
يتوجّس حزب الله، على الرغم من ارتياحه للاتفاق الإيراني مع الولايات المتحدة، من مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتبدّلة باستمرار، التي كان آخرها ما نُقل عنه بشأن الرئيس السوري أحمد الشرع، وقوله: “أنا من أتيت به، ويمكنه أن يفعل ما أطلبه منه”. وهو ما يفهم على أنّه رسالة مفادها أنَّ من أتى بالشرع يحق له أن يطلب منه العمل وفق توجيهاته، وأنَّ الأمر متوقف على ما يُطلب منه حيال حزب الله. موقف ترامب ولّد توجساً لدى حزب الله الأمر الذي يجعله يشكك في النوايا.
بارتياح ينظر حزب الله إلى الاتفاق الإيراني مع الولايات المتحدة. الاتفاق جيد، وإيران استطاعت تحسين شروطها على طاولة المفاوضات، وموقفها الصلب سيؤدي حكماً إلى وقف شامل لإطلاق النار، كما أنّ انسحاب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها سيتحقق عبر مفاوضات الملف النووي إن لم يكن قبل ذلك. وأثناء ذلك، ثمة خشية من أن تُقدم إسرائيل على جولة تصعيد سريعة، واستدراكاً لذلك أبلغت إيران الولايات المتحدة رسالة واضحة مفادها أنَّ أيَّ تصعيد إسرائيلي، أو استمرار للتصعيد في الجنوب، سيعني ردّاً إيرانياً حتميّاً على إسرائيل، سواء قبل التوقيع على الاتفاق بدقائق أو بعده مباشرة.
تفاهم أو صدام؟
للاتفاق تردادته المحليّة. فحزب الله، الذي صحّح علاقاته مع السعودية وقطر ومصر، سيكون على تفاهم معها حول أمور عدة في المنطقة ولبنان. وإذا تمَّ الاتفاق بانسيابية ومن دون تعقيدات، فقد ينعكس إيجاباً على الداخل اللبناني، الذي قد يشهد هزاتٍ سياسية على خلفية سعي المعارضين للاتفاق إلى استدراك نتائجه عبر صدام مع حزب الله. فضلاً عن ذلك، فإن مسألتي السلاح والإعمار تبقيان بندين معلّقين على تفاهم إقليمي ـ دولي ستتكشف بنوده لاحقاً.
وعلى الخط المقابل، تتواصل الجهود لترتيب العلاقة بين بعبدا وحزب الله. تلقّى رئيس الجمهورية جوزاف عون رسالة عتب طويلة من حزب الله، تضمّنت جردة بكل ما شهدته الأيام الماضية من مواقف وخطوات اعتبرها الحزب موجَّهة ضده، بدءاً من جلسة الثاني الحكومية في آذار، وصولاً إلى ما عُدّ انقلاباً على العلاقة ومسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، واعتبار البيان الصادر عنها أنَّ حزب الله عدوٌ مشترك للبنان وإسرائيل معاً، ناهيك عن التعاطي مع السفير الإيراني.
منذ فترة وبعد أن توضَّح الاتجاه صوب الاتفاق الأميركي مع إيران، تسعى بعبدا إلى تصحيح علاقتها مع إيران من خلال السفارة الإيرانية في بيروت، وحزب الله.
دخلت أكثر من قناة على خط العلاقة بين بعبدا وحزب الله، ليست كلها أساسية، لكنَّ بعبدا، التواقة إلى إعادة مدّ جسور التواصل، لم توفّر صديقاً مشتركاً أو شخصية مقرّبة إلا واستفادت من دورها لإعادة وصل ما انقطع.
الرهانات الخاسرة
بعد حرب الإسناد، ظنّ عون أنَّ الحرب الحالية ستقضي على حزب الله، وأنه إذا كان الحزب قد خرج من الحرب الأولى منهكاً، فإن الحرب الثانية ستؤدي إلى القضاء عليه. وقد وجد من يبلغه في القصر الجمهوري أن إيران نفسها باتت على شفير الهاوية، وأن نظامها سينهار كما حزب الله. وهو رهان حمله الأميركيون مع بداية الحرب وتماهى معه كثيرون في لبنان، فيما ساورت الخشية آخرين على إيران والحزب.
وعلى الرغم من تأكيدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، استمر التشكيك بإمكان وصول المباحثات إلى اتفاق أميركي ـ إيراني مشترك. هنا اعتقد لبنان الرسمي أنَّ طاولة المفاوضات المباشرة قد تُدخل رئيس الجمهورية التاريخ وتقدمه بوصفه صانع سلام في المنطقة بعد أنور السادات.
خاض لبنان الرسمي المفاوضات المباشرة خاليَّ الوفاض، إلا من مواقف هجومية على الحزب وداعية لخيار التفاوض. وعلى هذا الأساس تعاطت معه إسرائيل بفوقية على اعتبار أنها تفاوض طرفاً على ما لا يملك، محاولة فرض جدول شروطها عليه، لينتهي الأمر من دون نتائج تُذكر سوى بيان لوزارة الخارجية لم يجد من يتبناه، وإعلان مبادئ عُدّ أفضل الممكن.
ومن مواقف رئيس الجمهورية تُسجل انعطافة في مقاربته، تعكس تغييراً في نظرته إلى إيران وحزب الله، إذ سلّم بوجود الدور الإيراني، وواكب الاندفاعة الأميركية نحو طهران على الرغم مما يحيط بها من شكوك، كما أقرّ بأن صمود حزب الله ميدانياً مكّن إيران من تحسين شروطها على طاولة المفاوضات.
ترامب يريد الاتصال بحزب الله
وكانت الأصعب تلك اللحظة التي اتصلت فيها سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض بالرئيس عون لتبلغه أنَّ ترامب طلب منها، أرقام مسؤولين في حزب الله بغية الاتصال بهم ودعوتهم إلى البيت الأبيض. هنا كانت وصلت رسائل للحزب تتحدث عن رغبة بفتح قنوات تواصل مباشرة مع الأميركيين.
أربك الطلب السفيرة، فراجعت بعبدا التي اتصلت بعين التينة وأبلغت رئيس مجلس النواب نبيه بري بالطلب، فراجع بدوره حزب الله الذي يعتبر أن “الأخ الأكبر” هو المرجعية وصاحب القرار في كل ما يتعلق بالمفاوضات والاتفاق.
عندها دخل سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى على خط العلاقة مع عين التينة، بزخم أكبر في تبادل الرسائل.
هيكل والزيارة المتعددة الأبعاد
الجدير ذكره هنا أنَّ حزب الله لم يكن بعيداً عن المفاوضات، إذ كان موفده لا يزال حاضراً في باكستان، فيما كان موفد ثانٍ مقيماً في قطر. أما ثالثهما فكان قائد الجيش العماد رودولف هيكل، الذي لبّى دعوة نظيره الباكستاني عاصم منير إلى زيارة متعددة الأهداف، شملت عرضاً لتدريب الجيش اللبناني، والبحث في دوره مستقبلاً بعد انسحاب إسرائيل، والأهم تحسين العلاقة بين قيادة الجيش والأميركيين بمسعى باكستاني، بعدما كانت واشنطن تصرُّ على إقالة هيكل، وهو ما اصطدم بمعارضة لبنانية واسعة واستحالة عملية، حتى من قبل عون نفسه، الذي اعتبر أن إقالته تعني ضربة قاضية لعهده، خصوصاً أنّه لا تربطه أيّة علاقة وديّة بالشخصية التي طُرحت بديلاً عنه. فضلاً عن أنّ هيكل كان ينفذ خطة واضحة لنشر الجيش جنوباً وعلى تنسيق مع لجنة الميكانيزم، لكنّه رفض تقديم تنازلات للوفد الإسرائيلي المفاوض وأن يدخله شريكاً وعبر لجان مشتركة في عمل الجيش جنوباً. تمت الزيارة بموافقة أميركية، وترتيب سعودي، ودور قطري بطبيعة الحال.
في ضوء كل ما سبق، من الطبيعي أن يجد عون نفسه في مأزق، وهو الرئيس الذي سبق أن جمع تحت مظلة عهده مختلف الأطياف السياسية، قبل أن يعتبره البعض رئيساً لفئة دون أخرى. وحتى خلال الحرب، لم يشعر جميع اللبنانيين أنّهم سواسية في العلاقة معه، وهو ما قد يتطلب منه جهداً إضافياً تجاه بيئة الثنائي قبل الثنائي نفسه.
قرارات الحكومة عائقاً
وفي هذا الإطار، تتحدث أوساط حزب الله عن علاقة آخذة في التحسن تدريجياً، وإن كانت قرارات الحكومة الصادرة في الثاني من آذار لا تزال تشكّل ندوباً تستدعي البحث عن مخرج قانوني لها لاحقاً بما يتناسب مع التطورات التي حصلت.
في المقابل، لا يرى حزب الله مصلحة له في استمرار القطيعة مع عون، لكنَّ عودة العلاقة هذه المرة ستكون على أسس متفقٍ عليها، ومنطلقة من تسليم كل جهة بدورها وحضورها في المعادلة الداخلية، وابتعاد بعبدا عن الرهانات الخارجية. وينسحب ذلك حكماً على العلاقة داخل مجلس الوزراء وعلى القرارات الصادرة عنه، بعدما كانت كيدية وصداميّة.
“الجريدة نيوز”



