
بعد انتهاء المرحلة الثالثة للإنتخابات البلدية من المفترض أن تقفل المرحلة الرابعة هذا الإستحقاق والتي ستحصل يوم السبت القادم. وبعيدا عن المواقف المعلنة والتي تضمنت في أغلب الأحيان بطولات وانتصارات لا تعكس حقيقة الواقع، ستنصرف القوى السياسية المختلفة على قراءة الإشارات السياسية التي أظهرتها أرقام الإستحقاق البلدي من أجل إعادة برمجة الخطوات تحضيرا للإستحقاق السياسي الأهم والمقصود هنا الإنتخابات النيابية المقبلة.
لكن الإرتدادات التي أحدثتها زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى المنطقة لن تترك فسحة هادئة تسمح للبنانيين بإجراء الجردة المطلوبة. ذلك أن نائبة المبعوث الأميركي الى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس من المفترض أن تصل الى بيروت نهاية الأسبوع في زيارة ستشكل استكمالا لبنانيا لزيارة ترامب الى المنطقة. وباشرت أورتاغوس التمهيد لزيارتها بالتسريب بأنها ستكون عالية السقف وستتضمن مواقف قوية خصوصا لناحية دعوة بيروت للإتعاظ من نتائج اللقاء الذي جمع ترامب بالرئيس السوري والمقصود هنا إبداء الأخير استعداده للتطبيع مع إسرائيل. ووفق أوساط ديبلوماسية أميركية في واشنطن فإن الشرع أبدى أمام ترامب قدرته على حسم مسألة إمساكه بكامل الساحة السورية. وجاء كلام الأوساط الديبلوماسية الأميركية تعليقا على الضربة التي وجهتها القوى الأمنية السورية لوكر داعشي في حلب، وكذلك قرار وزير الدفاع السوري بدمج كافة الوحدات العسكرية ضمن الوزارة. لكن الأوساط الأميركية تدرك ضمنا أن حقل الألغام السوري معقد وصعب ودقيق وان المشوار لن يكون سهلا.
رغم ذلك ستجاهر أورتاغوس في بيروت بالدعوة للتطبيع مع إسرائيل، طبعا الى جانب الإسراع في نزع السلاح غير الشرعي قبل أن تدير إدارة ترامب ظهرها للبنان وبالتالي تركه يتخبط في أزماته الإقتصادية. لكن هل فعلا توجد قناعة أميركية بأن ظروف لبنان تسمح له فعلا بالسير بمغامرة التطبيع؟ الخبراء في كواليس واشنطن يعتقدون بأن المسؤولين الأميركيين المعنيين يعرفون جيدا بأن الظروف اللبناني لا تسمح له بالذهاب في هذا الإتجاه، وأن التمسك الأميركي بهذا المطلب قد يكون لأهداف ومطالب أخرى.
وفي كل الأحوال فإن الدوائر الديبلوماسية الغربية وعلى الرغم من انشغالها بمتابعة ملفات المنطقة ونتائج زيارة ترامب فهي أجرت قراءتها للنتائج السياسية التي أفرزها الإستحقاق البلدي. والقراءة الديبلوماسية تختلف من دون شك عن قراءة القوى السياسية اللبنانية التي تستميت لإعطاء انطباعات مضخمة ومبالغ بها لقوتها الشعبية.
في البداية ترى العواصم الغربية المهتمة بالواقع اللبناني بأن رئيس الجمهورية نجح في فرض إيقاع جديد لم يكن يحصل خلال العقود الماضية. فعدا أنه أصر على إتمام الإستحقاق في موعده ومن دون البحث عن أعذار أو ذرائع لتأجيله، فهو في الوقت نفسه لم يسخر قدرات الدولة لصالح هذا أو ذاك بل أبقى مؤسسات الدولة على مسافة من الجميع أيا تكن النتائج.
كذلك وعلى الرغم من الوقت الضيق والتحديات الصعبة نتيجة المرحلة الماضية إلا أن وزير الداخلية أحمد الحجار نجح في تنظيم الإنتخابات بأقل قدر ممكن من المشاكل رغم الحماوة والتجييش. وهو ما يعزز القناعة حول إمكانية إعادة بناء مؤسسات الدولة.
أما في الإشارات السياسية فإن هذه الأوساط لم تلاحظ وجود نتائج مفاجئة أو غير متوقعة على مستوى أحجام القوى السياسية المختلفة بما فيها الساحة المسيحية. إلا أن اللافت كان حجم المشاركة المتراجع في كثير من المناطق ما يعزز الإنطباع بوجود شرائح أساسية ما تزال في موقع الخصومة مع القوى السياسية الموجودة أو في أفضل الأحوال لا تجد نفسها منسجمة مع الطبقة السياسية الحالية.
أما الملاحظة الإضافية فإن حزب الله ما زال يبسط نفوذه على البيئة الشيعية وقد ساعده في ذلك حملات التجييش غير المدروسة التي تولتها جهات حزبية معارضة له. فهي ولأهداف ربما تتعلق بتحسين موقعها الشعبي داخل شارعها عمدت الى توجيه حملات طالت الطائفة الشيعية أكثر منه حزب الله. وهذا ما أدى الى خلق شعور بالخوف لدى أبناء هذه الطائفة وأنها مهددة في استمراريتها ووجودها، وهو ما دفعها الى تجاوز النتائج السيئة للحرب والوضع المالي والإعماري وبالتالي الإلتفاف حول حزب الله. وبرأي هذه الأوساط بأن قيادة حزب الله كانت مسرورة ضمنا “وتضحك في عبها” لهذه الحملات الغرائزية وغير المدروسة.
كذلك بدا وكأن هنالك علامات استفهام عديدة لما أحاط العملية الإنتخابية في بيروت، وهو ما سيفتح الباب تلقائيا أمام نقاش حول وجوب تعديل النظام الإنتخابي والذي سيتطور لطرح مشروع اللامركزية من الباب العريض.
لكن هذه الأوساط توقفت عند الإشارات الصادرة عن الساحة السنية الشمالية. فالفراغ الذي ما يزال قائما بسبب قرار تيار المستقبل بالإنكفاء عن العمل السياسي بدأ بخلق أوضاعا جديدة انسجاما مع التطورات الكبرى في جوار لبنان. ففي هذه المنطقة التي ترتفع فيها نسبة الفقر بدأت تظهر مؤشرات بانتعاش تيارات إسلامية تدور في فلك تركيا. وتقول هذه الأوساط أنه صحيح بأن واشنطن متفاهمة مع تركيا على عدم العبث بالساحة اللبنانية، لكن هنالك تأسيس لواقع جديد وهو إذا ما نجح سيفرض نفسه مستقبلا بحيث لا يعود أحد قادر على تخطيه. وقد تكون تركيا والتي انفتحت أمامها أبواب ومسالك باتجاه عمق الشرق الأوسط تسعى للتسلل الى لبنان بهدوء ومن خلال نفوذ ناعم. فلطالما بدت أنقرة مهتمة بالساحل اللبناني. واليوم قد ترى أن دورها بملء الفراغ الناتج عن غياب إيران قابل لأن يتجاوز الساحة السورية، وليطال الساحة السنية في لبنان بسبب جملة عوامل وظروف.
ففي حمأة المواجهات البلدية لم تأخذ زيارة مسؤول تركي الى شمال لبنان الحيز الواجب اتخاذه. فرئيس أتراك المهجر عبدالله أرن أجرى زيارة الى بلدات تركمانية في شمال لبنان مثل الكواشرة ووادي خالد والبداوي. وقد رافق السفير التركي في لبنان مراد لوتيم حيث استقبل الوفد بالأغاني التركية ورفع أعلام تركيا الى جانب العلم اللبناني. وصحيح أن الزيارة اتسمت بالطابع الإجتماعي والثقافي، لكن مضمونها سياسي من دون أدنى شك، خصوصا وأنها جاءت بعد انتخابات بلدية ظهر فيها بشكل لافت مرشحون لديهم علاقات ممتازة بأنقرة. وفي وقت وعد أرن بالعمل على زيادة المنح الدراسية للطلاب اللبنانيين الى تركيا، قال لمستقبليه أن حكومته تسعى لأن تكون أينما تواجد “الأتراك الذين يشعرون بقربهم لنا”.
لكن الأوساط الديبلوماسية تعتقد أن السعودية والتي بات واضحا أنها أصبحت تشكل المرجعية الإقليمية للبنان لن تقبل بالتأكيد بأي “دخول على الخط” عبر الساحة السنية على لبنان. وإزاء استمرار الفيتو السعودي على الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل فإن هذه الأوساط توقعت تنشيط الحركة السعودية لترتيب الساحة السنية والعمل على ملء الفراغات الحاصلة إن عبر مساعدات مدروسة أو عبر إعادة إحاطة ورعاية زعامات مناطقية تمهيدا للإستحقاق النيابي العام القادم.
لكن قبل كل هذا، لا بد من انتظار الجولة الجديدة للموفدة الأميركية والتي يجري التمهيد لها بكلام عالي السقف. وفي الوقت الذي يبدي فيه حزب الله تمسكه بسلاحه أيا تكن الظروف والضغوط والتي سيتحمل وزرها مهما كبرت إلا أن المعلومات في العاصمة الأميركية وبخلاف ما ينشر في الإعلام، تتحدث عن عن تقدم كبير في المفاوضات بين واشنطن وطهران. وبالتأكيد فإن هذا التقدم لا ينحصر فقط بالملف النووي كما يصر الوفد الإيراني على التمسك به عبر مواقفه الإعلامية، بل هو يطال ملفات عدة أخرى تشمل مجمل المنطقة. وقد تكون بيروت تنتظر بدورها باب الفرج من مسقط.

