
لم ينقشع الغبار بعد عن ورقة التفاهم الأميركية_الإيرانية، بانتظار نشرها رسميا بعد التوقيع عليها من الجانبين الأميركي والإيراني يوم غد الجمعة في سويسرا. ووسط تمسك واشنطن وطهران بعدم تسريب بنود ورقة التفاهم والتي يغلب عليها الغموض، كانت الأصوات الإسرائيلية تتوحد في اعتبارها أن إسرائيل تعرضت لما يشبه الخيانة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فهي اعتبرت أنها حاربت الى جانب الجيش الأميركي ولكن الإدارة الأميركية نفذت صفقة على قياس مصالحها وعلى حساب المصالح الإسرائيلية. وهي ليست المرة الأولى التي تشهد فيها العلاقات الأميركية_الإسرائيلية إفتراقا في المصالح، فثمة محطات تاريخية عدة شهدت إفتراق مشابه في المصالح.
يروي التاريخ أنه عند معظم المحطات الحربية التي خاضتها إسرائيل كانت تظهر خلافات جوهرية بين واشنطن وتل أبيب حول النتائج السياسية المطلوبة. وحتى خلال الإجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 حصل خلاف مماثل، دفعت ثمنه غاليا الدولة اللبنانية. والدروس المستقاة من هذه الخلافات بأن الرؤيا والمصالح السياسية تختلف أولوياتها بشكل واضح بين واشنطن وتل أبيب. ولكن علينا ألا نخطىء التقدير بأن الترابط الأميركي_الإسرائيلي أقوى وأعمق من هذه الخلافات.
ويحلو للبعض أن يستذكر النتائج التي آلت إليها حرب العام 1973 ويشبهها بالنتائج التي تمخضت اليوم عن نهاية الحرب مع إيران. يومها حققت مصر نتائج عسكرية مبهرة عندما نجح جيشها باجتياز قناة السويس وتحطيم خط بارليف المنيع والتوغل في سيناء. لكن النصر لم يكتمل، بسبب تمكن قوة إسرائيلية بقيادة أرييل شارون من اختراق الخطوط المصرية عبر استغلال ثغرة كانت تفصل بين الجيشين الثاني والثالث المصريين، وعمدت الى العبور الى الضفة الغربية من القناة عند منطقة الدفرسوار حيث عمدت الى تنفيذ حصار على الجيش الثالث. واعتقدت إسرائيل أنها نجحت في قلب المعطيات الميدانية عبر إحكام قبضتها وحصارها على القوات المصرية، وأنها باتت تراهن على الوقت لإعلان انتصارها. يومها تدخلت واشنطن عبر “الثعلب” هنري كيسنجر، ولعبت دور الوسيط لإنجاز تسوية كاملة تجعل إسرائيل تفك حصارها عن الجيش الثالث المصري. بالطبع لم تكن إسرائيل مسرورة بهذه النتيجة كونها كانت تطمح لإعلان النصر، لكنها لم تكن تملك خيارا سوى الإذعان وقبول نتائج وساطة كيسنجر. ذلك أنه عند اندلاع هذه الحرب وتقهقر الجيش الإسرائيلي في الميدان سارعت واشنطن الى نجدتها عبر إنشاء جسر جوي لتزويدها بالأسلحة والذخائر. لذلك كانت إسرائيل في موقع لا يسمح لها بمعاندة كيسنجر الديبلوماسي الذي اشتهر بالواقعية وبأنه خال من العواطف. يومها تمسك كيسنجر بعدم ترك إسرائيل تستمر بحصارها للقضاء على الجيش الثالث. فكيسنجر كان يعرف أن نتيجة كهذه ستعني توجيه إهانة تاريخية للرأي العام العربي بأكمله، ولجيل كامل من الناس. وبالتالي فهو آثر على تسليف الرئيس المصري أنور السادات موقف ثمين قد يفتح الطريق لاحقا أمام انتزاع مصر من الفلك السوفياتي واجتذابها الى الفلك الأميركي. وتحقق رهان كيسنجر، ما أدى لاحقا الى فتح أبواب العالم العربي أمام الديبلوماسية الأميركية. واكتشفت إسرائيل يومها أن لعلاقتها الخاصة مع الولايات المتحدة تسلسل هرمي متدرج، يصبح أكثر وضوحا عند خط النهاية.
واليوم يتكرر المشهد ولو من خلال بعض عناوينه العريضة. فإسرائيل التي كانت تعمل لإسقاط النظام الديني في إيران، تمهيدا لدفعها للفوضى والتفتيت، إصطدمت بإرادة واشنطن والتي كانت تعمل لترويض النظام الإيراني وإخضاعه لا تدميره. وفيما رأت إسرائيل أن اغتيال المرشد ومعه قادة الصف الأول سيفتح الباب باتجاه تحقيق مشروعها، كانت واشنطن ترى في ذلك إستبدال للجيل العقائدي الحاكم بآخر أكثر براغماتية وواقعية، وهو ماردده ترامب مرات عدة. فإيران التي تلقت ضربات عسكرية وتدميرية هائلة تجاوزت ال300 مليار دولار، وكان اقتصادها يرزح تحت حصار بحري محكم، وآبارها النفطية مهددة بالإغلاق، وجدت في التسوية السياسية مكسبا كبيرا لها، خصوصا وأنه لا يتناسق مع المعطيات الميدانية، وهي النقطة التي أثارت نتنياهو. وفي العام 1973 وإثر الإتفاق الذي حصل مع مصر إنتقلت واشنطن من إدارة الصراع العربي_الإسرائيلي الى احتواء تداعياته. واليوم تحاول واشنطن الإنتقال من سياسة الضغط والمواجهة الى صيغة تضبط السلوك الإيراني. أي أنها رجحت كفة الواقعية السياسية على الإنهاك وربما السقوط العسكري.
لكن ثمة مفارقات أساسية بين النموذج المصري يومها والنموذج الإيراني في يومنا الحالي. فمصر كانت دولة مركزية واحدة تحظى بمساندة الدول العربية. أما إيران فهي دولة ذات نظام ديني، وتدير شبكة نفوذ إقليمية تمتد من اليمن وصولا الى لبنان ومرورا بالعراق، وهو ما يجعل تنفيذ أي توجه سياسي جديد أكثر تعقيدا. ثم إن التسوية الحالية تبدو أقرب الى إدارة نزاع منه الى سلام شامل أو بشائر تحالف جديد، أقله حتى الآن.
لكن الأهمية التي تقف عند بنود إطار الإتفاق المطروح تبقى في قراءة الفلسفة السياسية الموجودة في خلفية الورقة، خصوصا وأن هنالك الكثير من التفاصيل والتي لن تظهر الى العلن، والتي ستحظى بأهمية تتجاوز البنود نفسها.
لكن وفي قراءة سريعة، وبعيدا عن إنفعالات الترحيب أوالشجب، إلا أن النقطة المحورية التي لطالما تغنى بها ترامب بأن ملف السلاح النووي لم يعد موجودا. وإذا أضفنا الى ذلك ما قيل عن التزام طهران بعدم تمويل الأنشطة العسكرية للمجموعات المحسوبة عليها في المنطقة، تصبح الصورة أكثر اتضاحا. خصوصا وأنه جرى الترويج عن وجود بند يلزم واشنطن وحلفائها (وضمنا إسرائيل) من استهداف إيران في مقابل التزام طهران وحلفائها (وضمنا حزب الله) من استهداف المصالح الأميركية ومصالح حلفائها (وضمنا إسرائيل) فهذا يعطي استنتاجا سريعا بأن الإستراتيجية التي قامت عليها إيران منذ وصول الثورة الإسلامية الى السلطة في طريقها الى التبدل. فلقد حكي كثيرا طوال العقود الأربع الماضية عن سعي طهران لبناء قوة عسكرية كبرى تسمح لها ببسط نفوذها على كامل المنطقة والتي تشكل خزان نفط العالم. وهذا النفوذ ستكلله قدرة نووية تجعلها في مصاف الدول الكبرى عالميا، ومحصنة بمجموعات متحالفة معها تشدها عصبية العقيدة الدينية، ويفتح طريقها الى قلب عواصم المنطقة إمساكها بقضية القدس. ولذلك في حال صحت التسريبات حول النووي والإلتزام بعدم استهداف المصالح المتبادلة، فهذا يعني جعل البوصلة تميل باتجاه مسار جديد، ومن خلال طبقة جديدة من الحكام في طهران كان ترامب قد وصف رجالها أكثر من مرة بالأذكياء والواقعيين.
من هذه الزاوية يمكن تفسير إنطلاق مسار إقليمي مواز للمفاوضات الأميركية_الإيرانية يوم ااسبت المقبل أي غداة التوقيع على الإتفاق الأميركي_الإيراني في سويسرا يوم الجمعة. وهذا المسار يضم السعودية ومصر وقطر وباكستان الى جانب إيران والذي سيتناول إعادة تنظيم الحضور الإيراني على مستوى المنطقة، ولبنان في طليعة هذه الساحات. فهو بات مركز النفوذ الأساسي لإيران في المنطقة رغم الضربات التي تلقاها بعد تراجع أدوار اليمن والعراق وغزة. لكن هذا المسار ما يزال يفتقر الى المشروع المدروس والركائز السياسية المطلوبة ربما بانتظار إتضاح التفاصيل على المحور التفاوضي الأميركي_الإيراني. وفي الوقت نفسه ستستكمل المفاوضات اللبنانية_الإسرائيلية في واشنطن على المسارين الديبلوماسي والعسكري. لكن هذه المفاوضات ستستمر على وقع استمرار الخرق الواسع لإطلاق النار في الجنوب، والذي ترجح الأوساط الديبلوماسية إستمراره حتى موعد الإنتخابات الإسرائيلية في أقل تقدير.
لكن هذه المفاوضات اللبنانية_الإسرائيلية في واشنطن ستكون مختلفة هذه المرة. ويمكن استنتاج ذلك من خلال إشارتين أساسيتين: الأولى وجاءت عبر العراق أو الساحة الرديفة للبنان من منظار مناطق النفوذ الإيرانية في المنطقة. ففي بغداد طلب الموفد الرئاسي الأميركي توم براك من رئيس الحكومة علي الزبدي وضع جدول زمني واضح لحصر السلاح بيد الدولة العراقية، وتفكيك كل الجماعات المسلحة العاملة خارج سلطتها. وفي المقابل إشترطت القوى المعارضة والمحسوبة مباشرة على إيران أن تسليم السلاح يجب أن يسبقه خروج القوات الأميركية من كامل العراق بما في ذلك إقليم كردستان. وهو ما يعني أن الفريق الأميركي سيطلب بشكل حازم من الفريق اللبناني المفاوض وضع برنامج زمني واضح ومحدد لنزع سلاح حزب الله، على أن يلتزم فريق المفاوضات العسكري بتنفيذه ووضع الخطة المطلوبة لذلك. ولكن حزب الله سيطلب أولا إنسحاب إسرائيل بالكامل، مع تأكيده بأن ملف سلاح حزب الله هو شأن لبناني ويبحث داخليا، وهو ما كرره بالأمس الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم. وقد تكون إسرائيل تراهن على الخلاف للإندفاع أكثر في مشروعها الحربي.
والإشارة الثانية جاءت من واشنطن نفسها. فلقد سجل خفض حاد في الدعم المالي للجيش اللبناني، وذلك في إعداد مشروع الموازنة الأميركية للعام المقبل. فبعدما كانت هذه المساعدة السنوية تقارب ال200 مليار دولار وتتجاوزها أحيانا في حال فرضت الظروف ذلك، فإن الملحوظ الآن مبلغ 36 مليار دولار فقط. وجاءت الإشارة الأوضح بأن يجري تمرير هذه المساعدة المالية العسكرية عبر صندوق مكافحة الإرهاب، ولم يسبق للبنان أن كان تلقى هذا النوع من المساعدات سابقا. ومعنى الإشارة السياسية هنا أن الدعم العسكري المستقبلي للجيش قد يصبح مرتبطا بقدرة الجيش على إحراز تقدم في فرض سلطة الدولة والتعامل مع التركيبة العسكرية لحزب الله. والمساعدة المقترحة 36 مليون دولار عبر صندوق “تدريب وتجهيز قوات مكافحة داعش” يعتمد آلية خاصة تستخدم عادة لتدريب وتجهيز “قوات شريكة” في مهام مكافحة الإرهاب، كما يلحظ نظام هذا الصندوق. وبالنسبة للبنان فإن التغيير لا ينحصر فقط بتخفيض حجم المساعدة المقترحة، بل في الطريقة التي تنظر من خلالها واشنطن للملف الأمني اللبناني. وهو ما يذكرنا بما كان أعلنه في وقت سابق وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حين دعا الى تدريب وتجهيز وحدات نخبة من الجيش اللبناني يجري انتقاء أفرادها بعناية بهدف العمل على تفكيك البنية العسكرية لحزب الله. وهو ما سيكون على طاولة المفاوضات في جولتها الخامسة في واشنطن.
قد لا يكون حتميا إنعكاس التفاهم الأميركي_الإيراني إيجابا على لبنان. لا بل على العكس، قد يشكل لبنان ساحة اختبار إلزامي لتبيان مدى صلابة المسار التفاهمي الجديد، وتأكيد الوجهة الجديدة للشرق الأوسط والذي تدفع واشنطن باتجاهه.


