
إرتفعت حدة المواقف الداخلية مع الإنتهاء من المرحلة الأولى للخطة التي وضعها الجيش اللبناني واقرتها الحكومة اللبنانية، والتحضر للبدء بتنفيذ المرحلة الثانية والتي تشمل المنطقة الممتدة ما بين شمال الليطاني وصولا الى الأولي. وكرر حزب الله موقفه الرافض لأي خطة لها علاقة بشمال الليطاني، لكن الموقف الأشد عنفا وقساوة جاء على لسان الأمين العام الشيخ نعيم قاسم والذي استخدم تعابير غير مألوفة. ربما لأن المقصود بذلك الإيحاء بأن كل المحرمات الأمنية ستسقط في حال تجاوز الخطة لخط الليطاني.
صحيح أن حزب الله حاول احتواء تداعيات كلام أمينه العام من خلال توزيع بعض التوضيحات، لكنه بقي متمسكا بمضمون الكلام: سنواجه أي سعي للأقتراب من سلاحنا. في السابق بدا حزب الله أقل توترا وحدة، وسط تواصل مستمر مع السلطة اللبنانية. لكن عاملين أساسيين قد يكونا جعلاه ينحو باتجاه الخطاب الحاد، والإنتقال من المرونة الى التصلب.
العامل الأول، ويتعلق بالضغوط الأميركية والتي اصبحت أكثر وضوحا مع وصول السفير الأميركي الجديد الى بيروت ميشال عيسى، وهو المعروف عنه علاقته الشخصية المباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لدرجة أن الصالونات السياسية اللبنانية تنقل عنه قوله بأنه قادر على التواصل مع رئيسه مباشرة ومن دون المرور بالتعقيدات الإدارية. وعيسى الذي كان باشر مهامه وهو يحمل تصورا عاما، تكونت لديه قناعة أكثر تفصيلا حيال الملف اللبناني، حيث أنه يشكك بالسعي لإستهلاك الوقت والتمييع من دون تحقيق الأنجاز المطلوب. وهذا ما يمكن استنتاجه من عبارته التي يرددها دائما على مسمع من يلتقيهم: نريد أفعالا ملموسة وليس فقط مواقف إعلامية. وجاء إلغاء زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل الى واشنطن في 18 تشرين الثاني الماضي في سابقة هي الأولى من نوعها، لتؤشر الى سلوك أميركي صارم باتجاه لبنان. وخلال جولته على المسؤولين اللبنانيين في إطار اللجنة الخماسية كانت عبارات عيسى محددة ووفق أسلوب بارد. لكن اللقاء بقائد الجيش شهد نقاشا تضمن بعض التوتر بين السفير الأميركي وقائد الجيش، وذلك على عكس بقية أعضاء وفد الخماسية الذين غلب عليهم الهدوء. لكن أعضاء الخماسية يعرفون جيدا أن الجيش اللبناني ينفذ قرارات السلطة السياسية، وهو ما يعني وجوب انتظار ما سيصدر عن الحكومة. ولذلك تشهد قنوات التواصل بين الجيش والجانب الأميركي حركة ناشطة بشكل دائم ومستمر.
صحيح أن إعادة تحديد زيارة العماد هيكل الى واشنطن تعيد تصحيح الصورة إثر ما حصل في شهر تشرين الثاني الماضي، لكن التوقيت الذي جرى اعتماده يوحي بالكثير. فهو يستبق جلسة مجلس الوزراء التي من المفترض أن تعقد في بداية شهر شباط المقبل، رغم أنه لم يجر تحديد التاريخ بعد. ففي هذه الجلسة من المقرر أن يستعرض قائد الجيش كل ما لديه من ملفات حول جنوب الليطاني ليقوم مجلس الوزراء باتخاذ القرار المطلوب للإنتقال الى المرحلة الثانية. وبات معروفا أن واشنطن تتمسك بضرورة أن يكون القرار مقرونا ببرنامج زمني واضح ومحدد جيدا. وهنا تصبح زيارة قائد الجيش الى واشنطن تحمل في طياتها رسائل الى السلطة السياسية، وليس فقط الى القيادة العسكرية. كما أن هذه الزيارة تستبق مؤتمر دعم الجيش، والذي ما تزال التكهنات بشأن نتائجه غير مرتفعة. فاعتذار السعودية عن استضافته على أراضيها، وحتى عن استضافة الإجتماع التمهيدي له، يؤكد المعلومات المتداولة بأنها لن تساهم فيه، وذلك ربطا بموضوع السلاح. إلا إذا طرأ تطور إيجابي في هذا الإتجاه. أما قطر فستتولى تقديم الدعم ولكن ليس على نطاق واسع، وبما يتناسب مع ما يأمله لبنان حول مساهمات تقارب المليار دولار يحتاجها الجيش للسنة الأولى.
أما العامل الثاني، فهو لا يقل أهمية عن العامل الأول، لا بل هو يفوقه أهمية، وهو العامل الإقليمي والمتعلق بإيران. فالقيادة الإيرانية التي عاشت تحت وطأة التهديدات الأميركية وكذلك الإسرائيلية لعدة أيام والتي دعت لإسقاط النظام القائم، تدرك أنها ستبقى تحت المجهرين الإسرائيلي والأميركي بهدف القيام بعملية عسكرية قاضية. وما تزال آثار الحرب الجوية التي تعرضت لها إيران ترخي بثقلها على الخطط والتحضيرات الإيرانية. ووفق مصادر معنية ومطلعة فإن التقييم الذي أجرته السلطات الإيرانية أظهر لها الأخطاء الثلاث التي ارتكبتها طهران وجعلتها تتعرض لما تعرضت له. الخطأ الأول، وهو اعتقادها بأن أحدا لن يجرؤ على استهدافها. والخطأ الثاني، كان بالخروقات الأمنية الواسعة والتي نتجت عن استهتار الأجهزة الأمنية وفشلها. أما الخطأ الثالث، فهو عدم استعانتها بقواها الإقليمية للتحرك دفعة واحدة منذ بدء الحرب، وهو ما كان ليجعل أعداؤها يحسبون ألف حساب قبل استهدافها. من هنا تبدو طهران مصممة على اتباع سياسة المواجهة. وهو ما ينطبق على واقع حزب الله في لبنان. وخلال الأيام الماضية، وفي عز التهديدات الأميركية ضد طهران، تمنع حزب الله عن إعطاء أي جواب حول ما إذا كان سيفتح جبهة لبنان في حال حصول ضربة على إيران. لكن ثمة قناعة راسخة لدى المراقبين بأن “غموض” جواب حزب الله يعني ضمنا الإنخراط في الرد على إسرائيل، الى جانب الحوثي والفصائل العراقية. وبالتالي، فإن طهران تحسب بأن من أهداف نزع سلاح حزب الله تجريد إيران من مظلة الحماية الإقليمية، ما سيجعلها مكشوفة من جديد، ولقمة سائغة أمام الساعين لتغيير النظام القائم. وحملت الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي في بعض جوانبها رسالة التمسك بالجسم العسكري لحزب الله مع كامل سلاحه الثقيل والنوعي.
ومن هنا يمكن فهم الخطاب العالي السقف لحزب الله والمتعلق بالمرحلة الثانية من الخطة. ألم يقل قاسم بأنه لا وجود لأي مراحل أخرى غير مرحلة جنوب الليطاني؟ واستطرادا، يمكن التكهن سلفا بأن حزب الله ومن خلفه إيران يضعان الحسابات الصعبة أمامهما، وهو ما بدأ بتطبيقه من خلال وقف أي وجه من أوجه التعاون مع الجيش بخصوص مخازن السلاح. لكن ماذا لو اتخذ مجلس الوزراء قرار البدء بتنفيذ المرحلة الثانية وأعطى الضوء الأخضر للجيش للتحرك؟ في هذه الحالة يمكن أن تذهب الأمور باتجاه المواجهة. وهذا الإحتمال بات موضوعا على الطاولة ولو أن نسبته ليست مرتفعة بعد.
وفي وقت تبدو فيه خطوط التواصل “مجمدة” بين قصر بعبدا وحزب الله، وحيث يتولى رئيس الجمهورية التنسيق من خلال رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي كرر أكثر من مرة تأييده للبدء بالمرحلة الثانية، زار وفد من القيادة العسكرية لحزب الله عين التينة حيث اجتمع بالرئيس بري مطولا، وشرح له بشيء من التفصيل الوضع العسكري لحزب الله وبأنه ليس بالسوء الذي يجري الحديث عنه. طبعا فإن الهدف من الإجتماع استمالة بري أكثر الى جانب رؤية حزب الله لهذه المرحلة.
في هذا الوقت عمدت إسرائيل الى رفع مستوى ضغوطها الميدانية والتي تتركز على المنطقة التي تشملها المرحلة الثانية. وبموازاة ذلك، عمدت وبالتفاهم مع واشنطن على تعطيل عمل لجنة الميكانيزم. وكأنها توحي بذلك، بأن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة، وأن المعادلة التي يجري التمهيد لتثبيتها مستقبلا، تفرض “ميكانيزم” بجدول أعمال مختلف عما هو عليه الآن. أي ربما ميكانيزم يحاكي العناوين السياسية وليس العسكرية كما هو حاصل الآن. وهذه المؤشرات قد تكون تنبىء بتطورات عسكرية، من جهة تؤدي الى فتح مسار سياسي جديد للبنان، ومن جهة أخرى تساهم في تعطيل أحد أهم “أذرع” إيران الإقليمية، تمهيدا لتعاط مختلف معها. وما يضاعف من عامل القلق تلك الصفقة المبهمة والتي نسجتها إدارة ترامب، وأدت الى وهب الورقة الكردية في سوريا وحقول النفط لسلطة دمشق ومن خلالها لتركيا. والمقصود هنا أنه في الصفقات السياسية يكون هنالك عادة أثمان مقابلة. والسؤال هنا، أين ستسدد دمشق هذا المقابل لواشنطن؟
وثمة حساب آخر لا بد من وضعه على الطاولة. ففي آخر استطلاع لشبكة السي أن أن الأميركية، بدا وكأن ترامب قد أخفق في سنته الرئاسية الأولى. 62% هم ضد سياسته الإقتصادية. و61% ضد رفعه الرسوم الجمركية. و72% هم ضد أولويات ترامب المطلقة. و54% لا يؤيدون تدابيره بشأن الإدارة المتعلقة بشؤون الهجرة. و75% ضد مطالبته بضم غرينلاند. ووفق النسبة الإجمالية، هبط رصيد ترامب الى 39%، وفي بعض الإستطلاعات الأخرى 41%. والسؤال هنا، كيف سيسعى ترامب للتعويض في سنته الثانية، وهي سنة الإنتخابات النصفية. ولفت هنا بأن عملية الإطاحة بمادورو نالت بعض التأييد، وكذلك دعوته لتغيير النظام الإيراني، ولكن من دون التورط في حرب مفتوحة. وترامب الذي بدأ يلحظ وجود معارضة ضده داخل الحزب الجمهوري، ما جعله يخسر تصويت مجلس الشيوخ لقراره حول فنزويلا، يسعى للتعويض شعبيا عبر القيام بعمل ما. فالقبضة التي كان يمسك بها الحزب الجمهوري بدأت تتراخى بسبب اعتراضات واسعة حول دعوته للإستيلاء على غرينلاند أو التحقيق مع رئيس الإحتياطي الفدرالي والتي يصفون ما يحصل بأنه غير عقلاني. لكن استهداف النظام الإيراني يلقى قبولا داخليا أميركيا. وهنا يصبح السؤال ما إذا كان ترامب سيجد في مشروع نتنياهو تجاه إيران وحزب الله نافذة خلاص؟


