
فرضت إيران حدّاً للخيانة الدبلوماسية، وخرجت من ثوب الصبر الاستراتيجي إلى حالة التأديب المباشر، لتذكّر بعض المتذاكين في السياسة أن الإفراط في الرهان على الوقت لا يحوّل الوهم إلى حقيقة، وأن من اعتاد الاختباء خلف البيانات والتصريحات اكتشف فجأة أن للوقائع الميدانية لغةً أفصح من كل خطابات المجاملة. فحين تنفد جدوى المراوغة وتسقط أقنعة الإنكار، يصبح الواقع هو الحكم الأخير، وتتحول الحسابات التي بُنيت على الغرور وسوء التقدير إلى عبء على أصحابها، بعدما ظنّوا أن بإمكانهم تطويع الحقائق أو تأجيل استحقاقاتها إلى ما لا نهاية.
وقد كشفت الأحداث، في نظر كثيرين، حدود اللعبة الدبلوماسية القائمة على توزيع الأدوار بين الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل؛ فبينما كانت الأولى ترتدي قفازات الوسيط وتدعو إلى الحوار وخفض التصعيد، كانت الثانية تمضي في فرض الوقائع بالقوة، في مشهد بدا لكثير من المراقبين أقرب إلى تقاسمٍ للأدوار منه إلى اختلافٍ في المقاصد. وعندما انكشفت الهوّة بين الخطاب والممارسة، تبيّن أن بعض المبادرات لم تكن سوى شراءٍ للوقت، وأن كثيراً من الوعود التي قُدّمت تحت عناوين التهدئة والثقة المتبادلة لم تصمد أمام اختبار الأفعال. فالدبلوماسية التي تتحول إلى ستار للمناورة تفقد قيمتها، والرسائل المزدوجة قد تؤخر المواجهة لكنها لا تلغي استحقاقها.


