
أن يتمنى الرئيس الأميركي دونالد ترامب “الحظ السعيد” لمرشد الثورة الإيراني خامنئي معناه أن البيت الأبيض اتخذ قراره بإشراك سلاح الجو الأميركي بالضربات على إيران، وأن الخطة الموضوعة ستؤدي لواقع إيراني مختلف كليا عن الواقع الحالي. وهذا ما يفسر أيضا رفض ترامب العرض الإيراني باستئناف المفاوضات ولو من خلال قدوم وفدا إيرانيا الى البيت الأبيض، واعتباره أن الوقت فات. لقد أشار الرئيس الأميركي الى الأسبوع المقبل كموعد حاسم.
وتركز التقارير على أن الضربة القاضية للمشروع النووي الإيراني والتي لا يمكن سوى للجيش الأميركي وحده أن يسددها ستكون عبر تدمير منشأة فوردو المتحصنة في أعماق الجبال الإيرانية. وتدمير هذه المنشأة التي تمثل قلب المشروع النووي الإيراني يحتاج لقنابل لا يمتلكها سوى الجيش الأميركي، والتي لا قدرة سوى لقاذفات ال B_2 لحملها. وهذه القاذفات أصبحت منذ فترة غير بعيدة ترابض في قاعدة دييغو غارسيا الواقعة في المحيط الهندي بانتظار أوامر التحرك. وخلال الأيام الماضية ومع تدرج مواقف ترامب من البقاء جانبا وصولا الى القرار بالمشاركة في العمليات الجارية، نشطت الحركة العسكرية للقوات الأميركية بما يتناسب مع وضعية الحرب. فسجل عبور 17 طائرة نقل جوي من القواعد الأميركية في أوروبا باتجاه القواعد القريبة من إيران. كذلك سجل عبور 31 طائرة شحن عسكري من الأراضي الأميركية باتجاه منطقة الشرق الأوسط وفق مصادر متخصصة. وشرحت هذه المصادر بأن المعدات والأسلحة الجاري شحنها تهدف بالدرجة الأولى لتأمين الحماية للقوات الأميركية المنتشرة في المنطقة ومن ثم تعزيز القدرات القتالية لهذه القوات. وبذلك تصبح التعزيزات العسكرية متجانسة مع مواقف الرئيس الأميركي تجاه طهران. في الوقت نفسه كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن واشنطن أرسلت الى أوروبا نحو ثلاثين طائرة للتزويد بالوقود في الجو، وهو ما يمكن استخدامها لمساعدة الطائرات المقاتلة على تأمين الحماية للقواعد الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط، وعلى توسيع مدى القاذفات المشاركة في أي ضربة محتملة على المنشآت النووية.
ويترافق كل ذلك مع بدء تحضير الشارع الأميركي للحرب الجوية. ففي آخر استطلاع أجرته مجلة الإيكونوميست حول نظرة الأميركيين لإيران إعتبر 50% منهم بأنها عدوا و25% بأنها ليست صديقة، مقابل 4% فقط بأنها صديقة و1% بأنها حليف. أما تقييم الأميركيين لإسرائيل فاعتبرها 36% بأنها حليف، و25% بأنها صديقة مقابل 10% بأنها غير ودية و6% صنفها كعدو. وهذه الأرقام تجعل الشارع الأميركي أكثر تهيؤا لمشاركة سلاح الجو الأميركي في عمليات القصف للمنشآت النووية الإيرانية.
في المقابل تعمل إيران على تجهيز صواريخها الفتاكة إضافة الى المعدات العسكرية الملائمة لشن ضربات على القواعد الأميركية في المنطقة في حال انضمت واشنطن الى الحرب الجوية. ولذلك استقدمت البحرية الأميركية طرادات تحمل صواريخ مخصصة للدفاع الجوي الى مقربة من الساحل الشرقي للمتوسط، وكذلك الى بحر الخليج حيث حاملات الطائرات الأميركية.
وخلال الأيام الماضية كان واضحا “التقنين” المدروس للصواريخ الإيرانية على إسرائيل. واعتبر بعض المراقبين أن السبب يعود للإقتصاد في المخزون الصاروخي قياسا مع احتمال أن تطول مدة الحرب الجوية، أما البعض الآخر فرد ذلك الى نجاح الطائرات الإسرائيلية بتدمير زهاء 40% من قواعد إطلاق الصواريخ كما قالت إسرائيل. أما البعض الثالث فرأى أن طهران تعمل على ترك صواريخها الفتاكة لاستخدامها ضد القواعد العسكرية الأميركية عندما ستدخل الحرب. وهذه النقطة بالذات تقلق كثيرا دول الخليج العربي والتي تتواجد على أراضيها القواعد الأميركية. ذلك أن إسرائيل والتي تصنف في الوقت الراهن بأنها أكثر دولة في العالم تحظى بأنظمة الحماية الجوية، نالت قسطا وافرا من الصواريخ الإيرانية الفتاكة والتي نجحت باختراق متكرر للأجواء الإسرائيلية، وألحقت دمارا هائلا قيل أن تل أبيب بحاجة لخمس سنوات لإعادة إعمار ما تهدم.
وفي وقت تأمل فيه واشنطن بإنهاء حربها الجوية وتحقيق أهدافها ونقل إيران الى حقبة جديدة، مع محاذرة دفعها الى الفوضى الشاملة، بدا أن الإختراق الأمني الواسع الذي حققته إسرائيل داخل إيران شكل صدمة كبيرة للمراقبين. فهذا ما مكنها من تصفية كبار القادة ومستشاري المرشد من ذوي الحلقة الضيقة جدا، وذلك بالتزامن مع بدء الهجوم الجوي. فبدت التركيبة الحاكمة وكأنها مكشوفة بالكامل وبكل تفاصيلها أمام الطائرات الإسرائيلية. وهكذا نجحت إسرائيل بتصفية معظم أعضاء الدائرة الضيقة اللصيقة بخامنئي والتي كانت تشاركه النقاشات والقرارات، إضافة الى إستهداف قيادات الصف الأول من الجيش والحرس الثوري.
وكان صادما أن تضبط قوات الأمن الإيرانية ورشتين لصناعة المسيرات ولتصنيع واختبار المتفجرات في مدينتي أصفهان وكرج. وكذلك الحديث عن مواجهات مسلحة بين قوى الأمن ومجموعات تنتمي لمجاهدي خلق في طهران. فلقد بدا أن الباسيج كان غائبا بشكل كامل عن مكافحة التجسس والشبكات المعادية والإكتفاء بمطاردة المعارضين السياسيين. وعلى الرغم من نجاح السلطات الإيرانية في استيعاب “صدمة” الضربة الأولى وقيامها لاحقا بكشف واعتقال وإعدام جواسيس واكتشاف ورش تصنيع المسيرات والمتفجرات، إلا أن مسلسل الإغتيالات استمر وهو ما يظهر بأن الموساد نجح في بناء شبكات كثيرة داخل إيران. وإلا فكيف يمكن تفسير عملية إغتيال رئيس الأركان الجديد والذي لم يمر على تعيينه ثلاثة أيام فقط؟ وقد أعطى ذلك الإنطباع بأن إسرائيل تريد منع القيادة العسكرية من التعافي، خصوصا وأن المصير نفسه طاول مسؤولين آخرين تم تعيينهم بعد إغتيال سلفهم. مع العلم أن الإغتيالات الأمنية التي كان نفذها الموساد سابقا وفي طليعتها إغتيال زعيم حركة حماس إسماعيل هنية في قلب طهران وفي حضن الحرس الثوري وفي مناسبة رسمية رفيعة، كان يجب أن تدفع الأجهزة المختصة لإجراء إعادة تقييم كاملة وشاملة، وهو ما لم يحصل بالطبع ما أهدى الفرصة الذهبية لإسرائيل.
ومن الواضح أن تردد واشنطن في مجاراة إسرائيل حربها على إيران هو خشيتها من انفلات الأمور ودفع إيران باتجاه فوضى عارمة. ذلك أن واشنطن تعتبر إيران بلدا غنيا وأساسيا وذات موقع جغرافي إستثنائي، وفي الوقت نفسه يمتاز شعبه بمستوى ثقافي عالي والأهم غربي الهوى. ووفق أوساط ديبلوماسية مطلعة فإن النقطة الأساس والتي تمت مناقشتها من كل جوانبها تمحورت حول الخشية من خروج مسار الحرب عن السيطرة ما قد يدفع كامل المنطقة الى البركان. كما أن إطالة أمد الحرب خلافا للحسابات والتوقعات سيفتح الباب أمام الفوضى الإقليمية ودخول مجموعات متطرفة على الخط، وهو ما سيؤدي حكما الى خلط الحابل بالنابل من جديد.
لكن إعلان ترامب بأن السبيل الوحيد المتبقي أمام خامنئي هو الإستسلام الكامل وغير المشروط أظهر أن القرار اتخذ. فكيف يمكن لأي كان القبول بهذا الشرط. وألحق ترامب شرطه بالدعاء لخامنئي، من باب السخرية طبعا.
لكن من الخطأ وضع الأمور ضمن سياق سهل. ذلك أن خامنئي المحشور جدا والذي بات يقف داخليا من دون الفريق الذي اعتاد عليه، غير قادر بالتأكيد على الرضوخ لشروط واشنطن. فعندها ماذا عساه يقول لحركة حماس والفلسطينيين بعدما كانت إيران تضغط لعدم ذهاب حماس لاتفاق لوقف النار “كيف ما كان” رغم أن غزة كانت تحترق تحت النار؟ وماذا عساه يقول أيضا لحزب الله بعدما أرسل وزير خارجيته الى بيروت في عز الحرب ليطلب من الرئيس نبيه بري رفض التسوية التي كان حملها وزير الخارجية الفرنسي قبل أيام معدودة؟ وتاليا فهو سيفضل السقوط العسكري على السقوط السياسي.
لكن من الخطأ الجسيم الإعتقاد بأن أوراق إيران العسكرية قد نفذت، لا بل على العكس فهي تمتلك أوراقا مؤذية قد يكون وقعها أشد في حال الذهاب الى مواجهة إنتحارية.
فالصواريخ الإيرانية النوعية قادرة على تهديد القواعد الأميركية في الخليج، وهو ما قد يعرض أمن هذه الدول، وهو ما كانت لوحت به طهران أكثر من مرة خلال مراحل الصراع المكشوف بين إيران ودول الخليج العربي.
كذلك فإن صدور قرار الإعدام للمنشآت النووية وتحديدا منشأة فوردو سيدفع بالحوثيين لاستخدام كامل مخزونهم الصاروخي باتجاه اسرائيل والبحر والقواعد الأميركية. وسيعمد الحوثيون لإقفال باب المندب والممرات البحرية لحركة التجارة العالمية، ما سيدفع بألنفط الى أسعار جنونية.
أما في لبنان فسيتحرك حزب الله من خلال إطلاق صواريخه الدقيقة والبالستية الى إسرائيل. ذلك أن إيران والتي تمسك بهذه الصواريخ عبر ضباط للحرس الثوري موجودين في لبنان، تعلم تمام العلم بأن إسرائيل وحالما تنتهي من إيران ستنتقل باجاه لبنان. فإما تسليم السلاح الثقيل والصواريخ لدى حزب الله أو تحقيق ذلك من خلال حملة عسكرية جوية جديدة.
ووفق هذه الحسابات لا تبدو الأمور سهلة كما يجري تصويرها في وسائل الدعاية. إلا إذا حصلت “حركة تصحيحية” داخل الفريق الحاكم في إيران، ويشكل ضمانة للقيادة الحالية ويفتح صفحة جديدة مع واشنطن.
صحيح أن ترامب حدد الأسبوع المقبل كتوقيت حاسم للحرب الدائرة مع إيران، إلا أن الحروب تكون عادة حبلى بالمفاجآت غير المتوقعة، إلا إذا كان ترامب “ينام” على مفاجآته التي تخوله تحقيق أهدافه بسرعة.


