مقالات صحفية

“أتفاق ونفاق…وحرب كبرى” بقلم الدكتور انطون حداد

يتأرجح الوضع على الجبهة الأميركية الايرانية بين التصعيد والتهدئة والغارات والمفاوضات، والهجمات الخطابية والاتهامات المتبادلة …الى المديح البرغماتي من جانب الرئيس ترامب الذي لم يقابل بالمثل من الجهة المقابلة بشكل من الاشكال ، ينعكس ذلك على طبيعة العملية التفاوضية التي أخذت حيزا” زمنيا” أطول من فترة الحرب بعيدا” عن المناوشات من هنا وهناك التي غالبا” ما يتبعها تصعيد خطير وصل الى حافة الانفجار لولا عوامل عديدة تمنع ذلك.
القول بأن هذه الأسباب المانعة كلها من الجانب الأميركي قد يبدو متحيزا” أو مبالغا” فيه، لكن أجمع الخبراء والمحللين الأميركيين تحديداً” على هزيمتها في عدوانها, ويظهر ذلك في الاستهلاك المفرط للمخزون العسكري الدفاعي والهجومي ونضوب السلاح فيها بالدرجة الأولى، مما وضع الولايات المتحدة أمام حتمية الحرب المتقطعة وقصف البنى التحتية كما يحصل اليوم ، دون الخوض في مواجهات شاملة كالسابق، واتباع إيران إستراتيجية الرد المتناسب على أي عدوان.
إذا فهمنا السبب الذي يدفع إدارة ترامب لاستخدام أسلوب المفاوضة والتهديد والإعتداء المحدود أو المحصور ضمن حدود نطاق الضغط الأقصى، فالسؤال المشروع لماذا ترتضي إيران هذا الواقع؟
للإجابة العلمية يجب الانطلاق من نقطة أساسية مكملة لفكرة إنتصار إيران التي فرضت اليوم السبت 17 تموز 2026 إقفالها مضيق هرمز بالكامل حسب مواقع مراقبة حركة السفن keppler التي أشارت الى عدم مرور أي سفينة شحن في المضيق خلال ثلاثة أيام, وهو ما قض مضاجع إدارة ترامب والعالم أجمع، لما لها من عواقب على الأقتصاد العالمي ويصيب ترامب في مقتل سياسي مع اقتراب الانتخابات النصفية المقبلة. أضف ان إيران تحارب أعتى قوة وألة حرب عالمية وبالتالي الصمود هو انتصار بحد ذاته.
قد يحظى هذا التقييم بالانتقاد أو الاستغراب ، ولكن للكاتب مسلمة كبرى تقول:” إن الحرب لا تحدد نتائجها النهائية، إلاّ على طاولة المفاوضات طالما ليس هناك هزيمة ساحقة يفرض فيها المنتصر سطوته وشروطه المجحفة ” (كما حصل في الحرب العالمية الاولى” اعتبرت المانيا مهزومة وهي بالفعل لم تهزم، وفرضت عليها شروط مجحفة على طاولة إستسلام لا مفاوضات تليت عليها دون نقاش أو اعتراض جرت الى حرب أخرى…)،
الاتفاق الذي كان قاب قوسين أن توقع بنوده توضح إنتصارا” إيرانيا” صافيا” ، وقعته أميركا ترامب للخروج من حرب خاسرة بكل المقاييس بعد أن دُمّرت قواعدها الأربعة عشر في الخليج والأردن ولم تحقق أي من أهدافها المعلنة(لم يبقى أهداف خفية إذا فهم “المسلمون” أن الحرب تقاد ضد ديانتهم سنة وشيعة (يصرّح القادة في فلسطين المحتلة) ويوضح هذه الهزيمة دلائل كثيرة نختصرها في التالي:
1-رفض الكيان العبري هذا الإتفاق جملة وتفصيلا” لأسباب منها تتعلق بعدم ذكر مصلحة الكيان لا من قريب ولا من بعيد، بل واعترف بزعامة إيران في المنطقة وبحبها بالسيطرة والإشراف على مضيق هرمز. وقد صرح وزير الحرب الأميركي ماركو روبيو، أن حكومة نتنياهو أنفقت أموالا” طائلة لإفشال الإتفاق. وعاد وأعلن أننا دخلنا الحرب بطلب من الحليف اليهودي وجشية قبل أن تقصف إيران مصالحنا في الشرق اذا ما هاجم نتنياهو إيران فاستبقنا ذلك..
2-لا يوجد بند في الإتفاق يلزم إيران لتفكيك مفاعلاتها النووية رغم تصريح ترامب لان:” إيران وافقت كليا” وتماما” على خضوعها لاعلى مستوى من التفتيش النووي لفترات طويلة مستقبلية”. تترجم هذه المقولة نفسيا” باستعمالها تعابير متطرفة(تماما” كليا”, اعلى مستوى، فترات طويلة)،لانها تعبر عن نفسية مبططة توصّف الواقع كما تشتهي لا كما هو (أمر لم يكن في خيارات ايران وحساباتها) .ويعزز هذا الرأي قول الجنرال دوغلاس ماكروغر :”أصدرت عمان وإيران بيانا” مشتركا” حول الإتفاق على إدارة الملاحة في المضيق، بما في ذلك تحديد تكاليف ورسوم الخدمة وهو أمر تتيحه وتجهيزه مذكرة التفاهم”
3- الإستجواب الذي قدمه عضو الكونغرس الأميركي ،سيس ملتون seth Melton وأجيب عليه بالإيجاز في مناظرة علمية في مواجهة,(مناظرة) قائد القوات البحرية الأميركية براد كوبر B. Cooper بأسئلة ساخرة أو نافية ومستنكَرة من قٍبل مولتون كالتالي:
استجواب: قيل لنا أن البرنامج النووي الإيراني دُمّر brutally oblitereted(to destroy completly، كما ترجمها جون ستيوارت ساخرا” من ترامب)، بعد خمسة أشهر من الحرب تبين لنا في وثيقة الأمن القومي، ونسمع أضعف بشكل كبير، ما الفرق بين المفهومين؟ بقي السؤال دون جواب، ورأس كوبر بالأرض يحاول الهروب من المناظر بحجة سرية المعلومات. أصر سيس أن السؤال لغوي ويتطلب شرح المفهومان.ثم أضاف إن كان دُمّر (خلال عدوان 12 يوم)، لماذا بدأت الحرب؟…ثم يسأل : أين كان مضيق هرمز من هذه الخوف، ألم تعتقد أن أيران قادرة على إغلاق المضيق؟ أم هو جزء من الخطة، والبحرية أبقت المضيق مفتوحا” على مدى قرنين ونصف( إشارة الى عمر بلاده)؟؟
الجواب:قدمت كل الخيارات ووزير الحرب من يتخذ القرارات؟
فعاجله: وهل نبهت وزير الحرب الى الاغلاق ؟ وأين كان موقع التوسل الى الصين للمساعدة على فتح المضيق؟ (إشارة الى زيارة ترامب للصين) . كوبر كالقط بلا ذنب، متواضع كالحمل أمام الذئب منحني الرأس صوته خافت بالكاد يُسمع.
سؤال آخر: هناك تقارير تفيد بأن إيران أعادت بناء العديد من مواقعها الصاروخية التي تم قصفها ، هل هذا من خططكم؟ أجاب بإيجاز ونبرة قوية: غير صحيح( كأنه وجد ضالته، أو حبل نجاة ليبرر نفسه أو يظهر إحاطته بالأمر وثقته بما أنجز).
ثم يسأله ،Seth ساخرا” وساخطا”: فخور بأنكم سبب تغيير النظام _جزء من خططتكم- ، لقد استبدلتم رجلا” يبلغ 82عاما” يعاني من تدهور جسدي وكان قد أصدر فتوى ضد إنتاج الاسلحة النووية لشخص خمسيني أكثر تطرفا “، وإذا لم يكن متطرفا”فبقتلكم والده والمقربين منه،جعلتموه هو الآخر متطرفا” جدا” ! هذا جزء من خططكم؟؟
سيادة النائب، أجاب كوبر: لقد أُّعطينا أهدافا” عسكرية محددة تتمثل في تفويض قدرة إيران على ممارسة القوى في المنطقة وهذا بالضبط ما فعلناه.
قمتم يرفع العقوبات النفطية عن إيران وأهديتموها نحو أربعة عشر الى ستة عشر مليار دولار! بهذا المال يمكن شراء الكثير من الصواريخ! هل هذا جزء من الخطة؟؟!! يذكر أن نيويورك بوستNewYork poste لصاحبها روبرت مردوخ R. Murdock الداعم لترامب نشرت غلافا يسخر. فيه من مشهد ومنظر تقديم 10 مليار دولار لإيران قبل توقيع اي إتفاق نووي”، وتابع ملتون:” لقد قتلتم أربعة عشر جنديا” ثم ترفع العقوبات عنهم”.
الجواب لكوبر: الجيش لا يرفع العقوبات …القرار سياسي
اين كان كل هذا في خطتكم؟؟ وأضاف: في 5 مارس قلتم إنكم بنيتم أكثر منظومة دفاع جوي وصاروخي تكاملا” في الشرق الأوسط. لكن في خضم الحرب اضطررنا لطلب المساعدة من أوكرانيا الدفاع ضد المسيرات
أجاب: هذا غير صحيح (كوبر كاذب والخير صحيح)
وماذا عن سعر النفط والبنزين وزيادة ستة وخمسين بالمئة ،أهي جزء من خطتكم؟؟ وأضاف: كل هذا لم يكن من خطتكم؟ ما كانت خطتكم ، وماهي خطتكم الأن؟؟!! تظهر هذه المناظر الاستجواب ( من حسنات الديمقراطية رغم أنها لا تقدم ولا توخر ، إنما تظهر بعض كذب وتواطؤ السلطة).
جاء توقيع ترامب الإتفاق في سويسرا هروبا”( ولو مؤقتا”) من هزيمة عسكرية أ و فشل إستراتيجية قد يقضي على مستقبله السياسي وخسارته الانتخابات النصفية بانتصار وشروط إيرانية تؤكدها رغبة “إسرائيلية” جامحة في نسف الإتفاق الذي يحاول ترامب التفلت من مقتضياته التي تُرجمت بنوده هزيمة اميركية ستترجم خروج اميركي من المنطقة وترك كيان الاحتلال وحيدا” وقد اشار نائب الرئيس هيغست الى ذلك بقوله:” الذين يرفضون التفاوض مع إيران لا يملك ن حلولا” واقعية ومقترحهم القصف اللا نهائي وغير المجدي” بالطبع يقصد ذاك الكيان ، المعروف عجزه عن مقارعة حماس أو المقاومة في لبنان ومستقبله واضح.
وياتي التصعيد الأميركي الحالي وقصف الجسور والبنى التحتية كمحاولة أخيرة يائسة لتغيير الواقع أفشلتها قدرة إيران على تعقب القوى الجوية الأميركية حتى العراق والأردن حيث علا صراخ القيادة الأميركية وعويل ترامب وتهديده رفع وتيرة القصف قبل الذهاب الى الوسطاء للتحرك وإنقاذ ما تبقى من ماء الوجه الاميركي.
بين ما بقوله البروفسور جون مرشماير J.Merschmeier :” أن ترامب من يومين لتوقيع إتفاق مع إيران خوفا” من إنهيار الأقتصاد العالمي وخسارته الانتخابات النصفية”. وما بقوله لاري جونسونL.Johnson عميل سابق ل CIA من أن بلاده:” باتت مصابة بالعمر بعد تدمير راداراتها في الكويت وقاعدة العديد الفطرية وفي الاردن: التي لم يستطيع الجنود التحصن بعد أن فاجأتهم أجهزة الإنذار قبل دقيقة فقط لغياب الاستخبار المبكر نتيجة ذلك، في حين يقول الخبير الجيواستراتيجي جيانج تشين:” أن الإتفاق أو الهدنة سرقة للوقت ريثما يرحل الحر لنزول القوات البحرية الى البر رغم فداحة الخسائر التي سيتكبدها الأميركي” في حين تفيد تقارير استخباراتبة أن تعطيل أقوى قنابل أميركا الخارقة التحصينات الغير نووية التي ألقتها أميركا على المفاعلات النووية الإيرانية نهاية عدوان الإثنان عشرة يوما” واغتنام واحدة سليمة تماما” واستنساخها مع تعديل باستبدال نظام GPS الذي شوّش أثناء العملية بنظام Beidou الصيني وزيادة قدرة اختراقها الى ثمانين مترا” ما منع نتنياهو من إكمال مغامرته خوفا” على مفاعل ديمونا النووي الذي لا يزيد عنقه عن ثلاثين مترا”.
قريب الأيام سيكشف الاتجاه الذي سيختاره ترامب مع إصرار إيراني على السيطرة على مضيق هرمز مع ما يعنيه ذلك من خروج لأميركا وأساطيلها من المنطقة بعد تدمير قواعدها في الخليج وما يعنيه ذلك بالنسبة الكيان اليهودي. فهل سيفلح الجدي نتنياهو في اللعب بعقله الأكبر منه ترامب ليطبق المثل ( جدي لعب بعقل تيس) باتخاذ القرار بتدمير العالم؟؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى