروب ووحول وتفتيت واسع. فسقوط الرأس سيؤدي الى تفكك الأطراف مثل البلوش في الجنوب الشرقي حيث حصل القمع الدموي للسلطات. وتفكك البلوش سيؤدي الى صراع ليس فقط مع طهران ولكن مع باكستان وربما أفغانستان. كذلك سيؤدي تفكك الأكراد الى بركة صراع دموية مع تركيا ما سيجعلها منشغلة لوقت طويل ويحد من طموح توسعها جنوبا. وفي الشمال سيتفكك الآذاريين، وفي الأهواز سيتجه أصحاب القومية العربية للإنفصال أسوة بغيرهم، وهو ما سيفتح أبواب النزوح باتجاه الخليج، وبالتالي فتح أبواب إضطرابات، ما يجعل الحاجة لإسرائيل ملحة.
وليس بعيدا عن هذه الملاحظات، خصوصا الثانية، بدت التطورات في لبنان أكثر مرونة خلال الأيام الماضية. فزيارة رئيس الحكومة نواف سلام الى الجنوب ما كانت لتتم لولا وجود مناخ خارجي مؤات ومشجع، خصوصا وأنها حملت إلتزاما بإعادة الإعمار وهو ما ترفضه إسرائيل بشكل مطلق. وهذه الزيارة حصلت بالتنسيق الكامل مع الرئيس نبيه بري وقيادة حزب الله. أضف الى ذلك الإبلاغ الأميركي حول المخزن الضخم لحزب الله جنوب الليطاني. والسؤال هو حول كيفية اكتشافه. فلو كانت إسرائيل تعرف به من خلال وسائلها التقنية أو الأمنية، لكانت قامت بقصفه فورا، وعملت على إثارة إعلامية واسعة. كذلك، لو كان الجانب الأميركي يعرف به قبل الآن لكان فعل ذلك سابقا. إذا فالسؤال الأساسي هو كيف جرى اكتشاف هذا النفق الضخم، وهل للتوقيت معناه؟
في الشرق الأوسط عادة ما يجري رسم الحلول الجدية في الكواليس البعيدة، وهو ما قد يكون يحصل في هذه المرحلة بالذات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى