مقالات صحفية

“القرار الإتهامي للمرفأ في 4 آب” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

تبدأ اليوم الزيارة الخارجية الرسمية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ عودته الى البيت الأبيض. وهو اختار أن تكون وجهته الأولى المملكة العربية السعودية من ضمن جولة خليجية ستشمل قطر والإمارات. وهو بذلك أراد أن يعطي إشارة واضحة حول الموقع الذي ستحتله دول الخليج في استراتيجية سياسته الخارجية خلال ولايته الرئاسية الثانية.
ويعمل ترامب على صياغة علاقة واشنطن بدول الخليج وفي طليعتهم السعودية بعد مرحلة من التباعد والتي تخللتها محطات متوترة، شعرت خلالها بأنها باتت مكشوفة أمنيا أمام إيران وحلفائها وسط عدم اكتراث أميركي. ولاحقا لم تفلح إدارة بايدن في إعادة إصلاح جوانب هذه العلاقة خصوصا بعد الإنعطافة التي نفذتها السعودية باتجاه الصين حيث فتحت أبواب التعاون الإقتصادي معها، وفي الوقت نفسه إبداء مرونة واضحة في فتح قنوات التواصل مع “الجار اللدود” إيران، ولو مع تمسك كلا الطرفين ضمنا بالمشاعر العدائية تجاه الآخر. صحيح أن السعودية كانت متحمسة لعودة ترامب الى البيت الأبيض وهي ربما ساهمت لصالح هذا التوجه إلا أن “التنويع” في علاقاتها الإقتصادية الدولية والمحافظة على قنوات التواصل مع طهران باتا يشكلان ثابتتان في رسم استراتيجيات سياستها الخارجية. فهي تتحضر لمشاريع اقتصادية ضخمة طابعها دولي مثل إكسبو 2030 ومونديال 2034 ما يستوجب انتهاج سياسة خارجية إنفتاحية ملائمة تسمح لها بالتفرغ لإنجاح أهدافها.
وفي موازاة ذلك هي تدرك أن الرئيس الأميركي الذي دخل مطبات عاصفة وصعبة رغم أنه فترة وجوده القصيرة في البيت الأبيض بات بأمس الحاجة لاستعادة بريقه الداخلي في وقت باشر فيه حزبه الجمهوري التحضير للإنتخابات النصفية والتي يعول عليها ترامب كثيرا لإحكام قبضته على مجلسي النواب والشيوخ لتمرير مشاريعه الكبرى. ولا شك أن ترامب تابع أرقام إستطلاعات الرأي قبل مغادرته واشنطن والتي أظهرت تراجعا حادا في شعبيته. وبالتالي فإن أول ما يتوخاه من جولته الخليجية الفوز باستثمارات ضخمة لصالح الإقتصاد الأميركي “المصدوم” من قرارات ترامب الجمركية، إضافة الى خفض أسعار النفط ما سينعكس فورا على المواطن الأميركي، وذلك عبر زيادة السعودية لإنتاجها النفطي وهو ما كانت بدأت فعلا في تنفيذه. أما الجانب المتعلق بالتوازنات الإقليمية الجديدة في ظل إعادة ترتيب الخارطة الجديدة للنفوذ السياسي في المنطقة فسيكون حاضرا بقوة وسط الحديث الدائر عن قرب التوصل لصفقة “نووية” مع طهران، وحيث من المفترض أن يشمل ذلك اتفاقا أوسع يطال السعودية وأمن الخليج وحلا فلسطينيا على أساس “الدولتين” يمهد لاستكمال التطبيع.
وجاءت الجولة التفاوضية الرابعة بين الوفدين الأميركي والإيراني في مسقط قبل ساعات من وصول ترامب الى المنطقة. ووضع البعض إرتفاع نبرة التساجل بين واشنطن وطهران في إطار التغطية على قرب التوصل لاتفاق لا العكس. وثمة دلائل عدة تدعم هذا الإعتقاد، منها ما يتعلق بإقالة مستشار الأمن القومي مايكل والتز المتشدد، ومنها أيضا وقف النار في اليمن من خلال ويتكوف نفسه، وهنالك أيضا التصعيد العسكري الإسرائيلي المفاجىء وما تبعه من صدام علني بين ترامب ونتنياهو…..
ووفق السياق نفسه تصبح زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الى السعودية قبل ساعات من وصول ترامب أكثر وضوحا، وفي إطار الترتيبات الجاري حياكتها في الكواليس.
ووفق مسار الترتيبات التي تلاحقت في المرحلة الأخيرة يبدو جليا أن ضمان استمرارية النظام الديني القائم في إيران، وإعادة ضم طهران الى الحضن الإقتصادي العالمي لا يلحظان استمرار النفوذ العسكري الإيراني خارج حدودها. أي أن استعادة القوة الإقتصادية وضمان الإستقرار الداخلي سيشكلان بديلا عن “المخالب” العسكرية التي كانت تمتاز بها إيران عبر “محور المقاومة”. فحتى قرار وقف النار مع الحوثيين إنطوى على إقرار ضمني بعدم اللجوء الى المخلب البحري الإيراني للضغط عبر الممر المائي للتجارة العالمية. كما أنه من البديهي الإستنتاج بأن التسوية الكبيرة الجارية ستشمل حلولا للقدرة الصاروخية الحوثية والتي شكلت تهديدا أمنيا لدول الخليج. وحتى في العراق ثمة كلام جديد عن دور تركي لتعديل موازين القوى القائمة.
أما بالنسبة للبنان وسوريا فبات واضحا أيضا التعاون السعودي والفرنسي تحت المظلة الأميركية. فالترتيبات الجديدة أظهرت الأهمية الخاصة للساحلين السوري واللبناني خصوصا، والتي يحلو لواشنطن على تصنيفها بأنها تشكل مدخلا استراتيجيا الى داخل الشرق الأوسط. فلقد بدا لأوروبا كما لواشنطن وأيضا الخليج أهمية الورقة التي أمسكت بها إيران والتي بلغت ذروة قوتها مع وصول حليفها الى رئاسة الجمهورية وحيازتها الأغلبية في مجلس نواب 2018. فحدود إيران الفعلية باتت يومها عند سواحل أوروبا، والأمن الخليجي شهد اهتزازات عدة متخذا أشكالا عدة مثل الكابتاغون وغيره.
وبموازاة العلاقات المفتوحة بين السعودية وإيران ثمة قرار حاسم بترسيخ المعادلة الجديدة القائمة في لبنان أيا كانت التطورات أو التفاهمات الإقليمية الكبرى. أما في سوريا فدخول حذر بالتنسيق مع فرنسا لاسيما مع وجود ضيف “ثقيل” بحضور وازن إسمه تركيا. وفي وقت تسعى فيه الرياض الى مد يد المساعدة المالية الى الرئيس السوري بالتعاون مع قطر بكثير من التأني والحذر إنطلقت باريس في عملية فتح أبواب أوروبا أمام الشرع بعد استقباله في زيارة رسمية إثر قطيعة مع دمشق دامت حوالي 14 عاما. وما من شك أن حسابات التوازنات مع الدور التركي موجودة بقوة، لكن تبقى المهمة الأساس بمنع استنساخ أفغانستان جديدة وقطع الطريق على إيران من العودة عبر التعاطي بواقعية وحذر مع كل مكونات المجتمع السوري.
وفي لبنان يستمر الدفع باتجاه ترسيخ التوازنات الجديدة. ففي وقت نجحت فيه الدولة اللبنانية في إجراء الانتخابات البلدية وهو ما أعطاها صورة إيجابية جاءت قرارات فتح الأبواب من جديد للمواطنين الخليجيين للسفر الى لبنان بمثابة جرعة دعم معنوية وإقتصادية. وتأتي هذه العودة الخليجية في وقت يستمر فيه قرار وقف التواصل الجوي المباشر بين بيروت وطهران قائما. وهي صورة تعبر بوضوح عن المشهد الحقيقي.
ووسط الجدل حول السلاح على كافة الأراضي اللبنانية والذي سيرتفع أكثر مع زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس وملف السلاح في المخيمات ثمة محطة أخرى قضائية ستحمل تبعات ونتائج سياسية من دون شك. فوفق بعض الهمسات فإن المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت بات على قاب قوسين من الإنتهاء من وضع قراره الإتهامي، بعدما أصبح يملك رواية كاملة لموضوع النيترات ومن أين أتت وكيف دخلت الى مرفأ بيروت وصولا الى لحظة الإنفجار المروع. أي أن القاضي طارق البيطار وخلافا لكل ما قيل بات يملك تصورا كاملا من المنشأ وصولا الى وقوع الكارثة، وهو سيستكمل ما تبقى من إستجواباته قبل أن يصدر قراره الظني والذي من المرجح أن يكون في الرابع من آب المقبل في الذكرى الخامسة لحصول الكارثة. لكن ما لفت هو عدم تقديم الوفد الفرنسي أي مستندات تساعد في تقديم أدلة إضافية بعد أن كانت الوعود الفرنسية تتحدث عن وجود مستندات لدى باريس وسيجري تسليمها للقضاء اللبناني. من هنا وصف مصدر مطلع إجتماعات الوفد الفرنسي بالسيئة. وهذا ما فتح باب التحليلات السياسية حول الخلفيات الفعلية للقرار الفرنسي، وما إذا كان لذلك علاقة بالتشابكات السياسية الإقليمية الكبرى وتبادل الأوراق وتعزيز المواقع أم أن له علاقة بحساسية الوضع الداخلي والذي لا يزال في مرحلة نقاهة دقيقة. وستكون محطة الرابع من آب بمثابة الإمتحان الكبير للسلطة الفتية القائمة. صحيح أنه يستبعد حصول توقيفات قبل صدور القرار الظني لكن من البديهي التكهن بإصدار مذكرات توقيف بناء على الوقائع التي سترد في السياق. هذا في وقت تبدو فيه التشكيلات القضائية على قاب قوسين من الصدور. واللافت أن هذه التشكيلات ترتكز على الأسس نفسها للصيغة التي كان رفعها رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود خلال العهد السابق والتي رفض إصدارها الرئيس السابق ميشال عون. بالتأكيد هنالك استبدال للعديد من الأسماء التي أصبحت في التقاعد أو أن ظروفها لم تعد ملائمة، لكن البنية الأساسية بقيت وفق المعايير نفسها.
وختاما فإن التقدم الذي يسعى لبنان لإحرازه في ظل المرجعية السعودية والمساعدة الفرنسية وتحت المظلة الأميركية يبقى دقيقا وحذرا بانتظار الصفقة الإقليمية الكبرى عبر التفاهمات الأميركية والإيرانية والتي ستشكل حتما كاسة ما تبقى من ألغام في لبنان. من هنا أهمية زيارة ترامب الى المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى