
أيام قليلة تفصل عن المرحلة الأولى من الإنتخابات البلدية، ورغم ذلك فإن الحماسة الشعبية التي تواكب عادة الإستحقاقات الإنتخابية اللبنانية ما تزال بمستويات غير مرتفعة. وقد يكون مرد ذلك بالدرجة الأولى الى الفترة الزمنية الضيقة ما بين إقرار حصول هذه الإنتخابات رسميا وبين موعد فتح صناديق الإقتراع وسط تشكيك باحتمال تأجيلها. لكن ثمة أسباب أخرى ترتبط الى حد كبير بانقلاب المعادلات والقواعد التي قامت طوال العقود الماضية نتيجة التبدلات السياسية التي أحدثتها الحرب الإسرائيلية على لبنان، إضافة الى الحسابات السياسية والتي تضع الإستحقاق النيابي بعد سنة واحدة من الآن في ميزان الحسابات والتحالفات والأوزان.
تجهد القوى السياسية على مقاربة الإستحقاق البلدي بشيء من الحذر، ما يجعلها تختبىء خلف اعتبارها بأن ظروف المعركة البلدية تختلف بشكل كبير عن معاني المعارك النيابية. لكن الحقيقة أن هذه القوى نفسها تعمل في الخفاء وفق حساباتها وأهدافها السياسية تحضيرا للإنتخابات النيابية وأحجامها للمرحلة المقبلة. فبين آخر إنتخابات نيابية في العام 2022 والإنتخابات المقبلة في 2026 تبدلات جذرية وفوارق أساسية، ليس فقط بسبب الحرب المدمرة التي شهدها لبنان، بل أيضا مع الإنتقال من عهد الرئيس ميشال عون الى عهد الرئيس جوزف عون، وانتقال البلد برمته من المرجعية الإيرانية الى الرعاية السعودية. وبخلاف اعتقاد البعض فإن حصر التبدلات بالساحة الشيعية فقط هو اعتقاد مغلوط، وهو ما يستوجب أخذ العبر والدروس السريعة لنتائج الإنتخابات البلدية في عين الإعتبار، لا بل إجراء التقييم السياسي والشعبي الفعلي لها.
وبدءا ذي بدء يبقى التحدي الأساسي على الساحة الشيعية هو في امتحان القدرة التنظيمية لحزب الله وتبيان ما إذا ظهرت بوادر تبدل في المزاج الشيعي. وقد تكون مناسبة تشييع السيد حسن نصرالله ومعه السيد هاشم صفي الدين نجحت في إبراز استمرار قدرة التأثير الكبيرة لدى قيادة حزب الله على شارعها. ومن المرجح أن تبقى هذه القدرة كبيرة في الإنتخابات البلدية ما يدفع لإستبعاد ظهور أي مفاجآت غير محسوبة. فالشارع الشيعي ما يزال يعيش اللحظة العاطفية الجياشة لغياب قائده التاريخي. لكن ثمة تساؤلات قد تدفع للبناء عليها مستقبلا، خصوصا في ظل مفاوضات أميركية_إيرانية تتضمن في إحدى عناوينها إعادة صياغة التعاطي الإيراني مع ساحات نفوذها في المنطقة، وفي طليعتها الساحة اللبنانية. وفي طليعة هذه الأسئلة ما يتعلق بالأزمة المالية للحزب والمرتبطة بوضع العائلات التي فقدت أماكن سكنها. والسؤال الثاني يتعلق بالعلاقة بين حزب الله وحركة أمل. صحيح أن الثنائي يحرص عند كل مناسبة على التأكيد على التنسيق الكامل بينهما وإيلاء قيادة المرحلة للرئيس نبيه بري أو الأخ الأكبر، وكذلك خوض الإستحقاق البلدي وفق القواعد نفسها التي كانت تحصل أيام السيد نصرالله، لكن لا أحد ينكر وجود “فوارق” في الرؤية السياسية بينهما إن كان حول أسباب الإنزلاق باتجاه الحرب أو حول كيفية التعاطي مع الرؤية المستقبلية إنطلاقا من المعطيات التي استجدت. وبالتالي قد تشكل الإنتخابات البلدية إختبارا أوليا ولو ناعما للمشهد الشيعي الجديد. كذلك هنالك الوجوه المصنفة خارج الثنائي والتي بدأت تلوذ الى العائلات. وهذه الأخيرة باشرت برفع صوتها لاسترداد حضورها وحيث يشكل الإستحقاق البلدي مناسبة ملائمة لها. وشهدت العديد من البلدات الشيعية صراعات في هذا الإطار ولو أنها بقيت محصورة في مساحة ضيقة. وبعيدا عن أي أوهام فإن طيف السيد نصرالله سيكون حاضرا بقوة وسيدفع لضبط هذا الإستحقاق على صعيد عناوينه العريضة. لكن السؤال الكبير هو حول الإستحقاقات المقبلة بدءا من السنة القادمة. فالمسافة الزمنية ستصبح أكبر والجرح سيبرد شيئا فشيئا، والحالة العاطفية ستتراجع بدورها، على الأقل هذا ما ترويه المحطات التاريخية.
وعلى الساحة الدرزية هنالك العديد من الأسئلة. فالزعامة التاريخية لوليد جنبلاط لم تنجح بعد في تثبيت مرجعية تيمور. أضف الى ذلك تراجع تأثير وليد جنبلاط نفسه على الدروز، وهذا ما ظهر مع نتائج الإنتخابات النيابية الأخيرة حيث سجل المجتمع المدني أو ما عرف بمرشحي “الثورة” أعلى نسبة حضور مقارنة بالساحات الأخرى.كذلك وبسبب التماس الموجود مع دروز سوريا تنامى حضور التيار المتشدد والذي لم يعد يماشي السلوك الواقعي لجنبلاط، أضف الى ذلك تجاوز بعض الشرائح الدرزية القواعد الصارمة للتقاليد السياسية المتبعة والتي قامت على أساسها الحياة السياسية الدرزية.
وثمة جوانب أخرى لا تقل أهمية لا بل تشكل هاجسا مكبوتا لدى المكون الدرزي الذي يسجل أدنى نسبة تكاثر بين المكونات اللبنانية الأخرى. وبالتالي هنالك التكاثر العددي للسنة والشيعة في القرى والبلدات التي شكلت سابقا مناطق نفوذ جنبلاطية وسط عودة خجولة للمسيحيين الى قراهم وبلداتهم، ما يجعل الإكتظاظ الشعبي يجاور المساحات الخالية. وهو ما يرفع منسوب القلق من تمدد واقع الشويفات ومحيطها.
واستطرادا تبدو التحديات كبيرة أمام الزعامة التاريخية لآل جنبلاط في مرحلة التحولات الكبرى في المنطقة. وبالتالي فإن الإنتخابات البلدية ستشكل مناسبة لقراءة مدى التحولات الحاصلة وتأثيرها على الإنتخابات النيابية المقبلة.
أما الساحة السنية فهي ما تزال في حالة عدم اتزان سياسي منذ خروج (أو إخراج) الرئيس سعد الحريري من الحياة السياسية اللبنانية. وقد يكون الحريري رصد بتمعن استمرار حال الفراغ السياسي السني، وهو ما أظهرته خصوصا الإنتخابات النيابية 2022. أضف الى ذلك نمو التيار الإسلامي المتشدد بعد التطورات السورية الأخيرة، ووفف قاعدة أن الطبيعة تأبى الفراغ. وفق الحسابات فإن هذا النمو يشكل خطرا ليس فقط على المستوى اللبناني الداخلي وإنما أيضا على الدول التي تتفاعل مع لبنان، بدءا من الأردن ومرورا بالإمارات ودول الخليج. ولا شك أن سعد الحريري اعتبر أن تيار المستقبل هو الوحيد القادر على إعادة دوزنة الساحة السنية ووفف بروتوكول سياسي جديد تحديدا مع السعودية، وعلى قاعدة طي صفحة الماضي بكل سلبياتها. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير عرض القوة الشعبي والسياسي الذي تقصده في ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لكن شيئا لم يتبدل، وبقيت أبواب السعودية مقفلة. لا بل أن الصيغة الوسطية التي جرى استنباطها والتي تقوم على أساس إعادة إطلاق عمل تيار المستقبل برئاسة السيدة بهية الحريري لم ترى النور. ذلك أن أي إشارة ولو صفراء لم تظهر. وتأتي الإنتخابات البلدية لتؤكد استمرار غياب تيار المستقبل. لكن سعد الحريري مصمم على عدم البقاء خارجا في الإستحقاق النيابي المقبل. وثمة تبريرات جرى تسويقها في معرض قرار البقاء خارج الإنتخابات البلدية، كمثل أن إقحام تيار المستقبل في هذا الإستحقاق سيجعله يخسر جمهور وعائلات اللوائح المقابلة من دون حصد أي نتائج سياسية في استحقاق عنوانه إنمائي وعائلي. لكن معركة بلدية بيروت هي سياسية بامتياز، وهنا لا يصح عذر الحريري. وبصوت خافت يهمس أحدهم قائلا: ندرك جيدا حساسية الوضع، لكن لماذا على سعد الحريري أن يقوم بمجهود هائل ويدفع من رصيده لإنقاذ مرشحي جبران باسيل وسمير جعجع؟. لكن الأكيد أن سعد الحريري متمسك بقراره بخوض الإنتخابات النيابية المقبلة عبر لوائح مباشرة لتيار المستقبل ولو من دون مشاركته الشخصية. ووفف مطلعين فهو مصمم على قراره هذا أيا تكن الإعتبارات والظروف. لا بل فهو يدرس كيفية ترتيب مسألة التمويل، إضافة الى التحالفات في حال استوجبت بعض الدوائر ذلك.
في كل الأحوال تبقى الدروس السياسية للساحة السنية من الإنتخابات البلدية في تبيان مدى نمو التيارات الإسلامية خصوصا في الشمال والبقاع وصيدا، والوقوف على انتخابات بيروت التي قد تفتح نتائجها مرحلة مختلفة عن السابق.
تبقى الساحة المسيحية والتي تختزن العديد من الأهداف السياسية المغلفة بعناوين إنمائية وعائلية. فالقوات اللبنانية والتي سجلت نموا شعبيا واضحا بموازاة تراجع أبرز خصومها أي التيار الوطني الحر عملت على ترتيب تحالفات تؤسس لواقع سياسي جديد. هي تريد أولا الإمساك بإتحادات البلديات. وخلال مفاوضاتها كانت تطلب ذلك بوضوح وتجري حساباتها على هذا الأساس. كذلك كانت تعمل على استنساخ وتطوير ما فعله العماد ميشال عون لدى عودته من فرنسا عام 2005. يومها جمع مختلف القوى الصغيرة والمتناقضة تحت عباءته وعمل لاحقا على إذابتها ضمن جمهوره وتحت قيادته. ومن هنا يعتقد المراقبون أن جعجع ومن خلال نسج تحالفاته عمل على ضم الشخصيات والعديد من القوى المناطقية تحت عباءته تمهيدا لتذويبها مستقبلا ضمن قاعدته، والإنطلاق الى الإنتخابات النيابية سعيا للإمساك بالتمثيل المسيحي بعد أن يكون أمسك بالمفاصل الإنمائية عبر اتحادات البلديات. وعندها قد يظهر بسلوك سياسي جديد.
لكن السؤال الأبرز هنا يبقى ما إذا كانت هذه الحسابات كافية للتعويل عليها لرسم صورة أولية لخارطة التحالفات النيابية. في الواقع هنالك سؤال أساسي يجري طرحه باستمرار من دون وجود إجابة له، والمقصود به عن “حالة” رئيس الجمهورية العماد جوزف عون في الساحة المسيحية وإمكانية ترجمتها على المستوى النيابي. عندها ستصبح الحسابات مختلفة بشكل كامل والتحالفات ستتبدل بشكل جذري. لا شك بأن أي إشارة أو حركة لم تظهر من الرئيس عون ولا من المحيطين به يستشف منها وجود رغبة لديه بترجمة حضوره الشعبي الى كتلة نيابية. وجهدت بعض المؤسسات المتخصصة بالشأن الإنتخابي في محاولة لتقديم مشورتها ودراساتها وأرقامها في هذا المجال، لكنها لم تجد سوى أبواب مغلقة. رغم ذلك تتمسك بعض الشخصيات المناطقية على أنها تريد خوض الإستحقاق النيابي ولو بشكل متفرق وعلى أساس أن تكون متناغمة مع توجهات قصر بعبدا. لكن حتى الساعة لم يظهر ما يوحي بوجود إشارات مشجعة. ومن هنا يعتقد بعض المراقبين بأن “الملاطفة” الإعلامية التي يعتمدها إن جعجع أو باسيل على السواء تجاه رئيس الجمهورية إنما تهدف لعدم إثارته ودفعه للذهاب لدعم مرشحين للإنتخابات النيابية. فالأول يريد الإستئثار بالتمثيل المسيحي وهو يعتقد أن الظروف مؤاتية لذلك وبعدها لكل حادث حديث. والثاني يخشى من تسرب المزيد من قاعدته الشعبية وانتقالها الى فلك رئيس الجمهورية. في المقابل هنالك من يضع قرار الرئيس عون بالبقاء بعيدا عن التوازنات البرلمانية بمثابة الخطأ الذي سيجعله عاريا على المستوى السياسي أمام قوى ستعمل على استهدافه لحساباتها الذاتية والخاصة.
لأجل كل ما سبق ستختزن حركة ونتائج الإنتخابات البلدية مؤشرات نيابية وسياسية للحقبة الجديدة التي دخل إليها لبنان.

