مقالات صحفية

“تظاهرات ايران والحقبة الجديدة” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

الإحتجاجات الشعبية في إيران والتي تأخذ منحى تصاعديا، فرضت على القوى المتصارعة في الشرق الأوسط حالة من الترقب للتركيز على ما ستؤول إليه هذه التحركات الشعبية، خصوصا مع دخول الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على الخط. وهو ما يؤشر الى احتمال أن تشكل هذه التحركات الشعبية منعطفا في مسار سلوك السلطة الممسكة بالقرار الإيراني منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979. والمقصود هنا ليس بالضرورة انهيار النظام الديني القائم، بل ربما تعديل جذري في سلوكه السياسي، وعلى طريقة الإنقلاب الداخلي الأبيض.
تراجعت موجة التهديدات الإسرائيلية تجاه جزب الله والتي ترافقت مع أجواء حول اكتمال التحضيرات لشن حرب محدودة. فمن المنطقي التركيز على التطورات الإيرانية بدرجة أولى ووضع الساحة اللبنانية في المرتبة الثانية. فطالما أن الهدف المطلوب من لبنان هو بإخراج النفوذ الإيراني من ساحته، فإن التطورات الإيرانية يمكن أن تؤدي الى هذه النتيجة في حال صحت التوقعات الأميركية، ومن دون التورط في مخاطر عسكرية مكلفة ومحفوفة المخاطر في لبنان.
وفجأة وبسرعة قياسية، إنتقل الإهتمام من فنزويلا الى حليفتها لا بل شريكتها إيران. فالضربة التي نفذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في كاراكاس والتي أدت الى خطف واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته صعقت العالم. لكن هنالك من يرى بأن ترامب أراد من خلال عملية كاراكاس إظهار أن قواعد اللعبة المتبعة دوليا قد تبدلت، وأن ما حصل منح جرعات جرأة للشارع الإيراني سمح له بالإندفاع في الشوارع. فدونالد ترامب هو أول رئيس في تاريخ الرؤساء الأميركيين يأمر بتنفيذ ضربات عسكرية ضد سبع دول خلال عامه الرئاسي الأول من ولايته الثانية، خارج إطار “إعلان الحرب” أو تفويض الكونغرس. وبحسب موقع “Military times” فلقد بلغ عدد الهجمات التي شنها الجيش الأميركي حول العالم خلال العام الأول من لاية ترامب الثانية 626 ضربة، والعديد منها كان مسرحه الشرق الأوسط وإيران تحديدا. وهو ما يعكس سلوكا هجوميا نافرا لترامب، لا بد أنه أدى الى شحن المتظاهرين في الشوارع الإيرانية بشيء من الجرأة.
ووسط التطورات الشعبية المتسارعة في إيران في ظل القواعد الدولية الجديدة التي يسعى ترامب لإرسائها، تقف طهران أمام إحتمالات ثلاث:
الأول، نجاح السلطات في القضاء على التحركات الشعبية من دون تقديم أي تنازلات. لكن هذا الإحتمال بات ضعيفا في ظل التأثير الأميركي والإسرائيلي بما يدث، وفق كلام الرئيس الإيراني نفسه.
الثاني، تصاعد هذه الإحتجاجات لتصل الى مرحلة نسف النظام الديني القائم، وهو ما يبدو حصوله صعبا حتى الآن. فالذراع العسكرية والأمنية للنظام القائم ما تزال قوية ومتماسكة، فضلا عن أن الإحتجاجات القائمة تفتقر الى قيادة واضحة والى تنظيم متين. وهو ما يعني بأن انهيار النظام لا يبدو وشيكا، إلا في حال حصول تدخل عسكري خارجي لا تبدو مؤشراته واضحة حتى الآن. فحتى إدارة ترامب تحدثت عن دعم المحتجين ولكن ليس بالضرورة عبر التدخل العسكري. فالشرق الأوسط ليس أميركا الجنوبية وإيران ليست فنزويلا.
أما الإحتمال الثالث، فهو الذي يرجح حصول تغيير سياسي جذري إما من خلال خامنئي نفسه (رغم أن استدارته تبدو صعبة)، أو عبر وجوه جديدة من داخل النظام الديني عسكرية كانت أو مدنية أو معممة ، وهو ما ترجحه أو ربما تتمناه العواصم الغربية. فهذه الإحتجاجات تحصل في أكثر لحظات النظام ضعفا. فهو خارج لتوه من حرب جوية صعبة أدت الى توجيه ضربات قوية للبرنامج النووي الذي كلف إيران أثمانا باهظة طوال العقود الماضية، وطالت هذه الضربات أنظمة الدفاع الجوي، وحيث هز انفجار الصواريخ والقنابل أرجاء طهران وبعض المدن الكبرى. كما تحصل هذه الإحتجاجات تحت وطأة أزمات إقتصادية ونقدية حادة، وإثر أزمة مياه تحولت من ضغط بيئي الى صداع سياسي واجتماعي. ولا شك أن بعض ركائز النظام تهتز بدءا من الردع الخارجي، ووصولا الى الواقع الإقتصادي، وما بينهما من سأم المجتمع الإيراني من القيود الإجتماعية الصارمة التي تفرضها الإيديولوجيا الدينية. لكن الركائز الأمنية والعسكرية للنظام ما تزال متماسكة وهو العامل الأهم لبقائه واستمراره. إلا أن تطور الإحتجاجات سيؤدي حكما الى تآكل الركائز الأمنية والعسكرية في فترة غير بعيدة، ما يفرض على القيادة الإيرانية البحث عن حلول سريعة تحت مظلة النظام الديني القائم.
ويتصاعد القلق لدى الدول المحيطة والقريبة من إيران من مخاطر إنهيار النظام، كون ذلك سيؤدي الى زعزعة التوازن الإقليمي الهش القائم. ما يعني أن محاذرة الجنوح باتجاه الفوضى الإيرانية العارمة بات مطلبا إقليميا أيضا. ففي بلد يتجاوز تعداده السكاني التسعين مليون نسمة، فإن انهياره غير المدروس سيؤدي لحدوث زلازل عنيفة في كامل المنطقة. وهنا يبدو النسيج المعقد للمجتمع الإيراني مصدر حصانة لإيران لا العكس. فعلى سبيل المثال فإن تركيا العاملة على خط تصفية النفوذ الإيراني الإقليمي تمهيدا لوراثته، تبدو قلقة من اتساع الفوضى كونها ستكون أول المتأثرين سلبا منها، بسبب الحضور الكردي في الشمال الغربي. ففي الوقت الذي تتصارع فيه أنقرة مع أكراد الداخل، وتعمل على تقويض حضورهم في شمال سوريا عبر سلطة دمشق، كمثل ما حصل في حلب، فهي تخشى أن تؤدي الفوضى في إيران الى تعزيز قدرة وقوة الأكراد، ما سيجعل وضع تركيا أكثر صعوبة.
كما تخشى باكستان تفلت البلوش الذين يتمركزون في الجنوب الشرقي لإيران، وتحديدا عند الحدود مع باكستان. وهنالك الأذريين في الشمال بالقرب من أذربيجان. والإنهيار سيدفع بروسيا لتوسيع نفوذها جنوبا، أي في آسيا الوسطى أو المنطقة الفائقة الأهمية. أضف الى ذلك أن الفوضى داخل إيران ستنعكس سلبا على أمن دول الخليج. وهو ما يعني باختصار بأن تطويع سلوك والخيارات السياسية للنظام الديني القائم قد يكون الحل الأفضل والأضمن للجميع.
ومنذ يومين لفت كلام فائق الأهمية لوزير الخارجية الإيراني حقان فيدان، وهو الآتي من رئاسة المخابرات التركية. وقال فيدان بأنه يجري التلاعب بالإحتجاجات الإيرانية من الخارج ومن قبل خصوم إيران، وأن الموساد لا يخفي ذلك. وأن إسرائيل تحاول إستغلال الوضع. وتابع فيدان، والذي يتمتع بخلفية أمنية واسعة وغنية، بأن إيران بحاجة الى الدخول في “مصالحة وتعاون حقيقيين” مع دول المنطقة (من دون تحديد هوية الدول المقصودة). وتابع، أن ما يحصل يوجه رسالة قوية جدا للنظام، “وأنا على يقين من أن النظام سيصغي إليها”. وختم ناصحا طهران الى إغتنام الفرصة المتاحة والتي قد لا تتكرر مرة أخرى. ويمكن الإستنتاج بأن كلام فيدان حمل رسائل متعددة ومهمة الى القيادة الأيرانية، أولا بعدم تفويت الفرصة المتاحة والتي لا تبدو مدتها مفتوحة خصوصا وأنه ما يزال أمام ترامب ثلاث سنوات في البيت الأبيض ستكون مشبعة بضغوط متتالية لا يمكن لإيران الصمود أمامها، وثانيا لنسج تفاهمات في العمق وفق سياسة جديدة.
صحيح أن النظام نجح سابقا بتجاوز أزمات خطرة مشابهة، لكن طبيعة الأزمة الحالية تبدو مختلفة. بمعنى أن أزمة مهسا أميني في العام 2022 مثلا كان مضمونها يطال القيود الإجتماعية المفروضة وهو ما مكن من تجاوزها بعد اتخاذ تدابير مرنة في هذا المجال. لكن الأزمة الحالية هي إقتصادية ومالية وحلولها غير متوفرة. فلا الوعود باتت قابلة للصرف وعامل الوقت يفاقم من حدة الأزمة لا العكس.
طبعا تدرك بكين بأنها تتلقى الصفعة الثانية من واشنطن عبر طهران بعد صفعة كاراكاس. فالصين ستتضرر بقوة خصوصا وأنها تعتبر إيران ركنا أساسيا ضمن مشروعها الإستراتيجي والذي يحمل عنوان “استراتيجية الحزام والطريق”. لكن الصين التي تستحوذ على حوالي 90% من صادرات الخام الإيراني عبر السوق السوداء، وجدت الفرصة ملائمة لتحقيق مكاسب تجارية لصالحها. فالظروف سمحت لها بفرض شروطها من خلال خصومات كبيرة وتأخير مواعيد دفع الإستحقاقات المالية. وقد يشجع هذا الواقع القيادة الإيرانية للتجاوب مع مساعي نسج إتفاق في العمق. وقد يكون الإستنتاج الواضح لعملية فنزويلا أن ترامب غير مهتم بتغيير الأنظمة بل فقط بنسج تفاهمات كاملة مع الدولة المستهدفة وفق شروط ومصالح واشنطن. وهو ما يعني بأنه لا يريد تغيير النظام الديني القائم في إيران بل تطويع سياسته.
ومضمون كلام وزير الخارجية التركي قد لا يقتصر فقط على الرسائل الموجهة لطهران، بل أيضا يؤشر لباكورة الدور المحوري الجديد الذي تسعى له تركيا في المنطقة، والذي يثير حفيظة إسرائيل. لذلك مصلحة أنقرة تجمع ما بين تصفية ما تبقى من النفوذ الإيراني في المنطقة إن بالقوة أو بالحيلة، وفي الوقت نفسه محاذرة دفع الداخل الإيراني الى الإنفجار كي لا تتضرر تركيا نفسها وتصبح في موقع الدفاع لا الهجوم لتوسيع وتثبيت دائرة نفوذها الإقليمي. وأنقرة التي تراقب الوضع اللبناني بصمت، قد تكون قرأت في موضوع نزع سلاح حزب الله والدفع باتجاه التطبيع بين لبنان وإسرائيل تكريس لخسارة تركيا للساحل اللبناني. وهو ما يفسر سعي أنقرة للعب دور الوسيط بين حزب الله ودمشق، رغم علمها بأن الفيتو الأميركي الموضوع على حزب الله مع دمشق يقلص هامش المناورة التركية. كذلك لا بد أن تحسب تركيا لعدم استفزاز السعودية التي تمنح رعايتها السياسية للبنان. ورغم ذلك تعمل أنقرة على محاولة التسلل بهدوء الى الداخل اللبناني وفي الوقت نفسه على احتواء ما تبقى من إرث إيراني في لبنان ولكن بالحيلة. من هنا ينظر البعض الى التفاهم الإنتخابي الأسرع الذي حصل في لبنان بين حزب الله والجماعة الإسلامية والتي تعتبر قريبة من الفلك التركي. فتركيا تعمل لانخراط ناعم في لبنان، في وقت تخوض فيه صراعا مفتوحا مع اليونان وقبرص حول السيطرة النفطية البحرية وحقوق استغلال موارد الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط. ولذلك ارتابت تركيا، وجاراها حزب الله، مع توقيع لبنان على اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع قبرص، ما جعل أنقرة تصدر إشارات قلق حول احتمال انضمام لبنان الى المحور المناوىء لها، ما يقوض سعيها لفرض واقع جديد في المتوسط. ولذلك تسعى تركيا بقوة ومن خلال تحركات من خلف الستارة، لجعل النظام الإيراني يقرأ بواقعية خلفيات التحركات الشعبية المتصاعدة. وهو ما جعل حقان فيدان يقول بمعنى العارف بأن النظام الإيراني سيصغي الى الرسائل القوية التي يجري إرسالها عبر الشارع.
وإذا تحقق ذلك فعلا فهو سيعني بأنه سيجرى طي المرحلة الماضية بالكامل، وأن حقبة جديدة ستبدأ في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى